الحق في أن نحكم أنفسنا

حيث نواجه بالتعذيب الأمريكي، والقتل والعقوبات الجماعية للمدنيين، يتنامى التأييد للمقاومة العراقية.

هيفاء زنكنة

الجارديان البريطانية؛ 20 نوفمبر 2005.

صورة الشيخ العراقي يحمل جسدا محترقا لطفل في الفلوجة، والتي عرضت بشكل واسع أثناء الجدل الذي ثار حول الأسلحة الكيماوية في الأيام الأخيرة، هو بالكاد نسخة طبق الأصل من صورة نفس الطفل التي يتذكرها العراقيون – التي ألتقطت في حلابجة مارس 1988.  كلا الطفلان كانا ضحية للأسلحة الكيماوية: الأول قتله ديكتاتور لم يحمل اي احترام للديموقراطية وحقوق الإنسان، والطفل الثاني قتلته قوات الولايات المتحدة، بمساعدة من البريطانيين، حاملين لافتة عريضة بالألوان لتلك المبادئ [مبادئ الديموقراطية وحقوق الإنسان] بينما ينفثون غاز الفسفور الأبيض واليورانيوم المنضب على العراقيين.

صورة الفلوجة صورة رمزية لاحتلال ظالم.  قرأنا في الأسبوع الماضي أن قوات الولايات المتحدة "صدمت فيما اكتشفته" أثناء غارة على مباني وزارة الداخلية: أكثر من مائة سجين، العديد منهم "يظهرون كما لو أنهم قد ضربوا بوحشية" وأنهم يعانون من سوء التغذية.  كانت هناك تقارير أيضا عن جثث بها "علامات تدل على تعرضها لتعذيب عنيف".  حسين كامل، نائب وزير الداخلية، كان "مصدوما" أيضا.  هذه المفاجأة المصطنعة هي هزل يتبع فقط كذبة أسلحة الدمار الشامل.  فلقد استمر التعذيب كما كان تحت نظام صدام حسين في مراكز الاعتقال، والسجون، والمعسكرات، والزنازين السرية خلف أبو غريب تماما.

بينما أمضت حكومتا الولايات المتحدة وبريطانيا 30 شهرا من الاحتلال تدفع بحجج عن شرعية الأسلحة الكيماوية و"فوائد" التعذيب لاستخلاص المعلومات، انخرط العراقيون في كفاح مختلف: أن يتمكنوا من البقاء رغم الاحتلال المتزايد الضراوة، وأن يحددوا قواعد الديموقراطية وحقوق الإنسان طبقا لذلك.  خبرات العقاب الجماعي، والاعتقال العشوائي والقتل كانت هي السمات المحددة لذلك.

على سبيل المثال، في السادس عشر من أكتوبر، تجمعت مجموعة من الشباب والأطفال حول سيارة مدرعة من طراز همفي وقد احترقت في أطراف الرمادي.  كانت هناك حفرة عميقة في وسط الطريق، تخلفت عن قنبلة قتلت خمسة جنود أمريكيين وجنديين عراقيين في اليوم السابق.  بعض من الأطفال كانوا يلعبون لعبة الاستغماية، والبعض الآخر يمرحون مقهقهين بينما يلقون الأحجار على السيارة المحترقة، عندما أطلقت مقاتلة نفاثة أمريكية من طراز (F-15) نيرانها على التجمهر.  لاحقا قال الجيش الأمريكي أنه قد قتل 70 متمردا في ضربة جوية، ولم يعرف شيئا عن مدنيين وسط هؤلاء القتلى.

من بين "المتمردين" القتلى كان هناك طفل عمره ستة أعوام اسمه محمد صالح علي، دفن في كيس بلاستيك بعدما لملم أقاربه ما اعتقدوا أنه أجزاء من جسده؛ وطفل عمره أربع سنوات اسمه سعد أحمد فؤاد؛ واخته ذات الثمانية أعوام، هيفاء، التي اضطروا لدفنها دون أحد سيقانها لأن عائلتها لم تستطع العثور عليها.

تستخدم القوات الأمريكية بشكل متزايد الضربات الجوية لتخفيض خسائرها الخاصة.  كما أنهم يعملون مع القوات العراقية في مهام ابحث-و-دمر للثأر بعد الهجمات الناجحة على قواتهم، أو لإرهاب السكان قبل تنفيذ عمليات سياسية تضع الولايات المتحدة سيناريوهاتها.

لا يبالي معظم العراقيين بالجداول الزمنية السياسية التي يفرضها المحتلون – من تسليم السيادة الصوري الى الثلاث أشهر المحيرة لاختلاط الحابل بالنابل الطائفي والعرقي حول الحكومة المؤقتة وإعلان "نعم" على مسودة الدستور بواسطة كوندوليسا رايس قبل ساعات من إغلاق صناديق الاقتراع.  العراقيون يعتقدون أن العملية كلها مقصود بها صرف انتباههم عن القضايا الرئيسية: الاحتلال، والفساد، وتدمير ونهب ثروات العراق، فشل الحكومة الانتقالية في قضايا حقوق الإنسان.

تقرير صدر أخيرا عن هيومان رايتس ووتش يعطي تفاصيل طازجة عن تعذيب المعتقلين بواسطة القوات الأمريكية في العراق.  في قاعدة عسكرية بالقرب من الفلوجة، اسمها الزئبق، إساءة التعامل لم يتم التغاضي عنها فقط ولكن في بعض الأحيان تمت بناء على أوامر.  يصف التقرير الضرب الروتيني المبرح للمساجين، وتعريض عيونهم وجلودهم لكيماويات حارقة، حتى يتوهج المساجين في الظلام.  اعتقل آلاف في السجون دون تهمة أو محاكمة، بما فيهم الكاتب محسن الخفاجي، الذي اعتقل في مارس 2003.

اتخذ الجنود الامريكيين النساء كرهائن لإقناع أقاربهم من الذكور الهاربين بتسليم أنفسهم أو الاعتراف بأنهم قاموا بعمليات إرهابية.  سارة طه الجميلي، 20 عام، من الفلوجة، قبض عليها مرتان: في 8 اكتوبر اتهمت سارة بأنها أبنة أبو مصعب الزرقاوي، رغم أن والدها، عضو الحزب العربي القومي، كان قد اعتقلته القوات الامريكية لأكثر من شهرين؛ وفي 19 اكتوبر قبض عليها واتهمت بأنها إرهابية.  تظاهر مئات من الناس وأضرب العمال للمطالبة بإطلاق سراحها.  صرح وزير الداخلية بأن 122 سيدة ما زالوا رهن الاعتقال، متهمات بتهمة مبتكرة هي أنهن "من الممكن أن يتحولن الى انتحاريات ناسفات".

وحيث أن العمليات الواسعة التي يقوم بها الجيش الأمريكي مستمرة، بلغت الحالة الصحية في أرض الواقع نقطة الانهيار.  البنية التحتية الصحية في العراق، الأطباء وطواقم المستشفيات غير قادرين على ملاحقة الأزمة الإنسانية المستفحلة.  ولا عجب أن مزيد من العراقيين يدعمون المقاومة.

تتفق المقاومة المسلحة مع قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1978 الذي أعاد تأكيد "شرعية كفاح الشعوب من أجل الاستقلال.. من .. الاحتلال الأجنبي بكل الوسائل المتاحة، خصوصا الكفاح المسلح".  هيئة المؤتمر الوطني العراقية (INFC)، وهي جماعة تشكل مظلة لعدد من الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، تقود مقاومة سياسية.  هناك أيضا مقاومة مدنية ومجتمعية، تتضمن المساجد، ومنظمات المرأة، ومنظمات حقوق الانسان والنقابات، والتي تفتح صلات بجماعات مناهضة الحرب الدولية وحركات مناهضة العولمة.

يؤمن معظم العراقيين بأن لديهم حقا في أكثر من استقلال شكلي.  الدرس الذي يعلمه لنا التاريخ من فيتنام، وهو أن المقاومة الوطنية العنيدة يمكنها أن تذهب بريح أعتى الجيوش، نتعلمه الآن في العراق.

هيفاء زنكنة، روائية مولودة في العراق وسجينة سابقة في نظام صدام حسين.

كفاية - من نحن - انضم إلينا - المصادر - الإصدارات - التقارير - الأرشيف