مايو 1994، في قاعة
احتشدت بالجمهور في مسرح ألمايدا، بايسلينجتون، لندن، ظهر نعوم شومسكي في
حوار مع جون بيلجر. استضافت مجلة رد ببر الحدث؛ وترأس هارولد بنتر
الجلسة.
هيلاري وينرايت:
[المحررة السياسية للجريدة وقتذاك؛ والآن محررة بها]: ايها الأصدقاء
والرفاق، أهلا لأول منتدى تقيمه الرد ببر، وأيضا أول منتدى تقيمه
الجريدة. نريد اسلوبا مختلفا لتقديم أو لإعادة تأسيس فن المحاورة العامة.
بمعنى من المعاني تلك الطريقة سوف تكون أكثر ابداعا، خصوصا في الأزمنة
المعقدة التي نحياها، أكثر ابداعا من مجرد الاعتماد على جدل كلامي. ولإنه
أمر اكثر تشاركية من مجرد أن تكون محاضرة، وربما أكثر شخصية وأكثر متعة
من المحاورات العامة التقليدية.
من السليم أن نعقد نقاشا
عاما وأن يكون مسرح ألمايدا هو منتدانا. أود أن اشكر جوناثان كنت وايان
ماكديارميد لتوفيرهم هذه الفرصة لنا أن نجتمع في هذا المسرح.
لست في حاجة لأن أقدم اي
من المشاركين الثلاثة. فهم كلهم أناس لا يهابون البحث عن الحقيقة ثم
يكتشف كل منهم كل منصة ممكنة لإعلان الحقيقة من عليها. ولكن كلما اكتشفوا
حقيقة، كلما إغلقت في وجوههم تلك الأماكن. إنهم أفراد قد حققوا في مهنتهم
الخاصة التي اختاروها أعلى مهارات ممكنة، ولكنهم لم ينغلقوا في احترافية
ضيقة مثل تلك التي نكبت بها الحياة السياسية والفكرية في بريطانيا. بهذا
المعنى فهم تلك المصادر الشحيحة النادرة، مثقفين يحملون الهم العام. وفقط
قبل أن انقل الكلمة الى هارولد بنتر أريد أن أتذكر نموذجا آخر للمثقف
العام – رالف ميليباند – الذي رحل السبت الماضي، وأعتقد أن عزيمته في خلق
يسار أممي مستقل سوف تلهم الرد ببر وسوف تكون من الحوافز المعنوية
الدافعة لهذا النقاش.
هارولد بنتر: شكرا
لك. دعوني فقط أقول أن ما أنوي القيام به هو التوقف أمام هذا النقاش
للحظة، ثم في الوقت المناسب أود أن ادعوكم الى المشاركة لتسألوا اي سؤال
ترغبونه لنعوم شومسكي وجون بيلجر.
لذا دعوني أبدأ ضربتي
بالقول: جون، هذا العنوان، الحرب الباردة الجديدة، كان من اقتراحك لأنك
تعتقد، وهذا في رأيي سليم تماما، أن مصطلح النظام العالمي الجديد قد
استهلك في الاستخدام زيادة عن اللزوم بل من الأحرى أنه بات متهالكا. لذا
هل تستطيع أن تحدد لنا الأمر بشكل أكثر دقة قليلا ماذا تعني بالحرب
الباردة الجديدة؟
جون بيلجر: حسنا،
بالطبع هذا مضحك وساخر بشدة: الحرب الباردة الأصلية لم تنته أبدا. الحرب
الباردة القديمة كانت حرب استنزاف بين القوتين النوويتين العظميين،
ولكنها كانت مواجهة كلامية، أيضا. لذا غالبا كانت دعوتهم الينا وفعلهم
فينا من اجل أن نراها ببساطة كنزاع بين الشرق والغرب، إلا أن الحرب
الباردة كانت دائما، وما زالت، حرب ضد أغلبية البشر. إنها حرب تحارب بدم
الشعوب "القابلة للاستهلاك" من أجل المحافظة على موقف استراتيجي، وموارد
استراتيجية وكانت حربا للسيطرة – كانت حربا إمبريالية. الحرب الباردة بين
الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة التي دارت في العالم الثالث كانت
نسبيا غير ذات مغزى مقارنة بالحرب التي حاربتها الولايات المتحدة ضد
الشعوب التي كانت تحاول تحسين أوضاعها في العالم. لا يقارن الاتحاد
السوفيتي أبدا بالأمريكيين كإمبرياليين؛ كان السوفيت إمبرياليين مؤذيين
خارج حدودهم الخاصة.
أسست الولايات المتحدة
شبكة سيطرة عبر العالم فيما بعد فترة الحرب العالمية، وتلك السيطرة تم
دعمها منذ ذلك الحين. الآن عندما انهار العالم الشيوعي، طبعا تبرير
الاستمرار في هذه الحرب ضد العالم الثالث انهار هو أيضا معه، وكان يجب
إيجاد مسوغ آخر، إلا إنه لم يكن مقنعا أبدا. مثلا، أثناء حرب الخليج،
مررنا بفترة مسوغات "شيطانية". صدام حسين ارتفعوا به الى مرتبة هتلر
جديدة. لكن ذلك لم ينجح فعلا ولكنه سار الى بعض الوقت؛ لقد نجح فعلا لما
يكفي الولايات المتحدة أن تقود قوة ملموسة ضد العراق وتتسبب في مقتل ربما
200 الف من الناس، وتحطم جزء واسع من الاقتصاد في الشرق الأوسط.
كانت هناك أيضا حجج
ومسوغات تلعب على تنويعات مثل نورييجا: السبب لغزو بنما كان أن نورييجا
تاجر مخدرات دولي، طفلة مومس ومنتج أفلام دعارة جنسية، ومهما كان هو، كان
يجب القبض عليه. حسنا طبعا، كل ذلك لم يكن الأسباب الحقيقة على الإطلاق.
فقط كانت الولايات المتحدة تستعرض قوتها مرة أخرى.
بدأت بنما الحرب الباردة
الجديدة، كانت اللغة الأرويلية تستخدم لتجعل من الحرب معادلا للسلام.
بالنسبة لهذه التصرفات ضد طغاة كانوا سابقا يقبضون الأموال من الولايات
المتحدة وفي علاقة زبونية معها، يمكن التضحية بهم في سبيل قضية عالم جديد
يعيش في سلام. ولكن طبعا كان ذلك هشا جدا، لم يكن هناك حقا اي أساس يستند
عليه الناس لتصديق ذلك، مثلما لم يستطع كثير من الناس تصديق حكاية الخطر
الشيوعي، لذا أنا اعتقد أننا عدنا مرة أخرى الآن الى حرب باردة أكثر
هشاشة – عدنا الى ما كانته دائما الحرب الباردة، حرب ضد العالم الثالث.
هناك وصف مثير لذلك، خصوصا
ما يتعلق بالأحداث الأخيرة في جنوب أفريقيا. واحد من المخططين
الاستراتيجيين للحرب الباردة، توماس شيلينج، اشار الى نظام تفرقة عنصرية
كوكبي، واستخدم جنوب أفريقيا ككناية على الطريقة التي سوف يتم بها
التخطيط للعالم. قال، وأنا أنقل عنه، "لو كان على الولايات المتحدة أن
تتدبر مليا بشكل تدريجي موضوع التنازلات عن اي معايير للسيادة صالحة
لتشكيل هيكلا تشريعيا ليس هو أكثر اتقانا، ولكنه أكثر فعالية، فمن هو
الكيان السياسي المألوف الذي قد يكون أساسا لعقد هذه المقارنات؟ وجدت
إجابتي الخاصة على هذا السؤال إجابة محبطة وصادمة: جنوب أفريقيا. نحن
نؤمن بعالم خمس سكانه أغنياء، والاربعة أخماس فقراء؛ تم جمع الاغنياء في
بلاد غنية، والفقراء في بلاد فقيرة. الأغنياء بشكل سائد بشرتهم أفتح
لونا، والفقراء بشرتهم داكنة أكثر. معظم الفقراء يعيشون في مواطن نائية
ماديا، غالبا تفصلها المحيطات والمسافات الشاسعة عن الأغنياء. وبينما
يتواجد تناحر عرقي في العالم، هذا التناحر يكون أقسى وأكثر تدميرا بين
الفقراء".
الآن رغم أن فرضية شيلينج
قد تبدو تحريضية، اعتقد أن بها قدرا كبيرا من الصدق لأنها تؤكد حقيقة
الطريقة التي امتدت بها الحرب الباردة بواسطة واحد من أسلاف شيلينج، جورج
كنان، الذي نقل نعوم شومسكي مرارا عديدة عن كلامه كواحد من المهندسين
الحقيقيين للحرب الباردة القديمة. في 1948، تقول وثيقة السياسة السرية
لجورج كينان أنه يجب أن يكون الهدف الرئيسي لسياسة الولايات المتحدة هو
ضمان أن 6% من سكان العالم في إمكانه استغلال 50% من موارد العالم. الآن
قد تغيرت الأرقام قليلا. فهي الآن 5% يستغلون 33%، ولكن عندما نضم اليها
بقية الشمال الغني، يمكن تطبيق هذا الوضع. الولايات المتحدة تقود نظاما
عالميا، والولايات المتحدة تقود حربا باردة. وسائل الإعلام، مثلا، وتلك
منطقة سوف نناقشها بشكل منفصل.
وسائل الإعلام كشكل من
أشكال السيطرة، تقريبا نوع من الثورة المضادة بوسائل أخرى، قد أصبحت قوية
بوزن هائل وقد كانت عونا في تشويش مفهومنا عن وسائل الإعلام واللغة
والرقابة.
الحرب الباردة الجديدة
تعني أن الأغنياء بشكل إحصائي لم يكونوا أغنى أبدا منذ بداية الإمساك
بالدفاتر. وهذا في جزء كبير منه يعود الى حقيقة أنه يوجد الآن طريقة
هيكلية لفرض هذا الفقر من خلال المؤسسات الدولية. لذا فأنت في الواقع لا
تريد الحرب أكثر من ذلك، لديك البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يفرضان
إصلاحا هيكليا في صورة برامج في أكثر من 70 بلدا، في الوقت الذي ما زالت
أفريقيا تدفع فوائد هائلة على ديونها بينما تجرد أراضيها الزراعية من
الخصوبة.
بلد بعد بلد تجبر على
الدخول الى اقتصاديات السوق، لذا هناك المزيد من الوسائل الهيكلية وأيضا
مزيد من الوسائل الناعمة الحصيفة لإعادة فرض الحرب الباردة الجديدة أكثر
ربما مما كان موجودا في زمن الحرب الباردة القديمة.
هارولد بنتر: شكرا
لك شكرا جزيلا.
نعوم شومسكي: حسنا
أنا اتفق مع ما يقوله جون – اعتقد أن في الإمكان التوسع فيه. إنه لصحيح
تماما أن الحرب الباردة من على الجانب الروسي كانت نضالا من اجل السيطرة
على اتباعهم والملحقين بهم، ومن اجل تأسيس سلطة حكم من النخبة العسكرية
والبيروقراطية في الداخل. من جانب الأمريكيين، كما أشار جون، لقد كانت
حالة قوة كوكبية، وليس فقط قوة إقليمية.
ولكن الحرب الباردة بدأت
بقضايا داخلية في امريكا: في داخل البلد كانت تعني نوعا معينا من
رأسمالية الدولة، التي اعتمدت على نظام البنتاجون للحفاظ على استمرار
صناعة تكنولوجيا عالية، وكان ذلك هو السبب في أن البنتاجون لم يأفل دوره
عند انتهاء الحرب الباردة. ميزانيتهم الحالية فعلا هي أكبر مما كانت عليه
أيام نيكسون ومن المتوقع ان تزيد. هذا هو جوهر الطريقة التي يتقدم بها
دعم التكنولوجيا في ظل النظام الأمريكي.
كوكبيا الحرب الباردة كانت
تعني سياسة تدخل في أنحاء العالم لضمان أن الجنوب سوف يظل محصورا في دوره
الخادم بشكل جوهري. ومع ذلك، أنا اعتقد أن المرء يستطيع أيضا قول أن
الحرب الباردة كان مثلا على صراع الشمال والجنوب. وهكذا حول ماذا كانت
تدور الحرب الباردة؟ وحول ماذا كان يدور الصراع بين الاتحاد السوفيتي
وأمريكا؟
في الجزء المبكر من القرن
العشرين، كانت أوروبا الشرقية فقيرة كبلدان العالم الثالث اليوم. في
الواقع لقد كانت العالم الثالث الخاص بأوربا. وكان ذلك مستمرا منذ قرون.
فعليا أنه يمتد في التاريخ الى بداية انفصال أوروبا الغربية عن أوروبا
الشرقية، على طول خط وهمي يجري باستقامة عبر ألمانيا أثناء القرن الخامس
عشر، مع بداية تطور الغرب وتحول الشرق الأوروبي الى منطقة فقيرة لتقديم
الخدمات، وتوفير المصادر والمواد الخام، وفيما بعد العمل المأجور الرخيص
وفرص الاستثمار في الأسواق، وفي الفترات الأكثر حداثة، توفير أماكن
لتصدير التلوث. مواهب العالم الثالث التقليدية. وعندما كان هناك بعض
التصنيع في روسيا، كانت تعتمد بالاساس وبشكل كاسح على الرأسمال الغربي.
نموذج نمطي للعالم الثالث. حسنا في القرن العشرين، إذا ما نظرتم الى
الثروة النسبية في الشرق والغرب من أوروبا، كان الشرق آفلا منسوبا الى
الغرب.
كانت روسيا لحد ما جزءا
غير اعتيادي من العالم الثالث. كانت تريد احتراما بمقياس أكبر، ورغم
كونها مجتمعا فلاحيا فقيرا بشكل عميق، كانت تمتلك جيشا عسكريا قويا في
القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
منطق العلاقة بين الشمال
والجنوب كان في غاية الوضوح. العالم الثالث يلعب دور مقدم الخدمات، وهو
ما يعني أن اي محاولة نحو النمو المستقل يجب أن تسحق. كان البريطانيون
رواد لذلك في الهند؛ الهند يتم تفكيك صناعاتها وفرض أن تظل أمة ريفية،
بينما يتطور البريطانيون.
عندما تولت الولايات
المتحدة الزعامة في 1945، أصبحت هذه السياسة جلية تماما. السجل الوثائقي
للزمن الذي اقتبس منه جون نصوصه، في الاربعينات، يظهر أن المبادئ
الاساسية هي أن الولايات المتحدة يجب أن تمنع ما يسمى باسماء عدة:
الوطنية الراديكالية، أو الاستقلال الوطني، أو الاستقلال الاقتصادي.
اسماء متعددة لذلك. ولكن تلك الاسماء كانت تعني دائما شيئا واحدا:
المحاولة لضرب مسار مستقل. الوثائق السرية تشرح أن المصالح الرئيسية
الكبرى للولايات المتحدة كانت تهددها الأنظمة القومية التي كانت ترد على
الضغوط الناتجة من شعوبها أنفسها من أجل تحسين مستويات معيشتها المتدنية
ومن أجل الانتاج للاستهلاك المحلي. وأن على ذلك أن يتوقف لأننا لدينا
الحق في استغلال الموارد، وليس هم. كان علينا أن نحمي "مواردنا".
المكان الذي كانت الولايات
المتحدة فعلا قادرة على فرض هذا التصميم كان أمريكا اللاتينية؛ كان لديهم
سيطرة شاملة على المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية. كانت الولايات
المتحدة في النهاية قادرة على طرد بريطانيا وفرنسا خارج امريكا اللاتينية
والاستيلاء عليها. ثم كان عليها ان تناضل ضد ما كان يسمى فلسفة الوطنية
الجديدة – التي كانت تكتسح أمريكا اللاتينية – وقد شرحت وزارة الخارجية
في وثائقها السرية، بأن المعتقدات التي ظهرت بأن المنتفعين الأولين بداية
من ثروات البلاد يجب أن يكونوا شعب هذه البلاد، وأن تلك الثروات يجب أن
تستخدم من أجل التنمية والتوزيع المتساوي. حسنا، كان يجب إيقاف ذلك، لأن
المستفدين الأولين من اقتصاديات الجنوب تم تعريفهم بأنهم المستثمرون،
والبلاد الغنية.
العلاقات الروسية الغربية
كانت بالضبط على هذا المنوال. استيلاء البلاشفة على السلطة كانت محاولة
من بلد في العالم الثالث أن يخترق نمط ان تكون في منطقة الخدمات من أجل
مصلحة القوى الغربية، وذلك لم يكن مسموحا به.
الوطنية المستقلة لم يكن
مقبولا من الغرب، ولا يهم أين تكون، ويجب دفع تلك الوطنية الى الخضوع مرة
أخرى. في حالة جرينادا، يمكنك تنفيذ عملية الخضوع في عطلة نهاية الأسبوع؛
في حالة الاتحاد السوفيتي قد تأخذ 70 سنة. ولكن تلك امور تخص درجات
القياس ولكن المنطق يظل هو نفسه من حيث الجوهر.
هناك نقطة أخرى يجب ذكرها:
هناك ما هو حتى أسوأ من خطر الوطنية المستقلة، وهو خطر أن تكون فكرة
ناجحة. هناك اصطلاح فني لذلك – إنه يسمى التفاحة الفاسدة. التفاحة
الفاسدة تعطب كل البرميل. هنري كيسنجر يفضل تسميتها فيروسا قد يصيب مناطق
أخرى. وهكذا، مثلا، كيسنجر، عندما كان يعمل على الإطاحة بنظام سلفادور
اليندي في تشيلي، حذر من أن تشيلي كانت فيروسا يمكنه أن يعدي بلاد أخرى
حتى لأبعد من جنوب ايطاليا. يفهم كيسنجر بالطبع أن الجيش الشيلي لن يصل
الى إنزال قواته في روما. ما كان يعنيه كان مباشرا: تهديد نجاح بعض أنواع
الاشتراكية الديموقراطية في الفترة التي كانت الشيوعية تنتشر فيها – ربما
تعدي بعض البلاد الأخرى بفكرة أنهم يستطيعون صنع نفس الشيء. لذا ذلك ما
كان يسمى التفاحة المعطوبة أو الفيروس – ولو نظرت على تاريخ التدخلات،
تكتشف أن التدخل يستهدف بشكل مستمر بأكثر أشكال التدخل عنفا ما كانت
تسميه أوكسفام ذات مرة تهديد النموذج الجيد، التهديد بأن تجربة راديكالية
قد تنجح.
روسيا اعتبرت دوما كفيروس،
اي، كانت نموذجا قد يقلده الآخرون، ليس فقط في العالم الثالث، ولكن حتى
داخل البلاد الرأسمالية المتقدمة نفسها، مثلا، عندما كان يضرب عمال
المناجم في ويلز التجأوا الى محاكاة النموذج السوفيتي مباشرة. هذا ما كان
عليه الحال حتى الستينات، مع تحذير هارولد مكميلان لجون ف كينيدي بأنه قد
ينجح نموذج التنمية السوفيتية، وفي تلك الحالة سوف يكون خطرا حقيقيا. ليس
فقط لأن تلك الكتلة الضخمة من العالم سوف "نفقدها"، ولكن لأن الآخرين
بجوار أوطاننا قد يحاولون محاكاتها. لذا هنا لديك تفاحة ضخمة معطوبة،
كبيرة الحجم وأعظم من كل التفاحات المعطوبة الأخرى، تقدم نموذجا قد يحاول
الآخرون اتباعه.
هذا في الجوهر هو الصدام
بين الشمال والجنوب، والذي كانت له حياة خاصة به في تلك الحالة بالنسبة
لكل أسبابه، ولكن الهيكل الرئيسي له يعود في الزمن الى حقبة الغزو
البريطاني للهند، ويمكن لأبعد لو أردتم المضي الى الوراء، ولكن في الهند
أخذت القضية شكلها الرئيسي واستمرت قدما حتى الحاضر. مع سقوط حائط برلين
في 1989، دفعت أوروبا الشرقية فعليا الى وضعها القديم كدول عالم ثالث،
لذا فهي أيضا تخضع الآن الى التعديل [الإصلاح] الهيكلي – ترتد الى هيكل
العالم الثالث القياسي بأن يكون لديها شريحة ضيقة جدا من الأثرياء ثراءا
فاحشا والذين يتمتعون بالامتيازات وكتلة ضخمة من الناس يعانون بفظاظة.
وسبب عدم تغير شيء في رأيي
بنهاية الحرب الباردة هو أن السياسات تستمر بالضبط كما كان سابقا. كما
ذكر جون، رغم التغييرات في الدعاية والحجج، لا شيء حقيقة قد تغير – الأمر
يسير بالضبط كما في السابق. نتيجة النصر في الحرب الباردة هي أن العالم
الثالث الأوروبي التقليدي هو الآن عالم ثالث على نحو فريد بشكل أكبر،
ويمكن على هذا النحو إدماجه في الأقتصاد العولمي.
وتلك النتيجة تمنح أسلحة
جديدة ضد الشعوب في الغرب. بالضبط كما في الماضي، جنرال موتورز، قل مثلا،
تستطيع أن تحول انتاجها الى شمال المكسيك لتنسف أجور وظروف عمل العمال
الأمريكيين، والآن جنرال موتورز وقد أقامت مصانعها في بولندا أو المجر
حيث تستطيع أن تحصل على عمال بكسر تكلفة ما تسميهم صحافة البزنس العمال
الأوروبيين الغربيين "ذوي الحفاضات" بنموذج "حياتهم الفاخر"، الذي يمكن
الهجوم عليه الآن.
وهنا لدينا تعميم آخر: نحن
نتحرك الآن الى حقبة نتجاوز فيها الصراع بين الشمال والجنوب بمعناه
التقليدي – فضلا عن ذلك سوف يعولم الصراع بشكل كامل. أصبح من الممكن أن
تؤسس نموذجا للعالم الثالث داخل البلاد الغنية نفسها. ذلك واحد من آثار
الاقتصاد الدولي. تستطيع أن ترى ذلك بشكل أكثر فجاجة في الولايات المتحدة
وبريطانيا، اللذان يكتسبان الآن أوجه عالم ثالثية بشكل واضح، بفجوة
متنامية بين الشريحة الأصغر من الأثرياء فاحشي الثراء والكتلة الكبيرة من
الناس "الزائدين عن الحد ولا وزن لهم". النسب بين الغني والفقير مختلفة
تماما في بلاد مثل امريكا والبرازيل ولكن الهيكل متماثل. لو نظرت الى
الفجوة بين الغني والفقير، بلدا بلدا، تظهر احصائيات الأمم المتحدة
الفجوة بين الـ 20% من بلاد القمة، والـ 20% من بلاد القاع من حيث الثروة
فإنها قد تضاعفت في الفترة من 1960 وعام 1990، من 30 الى 1 بلغت 60 الى
1. من الناحية الأخرى، لو تناولت سكان العالم ككل وأخذت الـ 20% الأعلى
والـ 20% الأقل، سوف تجد أن الفجوة قد تزايدت بقدر أكبر. في الواقع هي
الآن حوالي 140 الى 1 بين الـ 20% الأعلى من العالم كله والـ 20% الأفقر
من العالم كله.
الولايات المتحدة أحيانا
توصف كقوة إمبراطورية آفلة، وهو وصف صحيح لو اعتبرت الولايات المتحدة
كدولة داخل حدودها الإقليمية. من الناحية الأخرى، لو تناولتها ككوربوريشن
مقرها الولايات المتحدة، فذلك الوصف لن يكون صحيحا على الإطلاق. بدأ
الكونجرس الأمريكي مؤخرا إعادة تقدير وإعادة تحليل للميزان التجاري، ولو
اعتبرت الميزان التجاري هو شيء محدد بالحدود الجغرافية للولايات المتحدة،
عندئذ سوف تجد عجزا تجاريا هائلا.
لكنك لو حددت الميزان
التجاري كانتاج بواسطة الكوربوريشن الأمريكية ولا يهم اين يتم انتاجه،
وأين تتجه صادراته، سوف تنتهي الى أن الميزان التجاري يجري لصالحنا. في
الواقع، نصيب الانتاج المصنع بواسطة الكوربوريشن التي تقع مقراتها في
الولايات المتحدة يزداد فعلا. هذا جانب من جوانب تعميم نموذج العالم
الثالث.
احد الطرق الجيدة لمعرفة
من كسب حرب، ومن خسر فيها، وحول ماذا كانت الحرب، هو أن تسأل من من طرفي
الحرب يهلل فرحا ومن منهم أصابه الغم والكآبة بعد انتهائها – بذلك قد تجد
بين يديك أجوبة مثيرة. وهكذا، مثلا، لو سألت ذلك السؤال عن الحرب
العالمية الثانية، سوف تكتشف أن المنتصرين هم النازيون، رجال الصناعة
الألمان الذين دعموا هتلر، والفاشيون الإيطاليون ومجرمو الحرب الذين
أرسلوا الى جنوب أمريكا – كل هؤلاء فرحوا بعد نهاية الحرب. الخاسرون
كانوا هم المقاومة ضد الفاشية، الذين سحقوا في كل أنحاء العالم. فهم إما
تعرضوا لمذابح كما في اليونان وفي جنوب كوريا، أو فقط سحقوا كما في
إيطاليا وفرنسا.
أولئك هم الرابحون
والخاسرون. وذلك يخبرك جزئيا بما دارت الحرب حوله.
الآن دعنا نتناول الحرب
الباردة: من هلل ومن اكتئب؟ دعنا نأخذ الشرق أولا. الناس الذين هللوا هم
بيروقراطية الحزب الشيوعي السابقين الذين هم الآن رجال الأعمال
الرأسماليين، الأغنياء فوق كل تصورات أحلامهم الوحشية، المرتبطين برأس
المال الغربي، كما في نموذج العالم الثالث النمط، والمافيا الجديدة أيضا.
لقد كسبوا الحرب الباردة. شعوب أوروبا الشرقية قد خسرت الحرب بكل تأكيد؛
لقد نجحوا في الإطاحة بالطغيان السوفيتي، وهو مكسب، ولكن ما عدا ذلك فهم
خاسرون – هم في وضع بائس ولسوف يتدهور بأكثر من ذلك.
لو انتقلت الى الغرب، من
كسب ومن خسر؟ حسنا، المستثمرين في جنرال موتورز بالتأكيد كسبوا. هم الآن
لديهم هذا العالم الثالث الجديد مفتوحا مرة أخرى أمام الاستغلال –
ويستطيعون استخدامه ضد طبقتهم العاملة داخل بلادهم. من الناحية الأخرى،
عمال جنرال موتورز بالتأكيد لم ينتصروا، لقد خسروا. هؤلاء العمال قد
خسروا الحرب الباردة، لأن هناك الآن طريق آخر لاستغلالهم واضطهادهم وهم
يعانون بسبب ذلك. إنه نفس الأمر في انجلترا، وفي باقي أوروبا. الرابحون
والخاسرون يخبرونكم بالكثير حول ماذا كانت الحرب الباردة.
نعم، طبعا، كل شيء يمضي
كما في السابق فيما يخص الصراع بين الشمال والجنوب، ولكن لدينا الآن
ظاهرة جديدة، تدويل الاقتصاد، الذي ينشر نموذج العالم الثالث داخل
المجتمعات الصناعية، ويقدم طرق لتسريع الاقتصاد بفتح مناطق جديدة من
الاستغلال يمكن استخدامها وتستخدم فعلا لتعميق الانقسامات وزيادة
الهيمنة. لذا تلك نهاية احد الحروب الباردة، ولكنها مجرد مرحلة في صراع
بدأ مع الغزو الأوروبي للعالم الثالث منذ 500 سنة مضت.
للحوار بقية