سقطت كل الحجج وجميع الذرائع والتي سيقت لاحتلال
العراق واحدة تلو الاخرى, لتكشف أكاذيب وانحدار أخلاقيات من أطلقوها
وتمترسوا خلفها. لم يتبقى سوى الحديث عن حقوق الانسان والمجازر
المقترفة والديمقراطية المفقودة في عهد النظام السابق والمقابر
الجماعية والتي لا نملك ألا ان نشكك فيها ما لم تجزم بها لجان محايدة
آخذين بالاعتبار افتقاد المتحدثين عنها للمصداقية والصدقية. مع سقوط
بغداد سقطت أقنعة كثيرة وتبدت عورات مهينة, فإذا بالمجاهدين
والاسلاميين والديمقراطيين الوطنيين المزعومين يتسابقون لإرضاء
الاحتلال ويتنافسون لنيل الحظوة عنده. إفتقد العراقيون وما يزالون نعمة
الامن والامان وتعرض القطاع الاعظم من الشعب العراقي لغوائل الفقر وضيق
ذات اليد رغم رفع الحصار الظالم على العراق مما اضطر بعض العوائل لإن
تبيع أعراض ابنائها الاطفال – حسب تقارير صادرة من مؤسسات دولية- حتى
تسد رمقها من الجوع القاتل والفقر الكافر. وانتشرت في العراق الجديد
تجارة الرقيق الابيض وازدهرت أعمال الخطف والابتزاز والمطالبة بالفدية
من اجل الافراج عن الابرياء من المختطفين في وضح النهار.
وبكل الاحوال لم تكن اوضاع حقوق الانسان العراقي
وكرامته باحسن حالا من الوضع العام او مما كانت عليه في عهد النظام
السابق. فالاعتقالات لم تتوقف والتعذيب والاعتداء على الاعراض والارواح
أصبح امرا طبيعيا.
ثم
جاءت فضيحة ابوغريب لتعري النفاق الامريكي وانحطاط القيم وانهيار
الاخلاق لأتباع الاحتلال والذين لم
يعترضوا او يحتجوا ولو
ظاهريا
– في مجملهم- على الانتهاكات الامريكية بل
ان الطالباني صرح بأن تلك الانتهاكات تعتبر امر يسيرا إذا ما قورنت بما
كان يحدث في زمن النظام السابق. اما مأساة حلبجة والتي استيقظت في
الضمير الامريكي بعد وقوعها بأكثر من 13 عاما واصبحت اللطمية المفضلة
لإتباع الاحتلال فلقد تمددت هي الاخرى وتكررت لتشمل الفلوجة غير مرة مع
قصص الفسفور الابيض والقائم وتلعفر وسامراء وغيرهم, هذه الانتهاكات
الصارخة ترافقت مع صمت عالمي ورضا وقبول من اتباع الاحتلال مع انتكاسات
حادة في مواقف بعض المرجعيات الدينية وعلى رأسها السيد السيستاني مما
حصل وما زال يرتكب بحق مدن المقاومة في غرب العراق. الانتهاكات
والتعديات في مسائل حقوق الانسان وارتكاب جرائم التعذيب والاغتيالات في
وضح النهار اصبحت في العراق الجديد امرا يوميا وان كان هناك من يكابر
ويرواغ ويناور بصفاقه
متهما من يثير هذه المسائل بأنه من أيتام النظام
السابق او من مناصري حزبه المنحل.
ولكن حين يتحدث اياد علاوي رئيس وزراء الحكومة
العراقية المؤقتة السابق متهما الحكومة العراقية الانتقالية الحالية
بانتهاك حقوق الانسان علي قاعدة اسوأ مما كان يحدث في عهد الرئيس
العراقي السابق صدام حسين فهذا يشير الى ان
المآسي والفظائع في العراق الامريكي قد وصلت
الى درجة كبيرة غير مسبوقة. ففي تصريحات نقلتها عنه صحيفة اوبزيرفر
البريطانية, اتهم علاوي العناصر الشيعية في الحكومة بارتكاب الانتهاكات
التي كشفت مؤخرا
عندما عثر على عدد من السجناء الذين تعرضوا للتعذيب
في قبو تابع لوزارة الداخلية. وقال علاوي البعض يقوم بنفس الممارسات
التي ارتكبها النظام السابق بل اسوأ ، لدرجة ان الناس اخذت تترحم علي
ايام النظام السابق. وقال عن فرق الموت والسجون السرية التي انشأتها
الحكومة التي يسيطر عليها الشيعة والاكراد نسمع عن الشرطة السرية،
والاقبية السرية التي يتم فيها التحقيق مع المعتقلين، والتي يقتل فيها
الكثير من العراقيين بسبب التعذيب واثناء التحقيق. ودعا علاوي الي
تفكيك الميليشيات، التي تقوم بممارسة اعمالها في ظل حصانة، وقال ان
المرض المعدي الذي تعاني منه وزارة الداخلية سيتحول الي وباء يصيب جميع
الوزارات وبنى الحكومة العراقية . وقال علاوي انه لم يعد يثق بالقانون
والنظام العراقي لدرجة انه امر حراسه باطلاق النار على اي سيارة شرطة
تقترب من مقر اقامته بدون الحصول علي اذن مسبق بعد الكشف عن تورط
العديد من فرق الشرطة بعمليات اختطاف او انتهاكات. واعتبر علاوي وزارة
الداخلية التي يسيطر عليها المجلس الاعلي للثورة الاسلامية في العراق
هي اساس المشكلة.
ما يحدث الان في العراق غير مسبوق
و لا
محتمل, فالميلشيات والعصابات الاجرامية هي
التي تسيطر على المفاصل الامنية وتشكل العمود الفقري للقوات الخاصة
والتي تحمل اسماء حيوانات وحشرات تعبر عن المستوى الاخلاقي للقائمين
عليها من قبيل الذئب والعقرب. عمليات التصفية والخطف تتم في وضح النهار
والعثور على جثث للابرياء موثقي الايدي وعلامات التعذيب بادية على
اجسادهم اصبح امرا شائعا. وبعد ذلك تتبدى صور الصفاقة والوقاحة من
مجرمي الحرب القائمين على بعض مؤسسات العراق الامريكي بزعمهم ان
المجرمين والخاطفين ليسوا من الاجهزة الامنية المعنية وان هناك لباس
ومعدات قد سُرق من قبل. فإذا سلمنا بتلك الادعاءات فإن عجز الحكومة
الطائفية في العراق عن بسط الامن مضافا لذلك عن تقصيرها الكبير في معظم
الشؤون الحياتية للمواطنين يستوجب رحليها غير مأسوف عليها, اما اذا
كانت تلك الادعاءات كاذبة ومزيفة – وهو الارجح- وان القائمين على شؤون
الامن هم أنفسهم من يقود عمليات الخطف والاغتيال ونشر الرعب فمن الواجب
محاكمتهم كمجرمي حرب دمروا الوطن واذلوا المواطن بعد ان رحبوا
بالاحتلال وجاؤو على دباباته. أن يعترف علاوي بأن الناس يترحمون على
عهد صدام حسين فللامر دلالات واضحة. لقد أسقطت الاحداث المتتالية في
العراق أقنعة كثيرة وكشفت عن وجوه قبيحة دخلت التاريخ من اسوأ ابوابه
وغدت مثلا يُضرب, في الانحطاط الاخلاقي والانهيار القيمي. أين منهم ابن
العلقمي ولحد وجميع من ادو ادوارا العمالة والانصياع للمحتل والغزاة.
ياسر سعد كندا
yassersaed1@yahoo.ca