مهزلة حقوق الانسان في العراق الجديد

هيفاء زنكنة

2005/12/03

لدي صديق مسن نقلت اليه، منذ ايام، انتقادات البعض لصمته، عن انتهاكات النظام السابق لحقوق الانسان، منذ ان غزت قوات الاحتلال بلادنا، أجابني الصديق قائلا: لكنني قضيت عقودا من حياتي وانا اناهض وافضح، كتابة ونشاطا، انتهاكات النظام السابق. ان المسؤولين عنها معتقلون ويحاكمون حاليا. ماذا عن المسؤولين عن الجرائم في ظل الاحتلال؟

حقا. نحن نعرف جيدا تفاصيل جرائم الماضي وانتهاكات حقوق الانسان، كما نعرف هوية مقترفيها، ولكن، ماذا عن الحاضر؟ ماذا عن الجرائم والانتهاكات التي يعيشها أهلنا يوميا؟ من هو المسؤول عنها؟ وهل سيتم تقديم المتهمين الي المحاكم لينالـــوا جزاءهم العادل؟

ان مهمة حماية المواطنين والدفاع عن حقوقهم، هي من واجبات الحكومة التي يحتمي بظلها المواطن. بناء عليه، علينا البدء بالتساؤل عن طبيعة علاقة المواطن بالحكومة العراقية، حاليا، لنفهم مدي قدرتها علي القيام بواجباتها. يخبرنا مسؤولو العراق الجديد، علي اختلاف مذاهبهم وطوائفهم وقومياتهم، بأنه يتوجب علي المواطنين ان يكونوا واقعيين، براغماتيين، وان يقبلوا بأولوية قوات الاحتلال عليهم. عليهم، أيضا، ان يفهموا بان العراق بلد مستقل، يتمتع بدستور وجمعية وطنية وحكومة منتخبة. وان بقاء القوات العسكرية ومستشاري دولها، وتمتعها بالحصانة المطلقة، مهما ارتكبت من جرائم بحق المواطنين، انما يتم بناء علي طلب من الحكومة العراقية المستقلة، لحماية مسيرة الديمقراطية من الارهاب العالمي. وأخيرا، علي العراقي ان يدرك بان رحيل القوات الانجلو ـ امريكية وغيرها، سيتم حالما تطلب الحكومة العراقية ذلك!

المسألة، اذن، بسيطة. كل ما يتوجب علي المواطن ان يفعله هو ان يتبع ارشادات الحكومة المؤقتة ليتخلص من محنته، ويتمكن من بناء دولة القانون واحترام حقوق الانسان.
عليه اولا ان يكون واقعيا. أن ينظر من خلال عدسة البراغماتية الي تحديد مسؤولية الجرائم والانتهاكات الانسانية المرتكبة، يوميا، في طول البلاد وعرضها. ألا يشكك بصحة استقلال ونزاهة السياسيين العراقيين. وليمتنع عن الاصغاء الي تصريحات مسؤولي الادارة الامريكية، شبه اليومية، المبرمجة لكل العملية السياسية والعسكرية والاقتصادية في العراق، بدءا من نائب الرئيس دك تشيني ومرورا بوزير الدفاع رامسفيلد ووزيرة الخارجية كوندوليسا رايس وانتهاء بالرئيس جورج بوش نفسه، لئلا يخدش مصداقية الاستقلال العراقي، واعلانات تقاطع المصالح مع الصديقة امريكا. وليمتنع، خاصة، عن الاصغاء لخطاب بوش الاخير، الذي لم يكتف فيه بتمزيق حجاب سيادة الحكومة العراقية المؤقتة بل وحدد فيه، سلفا، مستقبل أية حكومة مقبلة، مهما كانت نتيجة الانتخابات.

اخبرنا بوش في خطابه الذي ألقاه في الأكاديمية العسكرية بولاية ميريلاند، يوم 30 تشرين الثاني (نوفمبر)، ان القوات الأمريكية تخوض أول حرب في القرن الحادي والعشرين، وهي الحرب علي الإرهاب. وإن العدو ينبغي أن يهزم في كافة الساحات، بما فيها العراق. مؤكدا ان قوات بلاده ستبقي في العراق طالما لزم الأمر ذلك. ورفض وضع جدول زمني لانسحاب قواته من العراق، متناسيا، جملة وتفصيلا، وجود ما يسمي بالحكومة العراقية المنتخبة. مبينا لشعبه وقواته العسكرية اهمية الوثيقة المكونة من 35 صفحة التي وزعها البيت الابيض، تزامنا مع خطابه، تحت اسم استراتيجة النصر في العراق ، وفق منظور السيادة الامريكية الصافية.

علي الرغم من هذا التصريح، لنواصل نحن السير وفق واقعية المسؤولين العراقيين، علي الاقل في مجال حقوق الانسان. ولن اتحدث هنا عن حق التعليم والصحة وتوفير أساسيات الحياة من ماء نظيف وكهرباء. ولن اتطرق الي غياب الامن وكثرة التفجيرات والاختطافات. لأن المتهم الاول هو الارهاب العالمي. وهو ما تحاول الصديقة امريكا، بمساعدة مسؤولينا، محاربته علي اراضينا وبين اهلنا لتجنب مواطنيها مصائبه. ما سأشير اليه هو انتهاكات حقوق الانسان من قبل قوات الاحتلال، وما يوازيها من انتهاكات تتفنن بها قوات الشرطة والامن والجيش، في ظل الحكومات العراقية المتعاقبة، خلال العامين والنصف الاخيرين.

هل نبدأ بالتعذيب الوحشي في سجن أبو غريب، الذي وثقته قوات الاحتلال، بنسائها ورجالها، بشكل صور واشرطة فيديو تم الاحتفاظ ببعضها للذكري، والآخر للمقايضة في مواقع الانترنت الجنسية؟ أم نعود الي الشهر الاول من الاحتلال، عندما اعتقلت القوات الامريكية عددا من العراقيين في حديقة الزوراء، وأمرتهم بخلع ملابسهم، والركض عراة في شوارع بغداد بعد ان كتبوا علي صدورهم ( علي بابا)؟ هل نتحدث عن صور الجنود الامريكيين والبريطانيين وهم يشيرون ضاحكين الي جثث القتلي العراقيين نتيجة التعذيب؟ الي اغتصاب الصبيـــان والفتيات؟ الي الاسري المقيدين كالحيوانات؟ الي الاكياس البلاستيكية المغطية لرؤوس المعتقلين؟ الي أحذية الاحتلال العسكرية الثقيلة علي رؤوس الشباب والشيوخ؟ أم الي آخر اشرطة فيديو القتل التذكارية التي أثبتت ما كان كل مواطن يتحدث عنه ولم يصدقه أحد؟

حيث كشفت صحيفة صندي تلغراف البريطانية، بتاريخ 29 نوفمبر، ان الحراس الامنيين المستخدمين من قبل الشركات الخاصة في العراق، ويتجاوز عددهم الآلاف، يطلقون النار بشكل عشوائي ضد المدنيين، كما أظهر شريط فيديو تذكاري. والمعروف ان الشركات الأمنية الخاصة غير خاضعة لأي ضوابط تنظيمية لا في بريطانيا ولا في العراق. وانها قد تكون مسؤولة عن قتل المئات من العراقيين الابرياء . وذكرت الصحيفة : ان شريط الفيديو الذي ربط بشكل غير رسمي بالشركة البريطانية (ايجيس) للخدمات الدفاعية يحتوي علي اربع لقطات منفصلة، يقوم الحراس الامنيون في كل واحدة منها، بفتح نيران اسلحتهم الاوتوماتيكية ضد سيارات مدنية علي الطريق بين بغداد والمطار الدولي.

وماذا عن حالات دهس المواطنين بدبابات وعجلات قوات الاحتلال، وكان آخرها يوم أمس، حيث دهست امرأة في مدينة الموصل؟ ماذا عن القتل عند نقاط التفتيش، وآخرها عندما أطلق جنود امريكيون النار علي سيارة عند المخرج الشرقي لمدينة بعقوبة، فقتلوا خمسة أفراد هم رجلان وثلاثة اطفال دون الخامسة من العمر واصيب ثلاثة آخرون هم امرأتان وطفلة؟ ماذا عن حوادث الاختطاف من قبل الميليشيات والقوات العراقية المدربة، افتراضا، علي احترام حقوق الانسان من قبل القوات الامريكية والبريطانية؟ ماذا عن فضيحة معتقل الجادرية التي لم يعادلها في السخرية من حقوق الانسان غير تصريحات وزير الداخلية بيان جبر الذي قال بان خمسة اشخاص فحسب او سبعة كحد أقصي ظهرت عليهم علامات تشير الي تعرضهم للتعذيب! مما يذكرنا برد فعل جلال طالباني ووزير حقوق الانسان السابق بختيار أحمد عندما علقا علي فضيحة التعذيب في ابو غريب قائلين بان النظام السابق قام بما هو أسوأ من ذلك. واشار آخر تقرير للامم المتحدة عن حقوق الانسان في العراق والصادر في 14 تشرين الثاني (نوفمبر)، بان العدد الاجمالي للمعتقلين مستمر في الزيادة بسبب الاعتقالات الجماعية المصاحبة للعمليات العسكرية والامنية العديدة.

في الوقت نفسه، تواصل القوات الامريكية بتحويل المعسكرات الي معتقلات، أحدها معتقل سوسه في مدينة السليمانية الذي يتسع لما يزيد علي 1700 معتقل. وسيبقي المعتقل تحت سيطرة القوات الامريكية حتي يتم التأكد من قدرة العراقيين علي تولي المهمة الصعبة، حسب تصريح الجنرال ويليام براندينبرغ المسؤول عن شؤون المعتقلين.
وعلي مستوي آخر من الانتهاكات، ماذا عن قصف المدن وحصارها وتهجير السكان ورش المدنيين بالنابالم والفسفور الابيض، كما حدث عندما كان اياد علاوي رئيسا للوزراء؟
هنا نعود الي السؤال الأهم: من هو المسؤول عن الجرائم المذكورة اعلاه وهي غيض من فيض، وهل سيحاسب المسؤول، أم انه سيتهم الارهاب العالمي بينما يرشح نفسه في انتخابات العراق الجديد؟

كفاية - من نحن - انضم إلينا - المصادر - الإصدارات - التقارير - الأرشيف