التراشق بالألفاظ

حرب الكلمات في فرنسا

فرانسواز مولي

19/11/2005

رغم أننا شاهدنا صورا لا حصر لها للسيارات المحترقة في الضواحي الفقيرة والمتداعية في فرنسا، إلا أننا لم نسمع كثيرا عن حرب الكلمات التي صاحبت تلك الصور.  إلا أننا إذا ما أصغينا الى تلك الكلمات، سوف نبدأ في إدراك أن الجيل الثاني والثالث من الشباب العرب الفرنسيين والأفارقة الفرنسيين الذين أحرقوا تلك السيارات هم أكثر فرنسية بكثير من فرنسيتهم التي يكابرون فيها.  كفرنسيين حقيقيين، هم يفهمون أهمية الحوار.  لشقائهم ربما، يبدو أنهم يعربون الفوارق الدقيقة في معاني كل كلمة؛ ثم يعودون بمرارة للقتال مرة أخرى – خصوصا حول أنهم يمتلكون القول الفصل، le dernier mot

في مواجهتهم بالتراشق الكلامي الطويل ثلاثة رجال دولة ( ) يقفون ضدهم، كل منهم يستخدم استراتيجية بلاغية مختلفة جدا.  الرئيس، جاك شيراك، ربما يكون قد اعترف مبكرا بأن "غياب الحوار قد يؤدي الى مواجهات خطيرة"، ولكن بعدئذ الرئيس شيراك لا ينبس ببنت شفة، ولا يشجع خدامه على الكلام.  الصمت العلوي لحكومة شيراك الذي تواجه به ليلة بعد أخرى من المشاهد التلفزيونية المثيرة قوبل باستهانة قصوى من "3-9" – السكان الفقراء من القسم الباريسي لحي سين سان دني حيث بدأت الحكاية كلها.  لقد وصلتهم الرسالة بوضوح: إنهم حتى لا يستحقون أن يتحدث إليهم أحد.

لم يتحمل شيراك أن يقول شيئا: بعد زعامته للحزب الديجولي اليميني الفرنسي طوال الثلاثين عاما الماضية وبعد توليه منصب الرئاسة لمدة العشرة أعوام الماضية، أخيرا يهبط من عليائه خطوة من أجل انتخابات 2007 الرئاسية.  وقد تسبب ذلك في نزاع ساخن مع خليفتيه المفترضين، وزير الداخلية نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء دومينيك دوفيلبان.  رغم أن كل اللاعبين الثلاثة هم من اليمين، ساركوزي فقط هو النيوليبرالي اقتصاديا الذي يدافع عن "الانفتاح، والليونة، وترك المواطنين يختارون اختياراتهم الخاصة".  ساركوزي، المهاجر من الجيل الثاني، بأم يهودية يونانية، وأب مجري، يعلن اعجابه صراحة بالنيولبرالية الأمريكية، وببيل كلينتون، وتوني بلير ورودلف جيولياني.  إنه يتصرف معارضا بشكل منتظم التصريحات العلوية لشيراك الأبوي بتعليقات مثل "أنا أصنع ما هو صالح".  كما وضعها احد الأولاد من الجيتو الفرنسي، "إنه يتصرف ويتكلم مثل زعيم عصابة".

مبكرا هذا العام، بينما تتصاعد شعبية ساركوزي، تنبأ العديد بأنه سوف يحل محل شيراك في 2007.  (في اللحظة التي كان يبدو فيها اليسار الفرنسي، وليس لديه مرشح، يفضل أن يبقى في المعارضة).  كان هذا قبل أن يأتي شيراك بدوفيلبان في الصورة عن طريق تعيينه رئيسا للوزراء.  فبجانب أنه وسيم، مهذب، ولد في المغرب المستعمرة الفرنسية السابقة، هذا السياسي المكتمل، رجل مر على كل مدارس اليمين ولعب بكل أحكامه.  خلال سبتمبر، كانت الاستطلاعات تشير الى أنه، رغم صفاقة ساركوزي "أنا أتحدث عنها كما لو كانت تلك" طريقته السياسية فقد كان ساركوزي لا يزال جذابا لمؤيدي الطبقة العاملة مثل اليميني المتطرف جان ماري لوبان وجبهته الوطنية، فقد تأرجح البندول الانتخابي بشكل مباغت الى ناحية دوفيلبان.

في الخامس والعشرين من أكتوبر، كانت استجابة ساركوزي على حظوظه المتداعية عن طريق إطلاق افتتاحية مسرحية كانت سوف تساعد على إشعال شرارة أخطر قلاقل مدنية شهدتها فرنسا منذ مايو 1968، أو ربما منذ حرب الجزائر الاستعمارية من أجل الاستقلال التي تأججت نحو حرب أهلية في فرنسا منذ ما يقرب من نصف قرن مضى.  فقد اتخذ بطانة من الصحفيين الذين صنعوا تحقيقا مصورا له على الطريقة الأمريكية "لرصيف" عليه أحد الشباب المهمشين في واحد من أفقر الضواحي في فرنسا.  هناك على الرصيف، امتدح ساركوزي نجاح سياساته المتشددة لمحاربة الجريمة.  ساركوزي، واقفا خارج أحد البنايات العالية المتداعية كريهة المنظر المبنية من الأسمنت التي هي شكل نمطي لمثل هذه الأحياء (cités)، محاطا بكاميرات التلفزيون، صاح في إمرأة تهلل له من نافذة منزلها: "سوف أخلص من هؤلاء "الحثالة" من أجلك"!

الأثر الكامل لهذه الإهانة لم تلتقطه وسائل الإعلام الأمريكية، حيث الكلمة الفرنسية الـ  ، كان يتم ترجمتها بشكل منتظم على أنها "الحثالة"، أو بشكل بديل، "الغوغاء" أو "العصابة".  في ذلك الوقت، أحد البلوجر الفرنسيين اليمينيين استخدم اقتباسا عن البير كامو الفيلسوف الوجودي لتبرير استخدام وزير الداخلية لهذه الكلمة بالضبط: "لو وضع المرء كل هؤلاء الحثالة في السجن.. لاستطاع الناس الشرفاء أن يتنفسوا (Si l'on mettait toute cette racaille en prison,...les honnêtes gens pourraient respirer)".  إلا أن الحثالة فشلوا في التقاط المعنى الحقيقي ما بين السطور للحثالة بالنسبة للأذن الفرنسية.  أغلقت الحكومة الفرنسية موقعا يمينيا متطرفا في الانترنت ووضع أصحابه في السجن لوقت وتم تغريمهم لأنه يحض على الكراهية العرقية، كان هذا الموقع يقول ببساطة: انقذونا من الحثالة (SOS-racaille).

في 27 أكتوبر، بعد يومين من إرسال ساركوزي للحثالة تعيث في ضواحي باريس كصاروخ منطلق في أرض الأعداء، مراهقان، 13 و15 عاما ظنا خطأ أن البوليس يتتبعهما، لقيا مصرعهما صعقا بالكهرباء عندما التجأ كلا منهما الى محطة لتوليد الكهرباء.  ساركوزي، بوصفه وزيرا للداخلية ولذلك الرجل المسئول عن استعادة النظام، رفض أن يأسف لوفاة المراهقين أو يقدم كلمة عطف لعائلة الضحايا.  (في ذلك، صب ساركوزي نفسه في قالب عمدة نيويورك رودولف جيولياني، الذي تجاهل بشكل مماثل أم أمادو دياللو بعد أن أردى ابنها احد رجال الشرطة قتيلا بالرصاص).  لقد وقعت على شباب محليين – من خلال الانترنت ومن تليفوناتهم المحمولة بالإضافة الى التي شيرتات والعلامات التي حملوها – يصيحون بالكلمات البسيطة العالمية: "ارقدوا في سلام -  Reposez en Paix ".  ارقدوا في سلام من الصعب أن يكون شعارا اسلاميا أصوليا، ولكنك لن تعرف ذلك من رد فعل ساركوزي.  ساركوزي رمى مباشرة نارا كلامية مشتعلة على ما كان حينئذ مجرد جمرا مشتعلا في "الضواحي المحيطة" بالعاصمة الفرنسية.

من بداية الاشتعال، أطفال الآباء الجزائريين والأفارقة عقدوا لقاءات في الصحافة الفرنسية (تخيليا كلهم من أعمار صبيان العصابات، من 12 الى 22 سنة) تحدثوا فيها عن اللعبة الجارية وقتئذ بينهم وبين ساركوزي.  كما شرحوا، كانوا يقومون برد فعل على استفزازاته.  في 30 اكتوبر، بعد ثلاث ليال من اشعال الشباب الهائج للسيارات، أعلن ساركوزي سياسة جديدة: قدرة التحمل صفر (Tolerance Zero).  (اي شخص قد ذهب الى مدرسة فرنسية يعرف أثر حصوله على "صفر" في درجاته الدراسية، شهادة بسقوط لا أمل فيه).  بعدها بعدة ساعات قليلة، ألقت شرطة ساركوزي بالغاز المسيل للدموع في المساجد أثناء الصلاة؛ تلك الليلة، اشتعلت مزيد من السيارات وانتشر العنف الى الأحياء المجاورة.  في اليوم التالي، عرض ساركو في الأخير أن يلتقي مع عائلات الضحايا.  رفضت العائلتان عرضه وطرحوا لقاء دو فيلبان بدلا من ذلك.

كان ساركوزي قد اقترح علانية في وقت مبكر أنه سوف ينظف تلك الضواحي بماكينة تنظيف ماركة " Kärcher " وهي ماركة معروفة لماكينات التنظيف الصناعية التي تستخدم ضغط عالي.  (الكلمات الألمانية في فم وزير الداخلية الفرنسي لديها صدى خاص في الأذن الفرنسية).  في مظاهرة محلية تنادي بالسلام حدثت بعدها بعدة أيام قلائل، رب أسرة من أصل فرنسي عربي أظهر أنه قد التقط جوهر معنى كلمات ساركوزي: "إنه يريد أن يكنسنا كلنا بالماكينة؟  تلك الماكينة المعتاد تنظيف وسخ الكلاب بها، أليس كذلك؟"

بعد 11 يوم من العنف المتصاعد، حدد دو فيلبان نهائيا رد فعل الحكومة: مصحوبا بكلمات جوفاء عن الوحدة والفرص المتساوية أمام الجميع، اقترح استعادة بعض من البرامج المحلية الاجتماعية التي لعب ساركوزي دورا محوريا في تخفيضها.  إلا أن، دوفيلبان التجأ الى قانون 1955 الغامض حتى الآن، كحجر زاوية في برنامجه، يسمح لحكومات الأقاليم المحلية أن تعلن حالة الطوارئ.  استعرض دوفلبان، بعد أن قدم تنازلا (في رد على قضايا ملاحظات ساركوزي) بأن "كل الكلمات مهمة"، استعرض هنا قبضته الرمزية الخاصة: القانون الذي سوف يستخدم هنا لتقليم أظافر مطالب أطفال الجيل الثاني والثالث من المهاجرين الشمال أفريقيين والأفارقة باعتبارهم فرنسيين كان قد صدر في السنوات الأولى من الحرب الاستعمارية الفرنسية في الجزائر.  ومن نافل القول، هذا التصرف جاء لفائدة ساركوزي بوصفه الرجل-القوي-الذي-سوف-ينقذنا-من-الحثالة.  بعدها بيومين، ذهب ساركوزي الى مجلس النواب وأعلن أنه سوف يقوم بترحيل كل الأجانب المتورطين في أعمال الشغب. (مرة أخرى، الأغلبية الساحقة من المراهقين الهائجين ليسوا "أجانب"، ولكنهم مواطنين فرنسيين، بغض النظر من أين أتى آبائهم أو أجدادهم).

قبلها بأسبوع، وفد من الشرطة، الجنود ذوي الأحذية الذين يرسلون يوميا لمكافحة شغب المراهقين، دعوا وزير الداخلية لإيقاف ما شبهه البعض بحرب الصبيان في الشوارع.  "هذا سهل جدا بالنسبة له: يقف ناصحا للأولاد كالقس ثم يمضي الى منامه"، هذا ما قاله فرانسيس ماسانيه، سكرتير نقابة البوليس في باريس.  هذا الممثل للشرطة، محتجا على دعوة اليمين بإرسال الجيش الى المدن الفرنسية التي تدور فيها المعارك، حاول أن يعيد للذاكرة كلمات كان ساركوزي قد تفوهها في الأيام الأولى التي كان ما زال فيها يحاول تقديم نفسه كبطل لكل المظلومين: "إنها ليست الحرب.  السكان ليسوا أعداء.  إذا كنتم تعيشون هنا، فذلك لأنكم فقراء؛ إذا كنتم قد رميتم زجاجات المولوتوف، فذلك بسبب حداثة سنكم".  ربما كانت تلك حادثة تظهر فيها الشرطة واضحة دقيقة في اختياراتها اللفظية، إذا ما كان يجب تخويلها أن تكون صاحبة الكلمة الأخيرة (le dernier mot).

فرنسواز مولي، محررة فنية في صحيفة النيويوركر، وهي مؤسس مشارك للكتب والجرافيك الرسومات الكوميدية الطليعية الرائدة التلقائية. 

كفاية - من نحن - انضم إلينا - المصادر - الإصدارات - التقارير - الأرشيف