سنقترع ثم نلقي بكم خارج البلاد

بيبي اسكوبار

15 ديسمبر 2005.

أولا، نظرة سريعة الى البيئة المؤدية لانتخابات الخميس في العراق.  اغتيالات سياسية، حرق مراكز قيادة الأحزاب، اختطاف (كلها أحداث لم تخرج عنها تقارير من كوربوريشن وسائل الإعلام في الغرب).  رئيس وزراء سابق، اياد علاوي – المعروف بشكل واسع في بغداد أنه "صدام دون شارب" – يقول في التسجيلات أن حقوق الانسان في عراق الرئيس جورج دابليو بوش هي أسوأ مما كانت عليه أثناء صدام.

حزب الدعوة الذي يتبعه رئيس الوزراء الحالي ابراهيم الجعفري يتهم علاوي بالدفاع عن المحتلين.  علاوي يتهم حكومة الجعفري بالفساد.  بوسترات حملة أحد رجال البنتاجون السابقين احمد الجلبي تعلن "نحن الذين حررنا العراق".

شبكة من سجون التعذيب السرية وبيوت لحفظ عظام الموتى.  الخوف والإشمئزاز في جحيم الميليشيا.  عمليات عسكرية أمريكية "لتأمين انتخابات سلمية".  كل حركة المرور محظورة بواسطة المحتلين (لمنع السيارت المتفجرة).  الحدود مع كلا من سوريا والأردن، بالإضافة الى مطار بغداد، كلها مغلقة.

شيطاني، وحر ومنصف

نحن كلنا نعرف ما سوف يقوله البعض.  صدام حسين – أثناء إعداد إنقلابه القادم في قاعة المحكمة – أعلن أن الانتخابات "مسخرة".  القاعدة في بلاد الرافدين، زائد أربع جماعات جهادية أخرى، استنكرت الانتخابات بوصفها "مشروع شيطاني"، وتعهدت بأن تستمر في الجهاد، والقتال من أجل "دولة اسلامية يحكمها القرآن وسنة النبي محمد".

المواقف الأخرى فارقة أكثر.  يوم الأثنين، وزع منشورا على نطاق واسع في حي الأعظمية ببغداد ينص على أن العرب السنة قد سنحت لهم فرصة لتدعيم موقفهم من خلال الانتخابات، ولكن "القتال سوف يستمر ضد الكفار وأتباعهم".

إنهيار إدارة بوش السريع – وقد ترجمت ذلك كوربوريشن وسائل الإعلام الغربية بإخلاص في نقلها للشكوك المعتادة ("الخاصة بالمسئولين الأمريكيين") – يتبع نفس النص المتفائل: "نقطة تحول واسعة" بين "الاقلية العربية السنية الساخطة" وهي نقطة تحول "قد تستطيع" الخروج بحكومة "قادرة على الظفر بثقة السنة"، "وتبطل مفعول التمرد" وهكذا تقود الولايات المتحدة "والقوات الأجنبية الأخرى" الى بدء العودة الى بلادهم بحلول عام 2006.

المرشح المفضل للحلف الانجلو أمريكي في الانتخابات والمفترض على أنه قادر على هزيمة الكل هو مرة أخرى علاوي – وهو شيعي علماني من الضواري الذي كان بعثيا ذات مرة (ولقد احتفظ بالعلاقات الطيبة مستمرة) قبل أن يصبح معاديا لصدام وأحد مكامن القوة للاستخبارات الأمريكية.  قد ينسى البيت الأبيض ذلك، ولكن العراق لا ينسونه؛ اعطى علاوي الضوء الأخضر للأمريكان ليسووا الفلوجة بالأرض وليقصفوا النجف المقدسة في 2004.

منذ عدة أيام قصف علاوي بالأحذية وطرد من مزار الإمام علي في النجف.  توني بلير رئيس الوزراء البريطاني يدعم علاوي ويعتبره "أفضل أمل" للعراق.  المحللون في البنتاجون يوافقون على ذلك، حيث أن واحدا منهم أخبر سايمون هيرش في صحيفة النيويوركر أن "علاوي سوف يسمح لنا بالاحتفاظ بعمليات القوات الخاصة داخل العراق... المهمة اكتملت.  إنقلاب لصالح بوش".

حقيقة أن المشروع الأمريكي محتوم بالفشل لأن مقدماته نفسها خاطئة لا تستطيع تلك الحقيقة أن تتنكر في أي كمية من الرويات عن المشاعر الطيبة – قشرة خارجية من الديموقراطية كطفل غير شرعي لغزو غير شرعي واحتلال أجنبي.  أكثر من ذلك، "ديموقراطية الوجبات السريعة" هذه التي يروج لها أو يفرضها البيت الأبيض تقوم على الطائفية من البداية.  إنها تقود بشكل عنيد الى لبننة العراق، وهي ظاهرة موازية لعرقنة الاحتلال.

الناخبون العراقيون لهم أسبابهم الوجيهة للتساؤل حول إذا ما كانت هذه الانتخابات نزيهة وحرة.  بالنسبة للمبتدئين، معظمهم لا يهتم؛ ما يجعلهم يتسمرون أمام شاشات التلفزيون هي محاكمة صدام (معظم العراقيين، الشيعة والأكراد، قد أصدروا عليه حكم الإعدام توا).  لا يوجد تأمين قوي للناخبين؛ كل ما يأملونه هو ألا ينفجروا الى فتات عندما يقدموا على السير الاجباري الى مراكز الانتخاب للاختيار ما بين 231 حزبا سياسيا وائتلافا ومرشحين أفراد.

كما إنه وبنفس الدرجة لا يوجد تأمين وافر للسبعة آلاف مرشح.  الجسم الرئيسي للحملة الانتخابية كان على شاشات التلفزيون؛ وهذا يعني أن قلة نضرة من الأحزاب لديها الامكانية.  الحملات الانتخابية في الميدان أدت الى حالات اختطاف وحتى اغتيال.  أكثر من ذلك، معظم الناخبين غير متأكدين على نحو دقيق فيما سوف يفعلونه.  كشفت الاستطلاعات الأخيرة عن أن نصف السكان العراقيين على الأقل ما زالوا غير مقتنعين بمزايا الديموقراطية على النمط الغربي، على الأقل النسخة التي يروج لها البيت الأبيض.

نسبة النصف من السكان تعتقد أنه قد كان عليهم ألا يضعوا قدما واحدة في أرض العراق.  60% يعتقدون أن المحتلين قد أحالوا البلاد الى كارثة أكبر من التي كانت عليها الأحوال قبل الحرب العراقية الايرانية عام 1980، وحرب الخليج الأولى عام 1991 والـ 12 عام عقوبات الأمم المتحدة.  ثلثا السكان يريد خروج المحتلين.  نصف السكان الذين استطلع رأيهم بواسطة الـ BBC قالوا أن العراق يريد قائدا أقوى ("صدام دون شوارب"؟)  28% فقط قالوا أن الديموقراطية أولوية.

أجندة الشيعة الكاملة

يحتاج الأمر الى قليل من الفطنة السياسية حتى نقول على أي شاكلة سوف تتجه رياح (الصحراء).  بنهاية نوفمبر، قام رجل الدين الشيعي المهيج مقتضى الصدر بالتحرك، شاهرا كل مدافعه السياسية مدوية تروج "لحلف الشرف"، الذي يدعو الأحزاب العراقية للمشاركة فيه.

الخميس الماضي، في حي الأعظمية ببغداد، تم توقيع حلف الشرف المكون من 14 نقطة بواسطة مصفوفة مبهرة من الأوزان السياسية الثقيلة.  من بينهم: الحزبان الشيعيان الرئيسان، المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وحزب الدعوة؛ والصدريين؛ وجبهة الوفاق العراقي (التي هي تحالف من ثلاث أحزاب سنية كبرى)؛ وأحمد جلبي (ممثلا شخصه)؛ وأعضاء من لجنة تصفية البعث؛ وعدد من رؤساء العشائر؛ والنقابات؛ والمؤسسات الاجتماعية؛ وموظفي الحكومة.

من بين النقاط الحاسمة في الحلف: انسحاب المحتلين ووضع جدول زمني موضوعي لانسحابهم من العراق؛ إلغاء كل ما ترتب على وجودهم، بما فيها قواعدهم العسكرية داخل البلاد، بينما يتم العمل بشكل جاد لبناء مؤسسات الأمن [العراقية] وقواته المسلحة في خلال جدول محدد؛ لا مزيد من الحصانة لقوات الاحتلال؛ لا علاقات مع اسرائيل من اي نوع؛ إدانة الإرهاب ("نحن ندين الإرهاب وأعمال العنف، والقتل والاختطاف والطرد التي تستهدف المدنيين الأبرياء لأسباب طائفية".)، إدانة حزب البعث "كمنظمة ارهابية" ونلح على "الاسراع بمحاكمة الرئيس المخلوع صدام حسين"؛ وقرار "بتأجيل تنفيذ مبدأ الفدرالية المتنازع عليه".

هذه، في كبسولة صغيرة الحجم، أجندة الشيعة من أجل العراق الجديد، التي من المحتمل أنها تمثل 62% من السكان البالغ عددهم تقريبا من 25 الى 26 مليون.  قد يكون الحلف تحركا صدريا، ولكن لا يوجد سبب للاعتقاد بأن هذه القرارات لن تنفذ حيث أن التحالف العراقي الموحد (UIA)، الذي يهيمن عليه المجلس الأعلى، وحزب الدعوة وأنصار الصدر، يتسعد لأن يصبح الأغلبية في الجمعية الوطنية العراقية الجديدة ذات الـ 275 مقعدا.  قضية الاعداد كلها في الانتخابات هي بأي نسبة سوف يكون التحالف العراقي الموحد أغلبية مقارنة بائتلاف الأكراد وجبهة الوفاق العراقية.

اللاعبون الكبار

التحالف العراقي الموحد، القائمة رقم 555، التي خلقت ببركة آية الله العظمي على السيستاني حصلت على 50% من الأصوات في انتخابات يناير.  الآن التحالف المشكل من 18 حزبا هو أضعف لأن بعض الاحزاب قد خرجت منه.  السيستاني أعلن موقفه الاحد الماضي.  في يناير، كان السيستاني قد أمر عمليا كل أصوات الشيعة بأن تذهب للتحالف العراقي الموحد.  الآن، موقفه أكثر دقة.  "هذه الانتخابات بالضبط ذات نفس اهمية الانتخابات السابقة، والمواطنون – رجالا ونساءا – يجب أن يشاركوا فيها على نطاق واسع من أجل ضمان حضور قوي وكبير من اجل هؤلاء الذين سوف يحرسون ايماننا ويعملون بهمة من أجل مصالحهم الأعلى في البرلمان القادم".

ورغم أنه لم يتبن بصراحة التحالف العراقي الموحد، فإنه قد نصح كل الشيعة بألا يتفرقوا وينقسموا ويضيعون أصواتهم؛ وهذا يعني شيئا مثل "انتخبوا التحالف الموحد، وليس علاوي".  سياسيا، التحالف الموحد تتعرض لنقد شديد من العراقيين أنفسهم بسبب عجزها المطلق – وعدم كفاءتها – في التعامل مع الفساد وبسبب الحرب ضد كلا من المقاومة العربية السنية والجماعات الجهادية.

قائمة الائتلاف الكردستاني المشكلة من 8 احزاب، رقم 730، باقية تحت هيمنة الاتحاد الوطني الكردستاني، بزعامة الرئيس العراقي الحالي جلال طالباني، والحزب الديموقراطي الكردي، بزعامة مسعود برزاني رئيس كردستان العراقية.  لقد كانت القائمة حليفة للتحالف العراقي الموحد في حكومة الشهور العشر الماضية ولكن الصراع الداخلي بينهما كان عميقا بلا قرار.  الشيء الوحيد الذي يهتم به الأكراد فعليا هو كركوك وثروتها النفطية – وكيف يمنعون العرب السنة والتركمان من نيل شريحة من الكعكة.

القائمة الوطنية العراقية المشكلة من 15 جماعة، رقم 731، علمانية وعابرة للطوائف، يترأسها علاوي.  القائمة تتضمن الحزب الشيوعي، ورئيس الخارجية السابق (في حقبة ما قبل صدام) عدنان الباجاجي (عربي سني)، وقليل من مشايخ العشائر بل وحتى بعض رجال الدين الشيعة الليبراليين.

يقولون أنهم سوف يحاربون المقاومة العربية السنية (هل يعني ذلك تسوية الرمادي بالأرض الآن بدلا من الفلوجة؟)، ويؤسسون حكومة مركزية قوية (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة والصدريون لن يدعهوهم أبدا يفلتون بذلك)، ويراجعون قوانين تصفية البعث (لذا سوف يستطيع علاوي أن يأتي بزملائه القدامى الى الحكومة مرة أخرى) ويعيدون مزيد من الضباط السابقين في الجيش العراقي الذي حله القنصل السابق بول بريمر الى القوات الأمنية الجديدة (مرة أخرى، على جثة المجلس الأعلى والدعوة والصدريين).

جبهة الوفاق العراقية، رقم 618، هي تحالف بين ثلاثة معظمهم من الجماعات العربية السنية الإسلامية.  كلهم كانوا قد قاطعوا انتخابات يناير.  برنامجهم يتضمن الانسحاب الأمريكي الكامل، وبالطبع عودة ضباط الجيش العراقي السابقين من العرب السنة.  وهم يريدون أيضا تغيير الدستور – مرة أخرى – لإلغاء سلطات المحافظات المؤسسة حديثا وتدعيم سلطة بغداد.

قائمة المؤتمر الوطني العراقي المشكلة من 10 أحزاب، برئاسة رجل البنتاجون السابق، والنائب الحالي لرئيس الوزراء والإحيائي الخالد، جلبي.  انشق جلبي على التحالف العراقي الموحد ليشكل مجموعته الخاصة.  جلبي بوضوح يبشر بقتال المقاومة العربية السنية وبطريقة شعبوية لا تهزم وعد كل عائلة عراقية بمنحة نقدية من أموال النفط العراقي زائد قطعة من الأرض لكل عائلة لا تمتلك بيتا حتى الآن.

كل شيء على ما يرام في جحيم الميليشيات

عندما لا يكونوا مشغولين بتبادل إطلاق النار الدائر حولهم أو حينما يحاولون تمضية ساعة واحدة على الأقل في النهار دون انقطاع للمياة أو الكهرباء، يرى العراقيون أكوام العفن في كل مكان.  الحروب الصغيرة بين علاوي وجلبي (وهم أبناء عمومة) تزداد قذارة يوما بعد يوم.  الحكومة البريطانية طبقا لبعض التقارير الغير مؤكدة تسحب كل نقاط التفتيش حتى توقف تحريات عن سرقة أكثر من 1.3 بليون دولار من وزارة الدفاع.  وهذا في صالح – ومن غيره – علاوي، لأن النقود قد "اختفت" أثناء وجوده المشبع بالفساد كرئيس وزراء لمدة ستة أشهر.

كذلك هناك العفن في وزارة الداخلية.  بيان جبر، الوزير، ينتمي للمجلس الأعلى.  بيان جبر يوجد تحت إمرته 110 الف رجل مسلحين حتى الأسنان.  ميليشيا المجلس الأعلى، منظمة بدر، كتائب بدر السابقة، تحكم وزارة الداخلية وقد اخترقت قوات مغاوير الشرطة الشبه عسكرية، وهي في الواقع فرق الموت "الشرعية" المتخصصة في ترويع السنة العرب.  من ناحية موازية، جيش المهدي برئاسة مقتدى الصدر يسيطر على معظم شرطة بغداد.  عديد من الناس يميلون الى الى نسيان أن بغداد هي مدينة ذات أغلبية شيعية.

هذه البلاد كفت عن أن تكون بلدا

لا تؤدي أي من هذه النقاط الى تماسك وطني.  "العراق" كما عرفناها – الدولة الموحدة شديدة المركزية ذات الحدود المصطنعة التي رسمتها بريطانيا على ورقة من أوراق المناشف بعد الحرب العالمية الأولى – ربما تكون في طريقها للزوال بعد هذه الانتخابات.

التقسيم طبقا للأمر الواقع الى أربع مناطق لكردستان – تتراوح نسبتهم بين 15% و20% من السكان، محكومة ذاتيا ببوليس وجيش خاص بها.  سؤال المليون دولار هو كيف سوف يشكل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة والصدريون مقاطعات الشيعة-ستان التي تتكون من تسع محافظات شيعية من محافظات العراق الثمانية عشر.  ربما تكون هذه هي النتيجة المنطقية بعد الدستور الذي وضع الأمريكان تصميماته والذي صدق عليه في استفتاء 15 اكتوبر.  زعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، عبد العزيز الحكيم، بالتأكيد يريد الشيعة-ستان.

سوف تترك للولايات المتحدة مساحة أكثر قليلا من مساحة المنطقة الخضراء – وهي بالتأكيد ليست بحيرة بترولية – والكثير من الصحراء.  جوهريا، الأكراد والشيعة سوف يكونا قادرين على تقرير ما سوف يفعلونه بعوائد النفط.  الأكراد، على سبيل المثال، قد قاموا بوا بالتوقيع على عقد مع شركة نفط نرويجية لاستخراج البترول.

انتخابات أم لا، الورطة المشبعة بالدماء سوف تظل فاعلة بالكامل.  سوف تستمر القاعدة في التفجيرات الانتحارية حتى الموت.  سوف تستمر فرق الموت الشيعية في تنفيذ الإعدامات بحق العرب السنة.  سوف يستمر السياسيون الشيعة والأكراد في التشاحن – بينما يتزايد إهمال كلا من الشيعة والأكراد لبغداد.  سوف يستمر الأمريكان في حراسة لا شيء – ولا حتى الطريق من المطار حتى المنطقة الخضراء.

إعادة الإعمار سوف لن يبقى له أثر في الواقع – حتى يوم ليس بعيدا جدا عندا يسيطر الشيعة الموقعون على "حلف الشرف" – وهم الرابحون المحتملون في الانتخابات – عندما يسيطرون على إرادتهم لإخبار المحتلين "اخرجوا خارج وطننا – ولا تنسوا حزم قواعدكم العسكرية معكم أيضا".

كفاية - من نحن - انضم إلينا - المصادر - الإصدارات - التقارير - الأرشيف