يعد اختفاء البشر من دون سبب واضح من الظواهر السحرية
التي جاءت في حكايات ألف ليلة وليلة ، مثال ذلك حكاية الأمير الذي سحرته
ابنة عمه الخائنة وسحرت معه مدينة السلطان محمود صاحب الجزائر السود وما
فيها من الأسواق والغيطان ، وكانت المدينة أربعة أصناف مسلمين ونصارى
ويهودا ومجوسا فسحرتهم سمكا ، فالأبيض مسلمون ، والأزرق نصارى ، والأصفر
يهود ، والأحمر مجوس ، ثم أخفتهم في بركة ماء . هذا في الأدب ، وليس في
الحياة ، ومع ذلك فقد حدثت معجزات كتلك في حياتنا منها اختفاء الصحفي رضا
هلال نائب رئيس تحرير الأهرام في 11 أغسطس 2003 ، وهو ملء العين والبصر ،
فلم يظهر له أثر ولم نعرف من الذي سحره إلي يومنا هذا ؟ . من الظواهر
السحرية أيضا أن ترى أمامك فجأة بشرا ، يتحركون ، ويتزوجون ، ويأكلون ، وهم
غير موجودين ! هذا في الأدب ، وليس في الحياة ، ومع ذلك فقد حدثت معجزة
كتلك ، أقصد ظهور البهائيين الذين يسكنون المنازل ، ويركبون المواصلات ،
ويعملون ، ولكن ما من علامة واحدة في سجلات الدولة تثبت أن لهم وجودا شرعيا
وقانونيا بيننا ! المصريون من البهائيين موجودون ، ويمكنك أن تلتقي ببعضهم
، وتخاطبهم ، ويخاطبونك ، ولقطع الشك باليقين يمكنك أن تمد يدك إلي أجسامهم
لتتأكد من أن وجودهم حقيقة ، لكنك ستفشل تماما إذا حاولت أن تتيقن من
وجودهم رسميا. تسأل البهائي : ألست فلانا ؟ يقول : نعم . تسأله : ألا تعمل
في المصلحة الفلانية ؟ يقول : نعم . تسأله : أنت متزوج ؟ يقول : نعم .
تستفسر : لك أولاد ؟ يقول : نعم . تسأله : هل لديك بطاقة أو شهادة ميلاد أو
جواز سفر أو رخصة قيادة ؟ يقول : لا . تسأله : هل تستطيع أن تشتري أو تبيع
أو توقع عقدا ؟ . يقول : لا . تسأله : طيب .. هل تستطيع أن تتعامل مع
البنوك ؟ يقول : لا . تسأل : هل تستطيع تحديد موقف أولادك من التجنيد ؟ .
يقول : لا . لا أستطيع . الله ؟ هل أنت موجود أم لا ؟ . يقول : لا أدري .
ولا يبقى لك سوى أن تفرك عينيك ناظرا للبهائي متسائلا : يا ربي ، هل أن
أولئك البهائيون المحيرون موجودون أم لا ؟ حقيقة أم وهم ؟ أبدان تدب أم
أطياف في الجو ؟ فإذا كانوا حقيقة فكيف اختفوا من كل الأوراق الرسمية ؟
وإن كانوا وهما فكيف يتحركون ويأكلون وينامون ؟ بل تصل الجرأة ببعضهم إلي
حد الإنجاب ؟! أتكون تلك هي الواقعية السحرية في طبعة مصرية ؟ ومن هو
المؤلف المبدع لذلك النص السحري ؟ أهو وزير العدل المصري ؟ أم وزير
الداخلية ؟ .
البهائيون حقيقة دخلت إلي مصر منذ منتصف القرن 19 ،
وأصبحوا جزءا من نسيج المجتمع المصري ، ومنهم كتاب وفنانون عظام مثل حسين
بيكار . والحوار بشأن مشكلتهم ليس حوارا متعلقا بالدين ، لأنهم لا يطالبون
أحدا بالاعتراف بديانتهم ، كلا ، لكن ما ينشدونه هو حق التحول من وهم إلي
واقع ، أقصد حقوق المواطنة التي لا علاقة لها بالموضوع الديني . وقد ظهرت
مشكلة البهائيين منذ زمن ، وفصلت فيها محكمة شرعية مصرية عام 1923 وقضت
بالاعتراف بالبهائية كدين . لكن الدولة قامت فيما بعد بإغلاق محافلهم بقرار
جمهوري رقم 263 عام 1960 ، واعتبرتهم ملة مارقة بفتوى أزهرية ، وجاء قرار
آخر عام 1961 حرم البهائية من اعتراف بها . ثم عقدت الدولة حياتهم مع صدور
القانون 143 عام 1994 القاضي بحصول المواطنين على بطاقة " قومية " ، وكانت
أوراق تلك البطاقات تحتوي على أربع خانات، ثلاث للديانات المعترف بها ،
وخانة رابعة يكتب فيها " أخرى " أي ديانات أخرى . وحصل بعض البهائيين
بالفعل على بطاقات قومية بالخانة الرابعة ، ثم ألغيت تلك الخانة بقرار
إداري رقم 46 عام 2004 ، وهو قرار لم ينشر في جريدة الوقائع الرسمية ، ولم
يصدق عليه من مجلس الشعب . وبعدها توقف صرف أي بطاقات أو شهادات ميلاد أو
أية أوراق رسمية للبهائيين ! لقد سحرتهم الدولة سمكا وأخفتهم في بركة ماء !
واستمر هذا الوضع السحري إلي أن أصدرت محكمة القضاء الإداري التابعة لمجلس
الدولة حكمها في 4 أبريل هذا العام بحق المواطنين البهائيين المصريين في
إثبات ديانتهم في أوراقهم الرسمية ، تأكيدا لحكم سابق مماثل صدر منذ ثلاثة
وعشرين عاما . ثم جرى الطعن في ذلك الحكم وسط موجة من التحريض على
البهائيين إلي حد المطالبة بقتلهم كما حدث في جلسة مجلس الشعب 3 مايو 2006
! الغريب أن هناك حالات لبهائيين كانت الزوجة فيها أمريكية والزوج مصري، أو
العكس ، وصدرت شهادات ميلاد للأطفال من دون ذكر أية ديانة أصلا ! ربما لأن
البهائي الأمريكي من النوع الأصلي ومش مضروب كالبهائي المصري ! .
ما يطالب به البهائيون أمر لا علاقة له بالاعتراف
بديانتهم من عدمه ، إنهم يطلبون منحهم شهادات ووثائق بدون أية هوية دينية ،
يطالبون بحقوق المواطنة لتنظيم شئون حياتهم وحياة أولادهم . هذا أو يظل
البهائيون موجودين وغير موجودين ، يتحركون على شعرة دقيقة بين الواقع
والوهم ، وفي هذه الحالة ينبغي على الدولة أن تمنح مؤلف ذلك النص السحري
جائزة الدولة التقديرية في الأدب .
Ahmad_alkhamisi@yahoo.com