ولادة 'إسلامية' لِــــ'الليبرالية' العربية

جهاد الخازن

النهار؛ 25 نوفمبر 2005.

يذهب التهكم السياسي لدى رئيس تحرير "الاهرام" الى حد انه يقترح في افتتاحيته التي علق فيها على نتائج المرحلة الاولى من الانتخابات التشريعية المصرية، ان يدعم الحزبُ الوطني الحاكم احزابَ المعارضة التي اصبحت "اوضاعها تستدعي جراحة انقاذ سريعة"... ويقصد الكاتب هنا جميع احزاب المعارضة بما فيها "الوفد" و"حزب التجمع" ولكنه لا يضع ضمنها "الاخوان المسلمين" الذين تسمّيهم الصحافة الرسمية في مصر "التيار الديني"... وهذه تسمية "توفيقية" كون "حركة الاخوان المسلمين" غير مرخصة قانونيا!...

اي ان الانتخابات المصرية "تعلن" هزال جميع التيارات القومية والماركسية والليبرالية ما عدا الاسلامية.

... هكذا تتقدم الديموقراطية السياسية في مصر او تتقدم مصر نحو شكل من اشكال الديموقراطية السياسية، متكئة على "الاسلام السياسي" ممثلا بـ"الاخوان المسلمين"... للتوازن مع السلطة.

اذن في مصر "المشروع الليبرالي" لا يحمله "الليبراليون" وانما التيار الرسمي في الحزب الاصولي. ولا نريد ان نقول هنا انهم لا يحملونه وحدهم... فأزمة التمثيل التي طرحها كتاب غربيون ايضا حول مدى تمثيلية "الليبراليين العرب" تتجاوز هذا التوصيف لتطرح حاليا ولادة "اسلامية" لـ"الليبرالية" العربية.

في العراق... يشكل التكوين السياسي "القومي" الكردي، بتنظيميه الرئيسيين "الحزب الديموقراطي الكردستاني" و"الاتحاد الوطني الكردستاني" الاستثناء للوحة الحالية للنخبة العراقية الجديدة التي يسيطر عليها "الاسلاميون" سواء لدى الاكثرية الشيعية او لدى الاقلية السنية... سواء "الحزب الاسلامي" او "جمعية العلماء المسلمين" لدى السنة او "حزب الدعوة" و" المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق" لدى الشيعة... وعلى اي حال فسنكون بانتظار الانتخابات المقبلة القريبة التي على ما يبدو مع التغيير الحاصل في تقسيم الدوائر الانتخابية، سيحاول فيها بعض "العلمانيين" (والاصح للدقة تسميتهم "غير الدينيين") تشكيل قوائم مستقلة، سنرى مدى ما سيمثلونه على الخارطة الاجتماعية للنخبة العراقية الجديدة...؟

... في سوريا تعود المسألة، مسألة دور "الاسلام السياسي" في اي مستقبل سياسي، لتكون في واحدة من ابرز دوائرها العربية، الى جانب مصر وفلسطين، حيث "التيار الديني" مرشح ليكون، على خصوصية تجربة كل بلد من هذه البلدان، الطرف الثاني في ثنائية تنافس سياسي سلمي واقعية تسيطر على الحياة السياسية وتنعكس على احتمالات تركيب السلطة في مرحلة لاحقة.

الرئيس بشار الاسد، اذا استندنا الى التقرير الافتتاحي الذي نشرته جريدة "السفير" قبل فترة وكتبه ابرهيم الامين نقلا عن مصادر حضرت لقاءه مع ناشطين عرب وبينهم لبنانيون، اطلق اشارة ايجابية ما في اتجاه الحوار مع "الاخوان المسلمين" وإن كان لا ينبغي تحميلها اكثر مما تحتمل لانها بقدر ما تنطوي على قابلية الانفتاح، بقدر ما تحمل ايضا الشرط التقليدي للسلطة السورية على "الاخوان" وهو اجراء مراجعة نقدية علنية عن تجربتهم المسلحة في اوائل الثمانينات (وهي المراجعة التي تقول كتابات "الاخوان المسلمين" السوريين انها حصلت، وترد السلطة انها غير كافية!).

على اي حال... أطلق صدر الدين البيانوني، امين عام "الاخوان" السوريين المقيم في لندن عبر تصريحات نقلتها "وكالة رويترز" موقفا اكثر وضوحا امس من اي وقت سابق، قياسا بالوثيقة المهمة التي وضعها "الاخوان" السوريون قبل بضع سنوات، وهو موقف يصلح ليكون شعارا معياريا للتحول الحاصل في فكر "الاخوان المسلمين" نحو الديموقراطية التعددية السياسية...

لقد قال البيانوني ان حزبه يريد "دولة مدنية لا دينية في سوريا".

وهذا تصريح مع ما واكبه من قوله ان "الاخوان" هم جزء من تركيبة متعددة وليسوا وحدهم، يمكن ايضا ان "يؤسس" لمسار يشجع الرئيس بشار الاسد على البدء بخطوة ما... ليس نحو "الاخوان" مباشرة في المرحلة الاولى، ولكن عبر عملية انفتاح على قوى المعارضة الاخرى غير الدينية وبينها اليساريون كما شخصيات مستقلة ومثقفون في اتجاه فتح "كوة" في الجدار المسدود.

لنعد الى الصورة العربية الاشمل... بل الصورة في العالم المسلم.

... لم يمر عبور التيارات الاسلامية الاصولية الى الديموقراطية السياسية بدون ما يمكن تسميته بـ"التدريب القسري" او بـ"التدريب الذاتي".

"التدريب القسري" هي كلمة ملطفة ومعقدة لمزيج من القمع والتسوية. ففي تركيا استمر "التدريب القسري" لـ"الاسلاميين" كما "تدربهم الذاتي" على التعددية في دولة غير دينية (تركيا دولة غير دينية ولكن مسلمة في التكوين التاريخي والسوسيولوجي والوطني) منذ السبعينات. كان نجم الدين اربكان نائب رئيس الحكومة التي اتخذت القرار السياسي بالتدخل في قبرص عام 1974 بعد الانقلاب القبرصي اليوناني العسكري الذي اقصى المطران مكاريوس، وكان اربكان يعود بعد كل انقلاب عسكري في تركيا، انقلاب ضد جميع الاحزاب المدنية علمانية وغير علمانية، ليشارك مع تياره الاسلامي تحت اسم حزب جديد الى ان وصل الى رئاسة الحكومة عام 1997... ثم اقصي... وخلال النصف الثاني من التسعينات ظهر "الجيل الجديد" داخل حزب نجم الدين اربكان ممثلا برجب طيب اردوغان... اولا كرئيس لبلدية (او تجمع بلديات) اسطنبول.

جرى "تدريب" اردوغان بادخاله لاحقا الى السجن بسبب تصريح (مقاطع شعرية). كان هذا هو "التدريب القسري" الذي مارسته معه المؤسسة العسكرية. اما "التدريب الذاتي" فقد مارسه هو مع... "نفسه". لقد انشق مع عبدالله غول وجزء كبير من جيل الشباب وبعض المخضرمين عن اربكان. كان انشقاقه يعني قطعا عمليا مع نمط من "الاسلامية" مثّله اربكان طويلا. لم تكن اسلامية اربكان متطرفة... بالمعايير العربية! بل الاكثر اعتدالا حتى الآن من خطاب الاخوان المسلمين المصريين "المعتدل"... كما خطاب "الاخوان المسلمين" السوريين... المستجد. ولكن الوضع التركي، او حاجات التسوية التركية في لحظة تاريخية مناسبة، جعلت طيب اردوغان يفهم ضرورة الانشقاق عن اربكان لكي يتمكن من تمثيل الطرف "الاسلامي" في المصالحة التي كانت المؤسسة العسكرية التركية تستعد لها... تسوية تصالح الدولة العلمانية مع المجتمع المتجه نحو التدين... ولكن ضمن مسار التحديث البنيوي المتقدم في تركيا.

... هكذا جاءت انتخابات 2002... ليفوز حزب اردوغان ولتعطي بالتالي عمليات "التدريب القسري" و"التدريب الذاتي" مفعولها لصالح تركيا ولتنقل هذا البلد الى مرحلة جديدة اصبح فيها "الاسلاميون" الجدد ممثلين للخيار الاوروبي الغربي في تركيا... بعكس "الاب" المؤسس نجم الدين اربكان المنكفئ شعبيا... وفكريا.

في مصر... صيغة ما، "للتدريب القسري" و"التدريب الذاتي"... لا تزال تحتاج الى وقت لتستقر... لكنها دخلت مع الانتخابات مرحلة حاسمة. في بلد ذي ثنائية دينية عريقة و"داخل" ذي احساس قوي بالشخصية الوطنية. وفي سوريا... الطريق اطول... ولكن لسوريا ان تنتج نموذجها التعددي الخاص، باعتبار المجتمع السوري نفسه، مجتمعا تعدديا قياسا بتركيا، واكثر تعقيدا من التركيبة المصرية الثنائية بين مسلمين واقباط...

كفاية - من نحن - انضم إلينا - المصادر - الإصدارات - التقارير - الأرشيف