الانتخابات البرلمانية في مصر

مفارقات انتخابات مجلس البلطجية

خالد الفيشاوي

6 ديسمبر 2005.

يبدو أنة لم يعد غريبا أن تفاجئنا الاحداث ، حتى ولو كانت متوقعة ومعروفة سلفا ..فوجئنا بهزيمة 1967 رغم انها كانت تكرار شبة حرفي لهزيمة 1956 .

فوجئنا باحتلال العراق ، رغم الاستعدادات المسبقة لسنوات ..وفوجئنا باعتراف ليبيا بجريمة تفجير الطائرة البوينج 707 بعد سنوات من الاستماتة فى الدفاع عن براء تها ، والحديث عن المؤامرة الإمبريالية ـ الصهيونية ضد القذافى ونظامة. وسنفاجأ بضرب سوريا أو الاطاحة بنظام الأسد ونحن ندافع عن براءته من الاتهامات التي لا تستهدف سوى حصار (نظام وطني قومي عروبى ) يدافع عن العروبة ويقف بشمم وإباء في وجه التوسع الإسرائيلي والمخططات الأمريكية في المنطقة ! !

واليوم ، نفاجأ أيضا بحصول الأخوان المسلمين على ما يقرب من ربع المقاعد في إنتخابات مجلس البلطجية الجديد رغم أن هذا الفوز جاء متأخرا جدا ! !

أعلن عنة المرشد العام لجماعة الاخوان المسلمين (المحظورة !! ) منذ أشهر قائلا أنة لا يآبه (بانتخابات) رئاسة الجمهورية وأن الاخوان يستعدون لانتخابات مجلس الشعب لأنها الأهم؛ ثم أكد قبيل الإنتخابات أن الاخوان لديهم 150 مرشحا ، يأمل في فوز مئة منهم .

ومع ذلك فوجئت القوى السياسية والرأي العام في مصر !!

على الجانب الأخر ، فوجئ المثقفون والقوى الديمقراطية واليسارية ، بل وبعض الوجوه البارزة فى النظام أيضا ، بهزيمة الوفد والتجمع وبعض الشخصيات ذات الصبغة الليبرالية … أفزعهم هذا الانتصار (المفاجئ ) للاخوان المسلمين .. وكأنه وليد اللحظة …

كانت المفاجأة الثالثة للمثقفين ، عمليات البلطجة وشراء الأصوات ، والحقيقة أن البلطجة ليست بجديدة – قد تكون أكثر انتشارا هذه المرة ولكنها سمة لانتخابات نظام يوليو ، وإن كانت تغيرت في الشكل . . .

كانت الانتخابات منذ إنقلاب يوليو تعتمد على تعبئة العمال والموطفين ، وإجبارهم على إختيار مرشحى النظام ، ولما خفت قبضة الدولة قليلا خاصة فى النصف الثانى من السبعينيات ، نفذت شخصيات ( ليبرالية ) وعلمانية عديدة للبرلمان ، لم يتحملها النظام ، وقام السادات بحل البرلمان في أعقاب زيارته للقدس ، وسرعان ما عادت الضغوط الإدارية والتزوير الفاضح في انتخابات يعد النظام دائما بأنها ( نزيهة ) ، أضيف إليها الإنفاق المفرط وارتفاع أسعار بورصة الأصوات من قروش الخمسينيات ، إلى مئات الألفية الجديدة . . .

غريب أن يكون سقوط القلة من الأصوات العلمانية والديموقراطية في انتخابات المجلس مفاجئا … بعد خمسين عاما من نظام يوليو الاستبدادي . .

على مدى أكثر من نصف قرن . . .يتم تصفية القوى الليبرالية واليسارية أولا بأول ، ودعم التيارات الدينية كحائط سد لمواجهة الخطر الشيوعي ، سياسة ثابتة اعتمدها عبد الناصر والسادات ومبارك ، حتى عندما سقط النظام السوفييتي ، كلنا دعم التيارات الدينية ( بكل فصائلها ) المتنوعة ، وسيلة لإرهاب المجتمع وإثارة مخاوف المجتمع الدولي من إقامة دولة دينية على أنقاض الدولة الاستبدادية ، وتأمين بقاء الأوضاع على ما هي عليه .

ولا زالت هذه الأهداف قائمة – ولعل تسامح السلطات علنا مع جماعة الأخوان المحظورة يبدو فاضحا . .. السماح لمرشحي جماعة ( محظورة ) بدخول الانتخابات باسم الجماعة ، في وقت لا يتسامح فيه النظام مع حزب قانوني وشرعي ورسمي كحزب الغد لمجرد تحديه للنظام ، و دخول رئيسه انتخابات الرئاسة برؤية ليبرالية متفردة ، و تجرؤه بالإعراب عن أمله في الفوز بمقعد الرئاسة ، بينما كل الأحزاب الأقدم منه لم يدخلوا الانتخابات إلا من أجل إنجاح التجربة !! ..

قد يكون هناك اتفاق ضمني وارد ، ولكن أساسه الموضوعي هو ترك التيارات الدينية لتسيطر على الشارع لعقود الطويلة ، في خدمة استراتيجية مواجهة الخطر الشيوعي ، الاستراتيجية الثابتة للنظام الرأسمالي العالمي بقيادة الولايات المتحدة ، والنظام الاستبدادي لانقلاب يوليو .

ليس المقصود هو التهوين من شأن الخطر الماثل أمامنا ، باعتباره خطر قديم يتجاوز عمره نصف قرن أو أكثر . . لكن المقصود الكشف عن حالة الغفوة التي يحياها المثقفون , وكهنة النظام وكتابه ( وكلامنجيته ) ، وسياسيوه ومعارضوه الرسميون .

التواطؤ الدائم على دعم النظام الاستبدادي وانتشاله من مأزقه ، والتصدي الدائم لأية محاولات جادة للتغيير الديموقراطي . والأدهى الدعم الدائم لقوى فاشية في المنطقة بدعوى مناهضتها للأمبريالية الصهيونية !!

بعد نصف قرن من دعم الفاشية الدينية ، التي تدير آلاف المساجد في مصر منذ عقود ، و آلاف الجمعيات الأهلية ، والمدارس الوهابية من الحضانة حتى الثانوية العامة ، وجامعة الأزهر التي يسودها الفكر الوهابي . بعد كل ذلك ، نندهش لحصول الإخوان المسلمين على ربع مقاعد المجلس !!

بل و الأدهى أن معظم أصحاب الأصوات العالية ضد التيارات الدينية في مصر ، يؤيدون بحماس التيارات الدينية في المنطقة العربية خاصة في فلسطين ولبنان وبدون تحفظ حتى على لا ديموقراطيتها ، بدعوى أنها قوى مناضلة ضد الصهيونية !!

فهل يمكن تصور أن تسود هذه التيارات الشارع العربي وتشارك مؤسسات الحكم في العالم العربي ، بينما لا يستبعد الأخوان (المحظورين ) في مصر !!

في هذا الإطار ، لم يكن غريبا تصريح صفوت الشريف – الأمين العام للحزب الوطني- بأن انتصار الأخوان المسلمين في الانتخابات ليس هزيمة للحزب الوطني ، ولكنها ضرورات التغيير . . .

فالتغيير الذي يطرحه نظام مبارك يعني شراكة قوى الاستبداد ، واستبعاد أية قوى ديموقراطية أو يسارية . . حيث يدرك نظام مبارك ، أن أية دعاوى ديموقراطية وأن نهوض القوى الليبرالية سيؤدي إلى سقوط نظامه الاستبدادي ، وليس هناك من حل لمواجهة رياح التغيير الداخلية وضغوط الخارج إلا بتوسيع جبهة قوى الاستبداد وإشراك الإخوان في النظام .. .

تلك حدود الديموقراطية النابعة من واقعنا كما يراها نظام مبارك . . .

وهي الديموقراطية التي يمكن للإخوان يلعبوا دورا فاعلا فيها ، باعتبارهم قوى نابعة من واقعنا تؤمن بسياسات النظام في الخصخصة وتطرح نموذجا لا ديموقراطيا لإدارة شئون البلاد ، وتؤمن بإطلاق حرية المالك ، وليس للفقراء سوى الزكاة وموائد الرحمن . واحتكار أولى الأمر لإدارة شئون الحياة السياسية والاجتماعية ، وتعادي بعمق القوى اليسارية والليبرالية البالغة الضعف . . .

ولعل نقطة الخلاف الوحيد مع النظام ، أن الأخير يمقت احتكارهم للحديث باسم الإسلام ، فهو بذلك يجردهم من أية أيديولوجية يجتمعون بها .

لكن هل يمكن أن تفضي محاولات استيعاب الأخوان المسلمين في مؤسسات التشريع والحكم إلى فرض حالة من الاستقرار . . .

هذا أمر يتناقض مع الخبرات التاريخية لنظم الحكم الشمولية ، فالأنظمة الشمولية لا تحكمها ائتلافات... قد تبدأ بتحالفات ، لكن يتواصل الصراع بين أطرافه واستبعاد أحدهما للأخر ، وتقليص الهوامش لتبقى الإرادة الوحيدة للزعيم أو المرشد الأعلى .

ولذلك ، لن يسفر هذا الاتجاه إلا عن تفاقم الصراعات ويهدد بعدم الاستقرار ، خاصة في ظل الضعف التاريخي للقوى الديموقراطية والسياسية .. التي سلمت كل أسلحتها وتخلت عن سياساتها ورؤاها ، و عزلت وانعزلت عن الشعب ، المجرد من أية وسائل للدفاع عن حقوقه من نقابات وأحزاب . واكتفت على مدار نصف قرن من دعم النظام والتنافس لإخراجه من أزماته ، والصراع الدائم ضد أية قوة ليبرالية ناهضة من خارجها ، واتهامها بأنها عملية أو مأجورة !!

حتى مؤسسة القضاء التي عول عليها الناس كثيرا في إنقاذهم من سطوة النظام ، والقدرة على إحداث تغيير ما ، و لو محدود ، لفتح هامش من الديموقراطية ، أعلنت عجزها ، وفشلت في مجرد إدارة انتخابات ( نزيهة ) وتورطت في فضائح التزوير ، ودعا نادي القضاة بتدخل القوات المسلحة لحماية العملية الانتخابية من انتهاكات الأمن !! والغريب أن أحدا لم يستنكر هذه الدعوى ، لا من القوات المسلحة ، ولا من المؤسسات السياسية ، ولا حتى من المعارضة !! والأغرب ، أن القضاة في ذلك يتحدثون عن حق وارد في قانون الانتخابات . . .أي أن تدخل القوات المسلحة له سند قانوني ، لم يعترض عليه أحد !!

على ذلك ، لا يمكن للمرء أن يتوقع إلا تصاعد الصراع بين الدولة الاستبدادية والفاشية الدينية ، لن يهدأ ولن تتوحد جهودهما إلا إذا انفجر الشارع وللأسف لا مكان لقوى يسارية أو ديموقراطية لا تحظى بثقة الشارع ، ولا تتواصل معه ، ولم تقدم له منظمة ديموقراطية واحدة تفتح أمامه أفق التغيير .

الخلاصة أن نفوذ القوى الاستبدادية والتيارات الدينية وأفول و إنهاك وتهميش القوى الديموقراطية واليسارية أمر تاريخي ، حدث على مدار نصف قرن تقريبا .

وتجاوز هذه الأوضاع لن يتم إلا بشكل تاريخي أيضا ، ويحتاج لزمن يمتد أو يقصر . . .شرط بتر القوى الليبرالية واليسارية لحبل الود السري، والدعم الدائم للنظام الاستبدادي أو الترويج للتيارات الدينية أحيانا أخرى ، وكسر حالة العزلة وبناء مؤسسات ومنظمات ديموقراطية ، يديرها الناس ويدافعون من خلالها على مصالحهم ، وذلك سعيا لإشراكهم وإدخالهم طرفا في معادلات الصراع. ..

دون ذلك ، سنفاجأ باقتسام مقاعد المجالس المحلية بين الإخوان والحزب الوطني ، وسنفاجأ أيضا بمرشح إخواني يهدد بسلب مقعد رئاسة الحكم من الحزب الوطني في انتخابات قادمة قد تحدث في وقت قريب .

Kfishawy@gmail.com

كفاية - من نحن - انضم إلينا - المصادر - الإصدارات - التقارير - الأرشيف