البهائية والنزعة السحرية

أحمد الخميسي

20 مايو 2005

يعد اختفاء البشر من دون سبب واضح من الظواهر السحرية التي جاءت في حكايات ألف ليلة وليلة ، مثال ذلك حكاية الأمير الذي سحرته ابنة عمه الخائنة وسحرت معه مدينة السلطان محمود صاحب الجزائر السود وما فيها من الأسواق والغيطان ، وكانت المدينة أربعة أصناف مسلمين ونصارى ويهودا ومجوسا  فسحرتهم سمكا ، فالأبيض مسلمون ، والأزرق نصارى ، والأصفر يهود ، والأحمر مجوس ، ثم أخفتهم في بركة ماء . هذا في الأدب ، وليس في الحياة ، ومع ذلك فقد حدثت معجزات كتلك في حياتنا منها اختفاء الصحفي رضا هلال نائب رئيس تحرير الأهرام في 11 أغسطس 2003 ، وهو ملء العين والبصر ، فلم يظهر له أثر ولم نعرف من الذي سحره إلي يومنا هذا ؟ . من الظواهر السحرية أيضا أن ترى أمامك فجأة بشرا ، يتحركون ، ويتزوجون ، ويأكلون ، وهم غير موجودين ! هذا في الأدب ، وليس في الحياة ، ومع ذلك فقد حدثت معجزة كتلك ، أقصد ظهور البهائيين الذين يسكنون المنازل ، ويركبون المواصلات ، ويعملون ، ولكن ما من علامة واحدة في سجلات الدولة تثبت أن لهم وجودا شرعيا وقانونيا بيننا ! المصريون من البهائيين موجودون ، ويمكنك أن تلتقي ببعضهم ، وتخاطبهم ، ويخاطبونك ، ولقطع الشك باليقين يمكنك أن تمد يدك إلي أجسامهم لتتأكد من أن وجودهم حقيقة ، لكنك ستفشل تماما إذا حاولت أن تتيقن من وجودهم رسميا. تسأل البهائي : ألست فلانا ؟ يقول : نعم . تسأله : ألا تعمل في المصلحة الفلانية ؟ يقول : نعم . تسأله : أنت متزوج ؟ يقول : نعم . تستفسر : لك أولاد ؟ يقول : نعم . تسأله : هل لديك بطاقة أو شهادة ميلاد أو جواز سفر أو رخصة قيادة ؟ يقول : لا . تسأله : هل تستطيع أن تشتري أو تبيع أو توقع عقدا ؟ . يقول : لا . تسأله : طيب .. هل تستطيع أن تتعامل مع البنوك ؟ يقول : لا . تسأل : هل تستطيع تحديد موقف أولادك من التجنيد ؟ . يقول : لا . لا أستطيع . الله ؟ هل أنت موجود أم لا ؟ . يقول : لا أدري . ولا يبقى لك سوى أن تفرك عينيك ناظرا للبهائي متسائلا : يا ربي ، هل أن أولئك البهائيون المحيرون موجودون أم لا ؟ حقيقة أم وهم ؟ أبدان تدب أم أطياف في الجو ؟ فإذا كانوا حقيقة  فكيف اختفوا من كل الأوراق الرسمية ؟ وإن كانوا وهما فكيف يتحركون ويأكلون وينامون ؟ بل تصل الجرأة ببعضهم إلي حد الإنجاب ؟! أتكون تلك هي الواقعية السحرية في طبعة مصرية ؟ ومن هو المؤلف المبدع لذلك النص السحري ؟ أهو وزير العدل المصري ؟ أم وزير الداخلية ؟ .

البهائيون حقيقة دخلت إلي مصر منذ منتصف القرن 19 ، وأصبحوا جزءا من نسيج المجتمع المصري ، ومنهم كتاب وفنانون عظام مثل حسين بيكار . والحوار بشأن مشكلتهم ليس حوارا متعلقا بالدين ، لأنهم لا يطالبون أحدا بالاعتراف بديانتهم ، كلا ، لكن ما ينشدونه هو حق التحول من وهم إلي واقع ، أقصد حقوق المواطنة التي لا علاقة لها بالموضوع الديني . وقد ظهرت مشكلة البهائيين منذ زمن ، وفصلت فيها محكمة شرعية مصرية عام 1923 وقضت بالاعتراف بالبهائية كدين . لكن الدولة قامت فيما بعد بإغلاق محافلهم بقرار جمهوري رقم 263 عام 1960 ، واعتبرتهم ملة مارقة بفتوى أزهرية ، وجاء قرار آخر عام 1961 حرم البهائية من اعتراف بها . ثم عقدت الدولة حياتهم مع صدور القانون 143 عام 1994 القاضي بحصول المواطنين على بطاقة " قومية " ، وكانت أوراق تلك البطاقات تحتوي على أربع خانات، ثلاث للديانات المعترف بها ، وخانة رابعة يكتب فيها " أخرى " أي ديانات أخرى . وحصل بعض البهائيين بالفعل على بطاقات قومية بالخانة الرابعة ، ثم ألغيت تلك الخانة بقرار إداري رقم 46 عام 2004 ، وهو قرار لم ينشر في جريدة الوقائع الرسمية ، ولم يصدق عليه من مجلس الشعب . وبعدها توقف صرف أي بطاقات أو شهادات ميلاد أو أية أوراق رسمية للبهائيين ! لقد سحرتهم الدولة سمكا وأخفتهم في بركة ماء ! واستمر هذا الوضع السحري إلي أن أصدرت محكمة القضاء الإداري التابعة لمجلس الدولة حكمها في 4 أبريل هذا العام بحق المواطنين البهائيين المصريين في إثبات ديانتهم في أوراقهم الرسمية ، تأكيدا لحكم سابق مماثل صدر منذ ثلاثة وعشرين عاما . ثم جرى الطعن في ذلك الحكم وسط موجة من التحريض على البهائيين إلي حد المطالبة بقتلهم كما حدث في جلسة مجلس الشعب 3 مايو 2006 ! الغريب أن هناك حالات لبهائيين كانت الزوجة فيها أمريكية والزوج مصري، أو العكس ، وصدرت شهادات ميلاد للأطفال من دون ذكر أية ديانة أصلا ! ربما لأن البهائي الأمريكي من النوع الأصلي ومش مضروب كالبهائي المصري ! .

ما يطالب به البهائيون أمر لا علاقة له بالاعتراف بديانتهم من عدمه ، إنهم يطلبون منحهم شهادات ووثائق بدون أية هوية دينية ، يطالبون بحقوق المواطنة لتنظيم شئون حياتهم وحياة أولادهم . هذا أو يظل البهائيون موجودين وغير موجودين ، يتحركون على شعرة دقيقة بين الواقع والوهم ، وفي هذه الحالة ينبغي على الدولة أن تمنح مؤلف ذلك النص السحري جائزة الدولة التقديرية في الأدب .


Ahmad_alkhamisi@yahoo.com

ZNet  - من نحن  - الإصدارات - التقارير -  كفاية زي نت العربية