سقوط إمبراطورية الحزب الواحد

جوناثان سكيل

مجلة ذي نيشن، عدد ديسمبر 2005

لبعض وقت كنت أقترح هنا أن هدف الاستراتيجية الجمهورية قد كان حزبا جمهوريا يدير بشكل دائم الولايات المتحدة وولايات متحدة تدير بشكل دائم العالم.  كلا الهدفان القوة الدافعة لهما هي غرض مشترك: زيادة وتثبيت السلطة بشكل مطرد وغير قابل للنكوص في أيادي الحزب الجمهوري، بالتقدم في اتجاه دولة الحزب الواحد داخليا واتجاه إمبراطورية أمريكية كوكبية في الخارج.  السؤال الأكثر حرجا قد كان هو هل الديموقراطية الأمريكية، المتآكلة بشكل خطير ولكنها ما تزال تتنفس، سوف تفشل الماكينة الحزبية الديموقراطية، أو هل الماكينة الجمهورية – سمها امبراطورية الحزب الواحد البرعم – سوف تفشل الديموقراطية الأمريكية.  هذا الأسبوع، يبدو كما لو كانت الديموقراطية، بعد سنوات من الأفول، قد استطاعت ان تمتلك ناصية الصراع.

كان الاختيار وما زال: الإمبراطورية أو الجمهورية؟  فقط من مجرد بضع سنين مضت، "القوة العظمى الوحيدة"، روما الجديدة، سيدة العالم "الأحادي القطب"، بدت لعديدون أنها تمتطي العالم بقوة.  البعض، مثل كاتب العمود الصحفي تشارلز كراوثامر، كانوا يتنبأون بانتصار "المهيمن الأمريكي".  "التاريخ قد أعطاك إمبراطورية، لو كنت ستستطيع أن تحافظ عليها"، كما قال كراوثامر، ناقلا عن بنيامين فرانكلين، الذي قال في المؤتمر الدستوري بأن الولايات المتحدة هي جمهورية لو تستطيع أن تحافظ عليها.

الآخرون، مثل الكاتب مايكل ايجناتيف، بمزاج أكثر حزنا وكآبة، كانوا يجهزون لتحمل "الأعباء" الكوكبية للإمبراطورية التي لا مهرب منها، وهو ما كان يعني "تنفيذ مثل هذا النظام بالقوة كما هو في العالم والقيام بذلك لصالح الأمريكان".  وبقى آخرون، مثل الصحفي روبرت كابلان، يطوفون بالحامية العسكرية النائية للإمبراطورية، ويزأرون "زئير الإمبراطورية" وينصحون الزعماء المدنيين الأمريكيين بالاستسلام للاتجاه العسكري.  بالفعل، كابلان قال أن "الفروق نفسها بين العمليات العسكرية والعمليات المدنية التي ننفذها في أعالي البحار تتآكل".  نموذج المستقبل، كما يعتقد، يجب أن يكون هو تاريخ التدخل العسكري الطويل للولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية.

ولكن أين هي الإمبراطورية الأمريكية الآن، أين هي روما الجديدة؟  اين شعوبها التابعة، وولاياتها، اين مقدونيتها وقرطاجها وأين مصرها، وأين جيوشها المنتصرة واستعراضات انتصاراتها؟  أين، فيما يخص ذلك الأمر، فنونها ورسائلها، وأعمدة رودس، وأهراماتها؟  أين شاعرها فيرجيل؟  هل يكون ذاك هو بيل أورايلي، نافورة المعلومات المضللة الكاذبة، أو هو دان بارتليت، ملكة جمال المتحدثين باسم البيت الأبيض؟ هل يستطيع اي شخص اي منحني جولة داخل تلك المملكة؟  ربما نبدأ بالعراق.  ولكن ربما من الأفضل ألا نفعل.  سوف تختصر الجولة سريعا داخل المنطقة الخضراء، المجمع السكني الأمريكي في وسط بغداد والمنطقة "الآمنة" الوحيدة في البلاد.   مات مؤخرا 200 عراقي في الهجمات التفجيرية (الأهوال نادرا ما تذكر في الجدال الدائر في هذه البلاد).  بالنسبة "للحكومة" العراقية، هؤلاء الخدم غير قادرين على تنفيذ الأوامر الإمبراطورية – هم غير أكفاء حتى في كونهم دمى.  انجازهم الرئيسي قد كان في افتتاح مراكز للتعذيب، ربما تقليدا لأبو غريب، أو ربما نقلا عن نماذج صدام حسين.

هل سوف تكون أفغانستان محطتنا التالية في رحلتنا الإمبراطورية؟  سوف تكون تلك محطة دالة على الحكم القسري بواسطة الحرب – أمراء المخدرات في ذلك البلد يستأنسون، على الأقل في مدينة العاصمة، بواسطة إدارة حميد كرزاي.  هل سوف نذهب، كما فعل الرئيس مؤخرا، الى أمريكا اللاتينية، التي ينصح بها كابلان كبروفة ملابس للحكم الإمبراطوري؟  سوف نجد أن الولايات المتحدة يحتقرونها هناك، بشكل أدى لنهوض زعماء يساريين من فنزويلا الى الأرجنتين.  أو هل سوف نتبع خطوات الرئيس الى آسيا، حيث قامت كوريا الشمالية استهانة بإرادة الإمبراطورية ببناء ترسانة نووية والصين، بسندات الخزانة الأمريكية التي تبلغ 252 بليون دولار، قد ظهرت كممول للعجز الأمريكي المتفجر؟

الأحلام الإمبراطورية تتحول الى خراب.  ولكن، للغرابة، الخراب ليس هو خراب الأشياء التي قامت ثم انهارت؛ ولكنه خراب الأوهام.  نحن لا نتعامل هنا مع انهيار روما جديدة.  إنها ليست تلك القوة العظمى التي تهوي – رغم خسائر الحرب، الأمريكية والعراقية، قد كانت بشكل مأساوي حقيقية – ولكن هذا العالم الزائف من الخيالات والتزوير قد فجرته الحقائق.

ودولة الحزب الواحد في الداخل؟  لم تكن هي الشبح الذي كانته الإمبراطورية.  هيكل الدولة الأمريكية، ولحد أقل اقتصادها، قد تغير تغيرا عميقا فعلا.  مئات الملايين الحقيقية من الدولارات قد انصبت في خزائن الحزب الجمهوري بينما انصبت مئات البلايين الحقيقية في جيوب الأغنياء.  قوانين حقيقية مرت لتصنع خروق وثغرات كبيرة حقيقية في قائمة الحقوق المدنية.  بدأت ديناميكية انحراف حقيقي في العدل نحو اليمين المتشدد.  تم خلق تركيز غير مسبوق في السلطة تجمع بين الحكومة والكوربوريشن والعسكريين وحصة من وسائل الإعلام وأجهزة بوليس سرية تتضخم بشكل هائل.  مع أن هذا الهيكل أيضا قد بدأ يتداعى تحت ضغط الأحداث الحالية.

كما حدث في حقبة فيتنام، دخلت الحرب الى أرض الوطن.  عدم احترام الإدارة للقانون أدى الى خرق القانون.  لحد ما، نظام تنفيذ القانون في وحول وزارة العدل كان قد احتفظ بقدر كاف من الاستقلال ليعمل كمانع لانتهاكات السلطة التنفيذية.  أتت الاتهامات، والبقية في الطريق.

الآليات التي أتت بها الكوارث الخارجية مما أدى الى انتكاسات الإدارة داخليا آليات معقدة، ولكن الخطوط العريضة لها هي توا واضحة: الإمبراطورية الفاشلة، في شكل حربها الفاشلة، قد هبطت بالتأييد للرئيس الى نقطة التي تجعل الآخرين، الذين يجبنون حتى الآن، يشعرون بحرية في الهجوم عليه.  مؤسسات الحكومة والاقتصاد، المنتشرة كبرادات الحديد في مجال السلطة المغناطيسي، فشلت أولا في تصحيح مسار الإدارة.  ولكن الجمهور، الممثل في استطلاعات الرأي العام، قد خطا الى الأمام، وتلته المؤسسات.  لم يحدث منذ سقوط الاتحاد السوفيتي من 14 سنة أننا شاهدنا انعكاسا للأقدار أكثر من هذا.

فك تكتلات السلطة الغير قابلة للمسائلة والحساب التي قامت حول الحزب الجمهوري في السنوات الأخيرة سوف يكون من الصعب أن تتم في أسبوع، وما سوف ينتج عن ذلك سوف يكون مفتوح الاحتمالات.  ولكن إذا نجح المجهود المبذول في ذلك، قد يكتب المؤرخون في يوم من الأيام أن الإمبراطورية الأمريكية المزيفة كانت كعب أخيل [نقطة ضعف] دولة الحزب الواحد الحقيقية.

كفاية - من نحن - انضم إلينا - المصادر - الإصدارات - التقارير - الأرشيف