يبدو أنة لم يعد غريبا أن
تفاجئنا الاحداث ، حتى ولو كانت متوقعة ومعروفة سلفا ..فوجئنا بهزيمة
1967 رغم انها كانت تكرار شبة حرفي لهزيمة 1956 .
فوجئنا باحتلال العراق ،
رغم الاستعدادات المسبقة لسنوات ..وفوجئنا باعتراف ليبيا بجريمة تفجير
الطائرة البوينج 707 بعد سنوات من الاستماتة فى الدفاع عن براء تها ،
والحديث عن المؤامرة الإمبريالية ـ الصهيونية ضد القذافى ونظامة. وسنفاجأ
بضرب سوريا أو الاطاحة بنظام الأسد ونحن ندافع عن براءته من الاتهامات
التي لا تستهدف سوى حصار (نظام وطني قومي عروبى ) يدافع عن العروبة ويقف
بشمم وإباء في وجه التوسع الإسرائيلي والمخططات الأمريكية في المنطقة ! !
واليوم ، نفاجأ أيضا بحصول
الأخوان المسلمين على ما يقرب من ربع المقاعد في إنتخابات مجلس البلطجية
الجديد رغم أن هذا الفوز جاء متأخرا جدا ! !
أعلن عنة المرشد العام
لجماعة الاخوان المسلمين (المحظورة !! ) منذ أشهر قائلا أنة لا يآبه
(بانتخابات) رئاسة الجمهورية وأن الاخوان يستعدون لانتخابات مجلس الشعب
لأنها الأهم؛ ثم أكد قبيل الإنتخابات أن الاخوان لديهم 150 مرشحا ، يأمل
في فوز مئة منهم .
ومع ذلك فوجئت القوى
السياسية والرأي العام في مصر !!
على الجانب الأخر ، فوجئ
المثقفون والقوى الديمقراطية واليسارية ، بل وبعض الوجوه البارزة فى
النظام أيضا ، بهزيمة الوفد والتجمع وبعض الشخصيات ذات الصبغة الليبرالية
… أفزعهم هذا الانتصار (المفاجئ ) للاخوان المسلمين .. وكأنه وليد اللحظة
…
كانت المفاجأة الثالثة
للمثقفين ، عمليات البلطجة وشراء الأصوات ، والحقيقة أن البلطجة ليست
بجديدة – قد تكون أكثر انتشارا هذه المرة ولكنها سمة لانتخابات نظام
يوليو ، وإن كانت تغيرت في الشكل . . .
كانت الانتخابات منذ
إنقلاب يوليو تعتمد على تعبئة العمال والموطفين ، وإجبارهم على إختيار
مرشحى النظام ، ولما خفت قبضة الدولة قليلا خاصة فى النصف الثانى من
السبعينيات ، نفذت شخصيات ( ليبرالية ) وعلمانية عديدة للبرلمان ، لم
يتحملها النظام ، وقام السادات بحل البرلمان في أعقاب زيارته للقدس ،
وسرعان ما عادت الضغوط الإدارية والتزوير الفاضح في انتخابات يعد النظام
دائما بأنها ( نزيهة ) ، أضيف إليها الإنفاق المفرط وارتفاع أسعار بورصة
الأصوات من قروش الخمسينيات ، إلى مئات الألفية الجديدة . . .
غريب أن يكون سقوط القلة
من الأصوات العلمانية والديموقراطية في انتخابات المجلس مفاجئا … بعد
خمسين عاما من نظام يوليو الاستبدادي . .
على مدى أكثر من نصف قرن .
. .يتم تصفية القوى الليبرالية واليسارية أولا بأول ، ودعم التيارات
الدينية كحائط سد لمواجهة الخطر الشيوعي ، سياسة ثابتة اعتمدها عبد
الناصر والسادات ومبارك ، حتى عندما سقط النظام السوفييتي ، كلنا دعم
التيارات الدينية ( بكل فصائلها ) المتنوعة ، وسيلة لإرهاب المجتمع
وإثارة مخاوف المجتمع الدولي من إقامة دولة دينية على أنقاض الدولة
الاستبدادية ، وتأمين بقاء الأوضاع على ما هي عليه .
ولا زالت هذه الأهداف
قائمة – ولعل تسامح السلطات علنا مع جماعة الأخوان المحظورة يبدو فاضحا .
.. السماح لمرشحي جماعة ( محظورة ) بدخول الانتخابات باسم الجماعة ، في
وقت لا يتسامح فيه النظام مع حزب قانوني وشرعي ورسمي كحزب الغد لمجرد
تحديه للنظام ، و دخول رئيسه انتخابات الرئاسة برؤية ليبرالية متفردة ، و
تجرؤه بالإعراب عن أمله في الفوز بمقعد الرئاسة ، بينما كل الأحزاب
الأقدم منه لم يدخلوا الانتخابات إلا من أجل إنجاح التجربة !! ..
قد يكون هناك اتفاق ضمني
وارد ، ولكن أساسه الموضوعي هو ترك التيارات الدينية لتسيطر على الشارع
لعقود الطويلة ، في خدمة استراتيجية مواجهة الخطر الشيوعي ، الاستراتيجية
الثابتة للنظام الرأسمالي العالمي بقيادة الولايات المتحدة ، والنظام
الاستبدادي لانقلاب يوليو .
ليس المقصود هو التهوين من
شأن الخطر الماثل أمامنا ، باعتباره خطر قديم يتجاوز عمره نصف قرن أو
أكثر . . لكن المقصود الكشف عن حالة الغفوة التي يحياها المثقفون , وكهنة
النظام وكتابه ( وكلامنجيته ) ، وسياسيوه ومعارضوه الرسميون .
التواطؤ الدائم على دعم
النظام الاستبدادي وانتشاله من مأزقه ، والتصدي الدائم لأية محاولات جادة
للتغيير الديموقراطي . والأدهى الدعم الدائم لقوى فاشية في المنطقة بدعوى
مناهضتها للأمبريالية الصهيونية !!
بعد نصف قرن من دعم
الفاشية الدينية ، التي تدير آلاف المساجد في مصر منذ عقود ، و آلاف
الجمعيات الأهلية ، والمدارس الوهابية من الحضانة حتى الثانوية العامة ،
وجامعة الأزهر التي يسودها الفكر الوهابي . بعد كل ذلك ، نندهش لحصول
الإخوان المسلمين على ربع مقاعد المجلس !!
بل و الأدهى أن معظم أصحاب
الأصوات العالية ضد التيارات الدينية في مصر ، يؤيدون بحماس التيارات
الدينية في المنطقة العربية خاصة في فلسطين ولبنان وبدون تحفظ حتى على لا
ديموقراطيتها ، بدعوى أنها قوى مناضلة ضد الصهيونية !!
فهل يمكن تصور أن تسود هذه
التيارات الشارع العربي وتشارك مؤسسات الحكم في العالم العربي ، بينما لا
يستبعد الأخوان (المحظورين ) في مصر !!
في هذا الإطار ، لم يكن
غريبا تصريح صفوت الشريف – الأمين العام للحزب الوطني- بأن انتصار
الأخوان المسلمين في الانتخابات ليس هزيمة للحزب الوطني ، ولكنها ضرورات
التغيير . . .
فالتغيير الذي يطرحه نظام
مبارك يعني شراكة قوى الاستبداد ، واستبعاد أية قوى ديموقراطية أو يسارية
. . حيث يدرك نظام مبارك ، أن أية دعاوى ديموقراطية وأن نهوض القوى
الليبرالية سيؤدي إلى سقوط نظامه الاستبدادي ، وليس هناك من حل لمواجهة
رياح التغيير الداخلية وضغوط الخارج إلا بتوسيع جبهة قوى الاستبداد
وإشراك الإخوان في النظام .. .
تلك حدود الديموقراطية
النابعة من واقعنا كما يراها نظام مبارك . . .
وهي الديموقراطية التي
يمكن للإخوان يلعبوا دورا فاعلا فيها ، باعتبارهم قوى نابعة من واقعنا
تؤمن بسياسات النظام في الخصخصة وتطرح نموذجا لا ديموقراطيا لإدارة شئون
البلاد ، وتؤمن بإطلاق حرية المالك ، وليس للفقراء سوى الزكاة وموائد
الرحمن . واحتكار أولى الأمر لإدارة شئون الحياة السياسية والاجتماعية ،
وتعادي بعمق القوى اليسارية والليبرالية البالغة الضعف . . .
ولعل نقطة الخلاف الوحيد
مع النظام ، أن الأخير يمقت احتكارهم للحديث باسم الإسلام ، فهو بذلك
يجردهم من أية أيديولوجية يجتمعون بها .
لكن هل يمكن أن تفضي
محاولات استيعاب الأخوان المسلمين في مؤسسات التشريع والحكم إلى فرض حالة
من الاستقرار . . .
هذا أمر يتناقض مع الخبرات
التاريخية لنظم الحكم الشمولية ، فالأنظمة الشمولية لا تحكمها
ائتلافات... قد تبدأ بتحالفات ، لكن يتواصل الصراع بين أطرافه واستبعاد
أحدهما للأخر ، وتقليص الهوامش لتبقى الإرادة الوحيدة للزعيم أو المرشد
الأعلى .
ولذلك ، لن يسفر هذا
الاتجاه إلا عن تفاقم الصراعات ويهدد بعدم الاستقرار ، خاصة في ظل الضعف
التاريخي للقوى الديموقراطية والسياسية .. التي سلمت كل أسلحتها وتخلت عن
سياساتها ورؤاها ، و عزلت وانعزلت عن الشعب ، المجرد من أية وسائل للدفاع
عن حقوقه من نقابات وأحزاب . واكتفت على مدار نصف قرن من دعم النظام
والتنافس لإخراجه من أزماته ، والصراع الدائم ضد أية قوة ليبرالية ناهضة
من خارجها ، واتهامها بأنها عملية أو مأجورة !!
حتى مؤسسة القضاء التي عول
عليها الناس كثيرا في إنقاذهم من سطوة النظام ، والقدرة على إحداث تغيير
ما ، و لو محدود ، لفتح هامش من الديموقراطية ، أعلنت عجزها ، وفشلت في
مجرد إدارة انتخابات ( نزيهة ) وتورطت في فضائح التزوير ، ودعا نادي
القضاة بتدخل القوات المسلحة لحماية العملية الانتخابية من انتهاكات
الأمن !! والغريب أن أحدا لم يستنكر هذه الدعوى ، لا من القوات المسلحة ،
ولا من المؤسسات السياسية ، ولا حتى من المعارضة !! والأغرب ، أن القضاة
في ذلك يتحدثون عن حق وارد في قانون الانتخابات . . .أي أن تدخل القوات
المسلحة له سند قانوني ، لم يعترض عليه أحد !!
على ذلك ، لا يمكن للمرء
أن يتوقع إلا تصاعد الصراع بين الدولة الاستبدادية والفاشية الدينية ، لن
يهدأ ولن تتوحد جهودهما إلا إذا انفجر الشارع وللأسف لا مكان لقوى يسارية
أو ديموقراطية لا تحظى بثقة الشارع ، ولا تتواصل معه ، ولم تقدم له منظمة
ديموقراطية واحدة تفتح أمامه أفق التغيير .
الخلاصة أن نفوذ القوى
الاستبدادية والتيارات الدينية وأفول و إنهاك وتهميش القوى الديموقراطية
واليسارية أمر تاريخي ، حدث على مدار نصف قرن تقريبا .
وتجاوز هذه الأوضاع لن يتم
إلا بشكل تاريخي أيضا ، ويحتاج لزمن يمتد أو يقصر . . .شرط بتر القوى
الليبرالية واليسارية لحبل الود السري، والدعم الدائم للنظام الاستبدادي
أو الترويج للتيارات الدينية أحيانا أخرى ، وكسر حالة العزلة وبناء
مؤسسات ومنظمات ديموقراطية ، يديرها الناس ويدافعون من خلالها على
مصالحهم ، وذلك سعيا لإشراكهم وإدخالهم طرفا في معادلات الصراع. ..
دون ذلك ، سنفاجأ باقتسام
مقاعد المجالس المحلية بين الإخوان والحزب الوطني ، وسنفاجأ أيضا بمرشح
إخواني يهدد بسلب مقعد رئاسة الحكم من الحزب الوطني في انتخابات قادمة قد
تحدث في وقت قريب .
Kfishawy@gmail.com