يتشبثون بالسفينة المعطوبة بينما الفئران تغادرها!

نصر شمالي

5 ديسمبر 2005

قبل فترة من الزمن أعدّ توم سيغف لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية تقريراً جاء فيه أن اعتماد الإسرائيليين بالكامل على الولايات المتحدة خاطئ، لأنه ليس ثمة ضمانة لاستمرار الهيمنة العالمية الأميركية! ويقول يهودا باوتسر، في مقالة نشرتها له صحيفة معاريف (16/10/2005) أن سيغف كان على حق، حيث الديون الوطنية على الولايات المتحدة تقدر اليوم بحوالي 7-8 تريليونات دولار، ربعها أو ثلثها تملكه الصين، وأن العجز السنوي الأميركي يراوح في حدود 450 مليار دولار، وأنه لا يمكن للولايات المتحدة الاستمرار في هذا الوضع، حيث يظهر خطر محسوس يشير إلى احتمال تداعي دولة الرفاه العظمى، مع كل ما يترتب على ذلك من نتائج تصيب الفرد الأميركي البسيط!

بالع الموسى في العراق!

والحال أن الولايات المتحدة دخلت علناً في طور الأزمة التاريخية المستعصية منذ عام 1969، حين تكشّفت عن التحول من دولة دائنة إلى دولة مديونة ومن مصدّرة إلى مستوردة، وبدأت منذ ذلك التاريخ سياساتها غير العقلانية التي تعكس تأزمها، فصارت ترتجل الحلول التي تعالج مؤقتاً مشكلة راهنة لكنها تمهّد في الوقت نفسه لمشاكل أشدّ صعوبة وتعقيداً وامتناعاً على الحلّ! وقد قادتها خطاها أخيراً إلى احتلال العراق كخطوة تأسيسية لمشروع كبير مجنون يريد تحويل البلاد العربية والإسلامية إلى إقطاعية أميركية سكانها أقنان، وها هي تزج اليوم في العراق بحوالي 150 ألفاً من جنودها، هم الجزء الأساسي من جيش أميركي يعدّ نصف مليون جندي، وها هم الجنود الأميركيون في العراق يحتاجون إلى عدد مماثل لحجمهم كي يناوب عنهم، أي أن قواتاً تؤلف ثلثي الجيش الأميركي الإجمالي غارقة في وحول العراق، فكيف تستطيع واشنطن تأمين التزاماتها العسكرية الكثيرة في مختلف أنحاء الأرض والحالة كذلك في العراق؟

يقول يهودا باوتسر (البروفيسور الإسرائيلي) أن الجيش الأميركي المشكل من نصف مليون جندي يضم عصابات مسلحة كثيرة من ولايات أميركية عديدة، وأن هذه العصابات ليست بمنزلة جيش نظامي على الإطلاق، ويستنتج أن الولايات المتحدة لا تملك اليوم –كما يبدو – إمكانية الإقدام على مغامرة عسكرية أخرى، بينما هي غارقة في مغامرتها العراقية، فالجيش الأميركي عالق في العراق كبالع الموسى! ولكن، لأن الولايات المتحدة "درع الثقافة الغربية" وبغض النظر عن أخطائها الصارخة – يقول باوتسر – فإن على السياسة الإسرائيلية أن تكون حكيمة، فلا تنقض تحالفها مع واشنطن من جهة، ولا تعتمد على هذا التحالف كخيار وحيد من جهة أخرى!

البيض الإسرائيلي والسلة الأميركية!

إن الفئران تتأهب لمغادرة السفينة الأميركية الإمبراطورية المعطوبة! ويدلنا على هذا ختام مقالة البروفيسور باوتسر الذي جاء فيه أن لا فرق حقيقي بين الليكود والمعراخ في الاعتماد على الإدارة الأميركية، فهما كلاهما لا يريان أبعد من أنفيهما، ولا يريان أن غلبة الحزب الجمهوري الأميركي لن تدوم أبداً، ولا يرون الحرب الأميركية الخاسرة في العراق، وأن انسحاباً أميركياً أحادي الجانب من العراق سوف يشكل نصراً "للإسلام المتطرف" وسيعرّض "إسرائيل" للخطر، بينما لا يملك حزب الليكود الحاكم خطة للتعامل مع اشتداد تأزم أوضاع الولايات المتحدة، أما حزب المعراخ (العمل) فيعاني من مشكلتين: الأولى أنه لم يعد عمالياً، والثانية أنه لم يعد حزباً! ويذكّر باوتسر الإسرائيليين بالتحذير الذي تلقوه قبل عشرات السنين من السفير الأميركي صموئيل لويس، الذي نصحهم بعدم وضع البيض كله في سلة واحدة (السلة الأميركية) ويقول أنه كان على حق!

وكانت لجنة ريتشارد بيرل، الأميركية الصهيونية، التي انهمكت مع غيرها من اللجان في التحضير لعهد بوش الإبن، قد أعدّت تصوراً استراتيجياً للدور الإسرائيلي في نطاق الاستراتيجية الأميركية الإنقلابية الجديدة التي ستنطلق في عام 2000، ونصحت اللجنة الإسرائيليين بالتكيف معها والاندماج فيها من جهة، وبتغيير سياستهم الداخلية والإقليمية، والاعتماد على أنفسهم، وإعادة هيكلة وإحياء المشروع الصهيوني المتآكل من جهة أخرى! أي أن يكونوا جاهزين للاستفادة من مغانم احتلال ناجح ورابح في العراق ومحيطه من جهة، وأن يكونوا حذرين ومتأهبين لمواجهة المخاطر بقواهم الذاتية في حال فشل الاحتلال وفشل المشروع الشرق أوسطي الأميركي! وهاهي الإدارة الأميركية تتخبط اليوم، غير عارفة كيف تخرج من الحرب العراقية، خاصة بسبب عجزها عن توفير البديل العسكري والسياسي العراقي، الحليف أو التابع!

نخبنا تتوهم الماضي مستقبلاً!

لكن بعض نخبنا العربية والإسلامية لا يرى كل ذلك الذي أشرنا إليه، ويتحدث عن الولايات المتحدة كأنما هي منتصرة أخلاقياً وسياسياً ومادياً وعسكرياً! وبينما يبدو بوضوح تام أن المقاومة العربية والإسلامية في فلسطين ولبنان والعراق تؤسس لنهضة قومية عملاقة، قادرة على التصدّي للنظام الدولي الفاسد الذي تقوده واشنطن، وأن هذه النهضة هي محصلة جميع التجارب الكفاحية العربية والإسلامية على مدى القرن الماضي، أي أن تلك التجارب المريرة لم تذهب عبثاً وهدراً، فإن بعض النخب يلطم ويعول ويوجه أشدّ الانتقادات لطلائع هذه النهضة التي طالما انتظرتها الأمة!

إن البعض يعلن انسحابه من المواجهة التاريخية العظمى في لحظة ذروتها، وفي لحظة تبلور وتحقق إمكانية نجاحنا في هذه المواجهة التي تبدو اليوم متكافئة ومفتوحة، وهو ما لم يكن متحققاً في الماضي، حين كانت المعارك مسيطراً عليها سلفاً من قبل الأعداء، الذين كانوا يتحكمون مسبقاً بأطرافها وحجمها ومدتها ونتائجها لصالحهم!

إن هناك من يحكم اليوم على النضال القومي والإسلامي والاجتماعي خلال القرن الماضي بالفشل التاريخي الذريع، ولا يربط بينه وبين المعارك الدائرة حالياً في ساحات القتال! كأنما هذه المقاومة العربية الفعالة، الصامدة في أكثر من قطر، جاءت من فراغ وليست محصلة لذلك التاريخ النضالي الجهادي الطويل، القومي والإسلامي والاجتماعي!

إن هناك من يتحدث اليوم متجلبباً بجلباب الحكمة والمشيخة، فاصلاً بين معارك الماضي ومعارك الحاضر، وفاصلاً بينهما وبين المستقبل، ساحباً فشله الخاص على الوضع العام، معتبراً أن كل شيء قد انتهى بنهايته الشخصية أو الفئوية أو الحزبية، وملخصاً المستقبل بالسفينة الأميركية الإمبراطورية، حيث اللحاق بها هو اللحاق بالمستقبل!

لكن المقاومة هي المستقبل، والسفينة الأميركية هي الماضي! ألا ترونها معطوبة، عاجزة عن مواصلة الإبحار، وعرضة للغرق في أي وقت؟ ألا ترون الفئران وهي تتأهب لمغادرتها، بينما أنتم تتشبثون بها كخيار مستقبلي وحيد؟!

www.snurl.com/375htm

كفاية - من نحن - انضم إلينا - المصادر - الإصدارات - التقارير - الأرشيف