الاشتراكيون يرقصون على الحبال في فرنسا

دوف ايرلاند

19 نوفمبر 2005.

وماذا عن حزب المعارضة الرئيسي في فرنسا في عشية أحداث الشغب؟  ليست صورة جميلة.

بدأ أمس المؤتمر الطارئ للحزب الاشتراكي الفرنسي مداولاته.  ما هو السبب الذي أدى لانعقاد مثل هذا المؤتمر الخاص للحزب؟  دعي للمؤتمر في أعقاب استفتاء 29 مايو على الدستور الأوروبي المقترح – الاستفتاء الذي كان كارثة لقيادة الحزب تحت رئاسة بلا لون ولا تحظى بجماهيرية وذات خط وسط جديد لفرنسوا هولاند.  الوصي على الحزب (أو الريس) كأول سكرتير منتخب له، هولاند، قد فرض عليه أن يصوت "بنعم" للدستور الأوروبي كسياسة حزبية، حتى برغم أن تقريبا نصف عضوية الحزب كانت تعارض ذلك.  كان الاستفتاء توبيخا قاسيا لهولاند "والأفيال" الأخرى (كما يشار إليهم) من الحرس القديم للحزب المعروفين جيدا – 70% من الهيئة الانتخابية العريضة لليسار (بما فيهم 75% من العمال) صوتوا بلا في الاستفتاء على الدستور الأوروبي الذي اعتبر البناء المسلح لهيمنة الكوربوريشن على أوروبا.

تحالف هولاند مع المحافظين في حملة الاستفتاء كان يرمز إليها بوضع صورته على غلاف الصحيفة الأسبوعية باري ماتش ذات التوزيع الواسع كظل لوزير الداخلية المحافظ المتشدد، والديماجوجي نيكولاس ساركوزي (المرشح الأول بين مرشحي اليمين لانتخابات الرئاسة في 2007) وذلك للضغط من أجل التصويت بنعم.  ولكن الاستنكار الضخم من الهيئة الانتخابية لليسار للموقف الاشتراكي الرسمي أظهر أن هولاند كان أصما ولم يعير أذنا للقاعدة الانتخابية لليسار، واستفز شقا داخليا في الحزب كالسكين بين مؤيدي "نعم" ومؤيدي "لا" الأكثر يسارية – وهو دلالة أولية على نزاع أكثر مرارة في السباق نحو اختيار الاشتراكيين لمرشحهم في الانتخابات الرئاسية 2007.  لقد كانت محاولة من هولاند لتمييع تلك الحرب الداخلية أن يدعو الى مؤتمر غير عادي للحزب هذا الأسبوع، والذي سوف تطرح فيه زعامته للحزب للاقتراع.

ولكن في الواقع، حصيلة المؤتمر كانت قد تقررت فعلا في 9 نوفمبر، عندما أقيم استفتاء على برنامج الحزب المستقبلي وتوجهه بين تمرد الشباب.  في هذا الاقتراع، الذي شارك فيه 172 الف عضو من الذين يدفعون الاشتراكات وصوتوا في مراكز الاقتراع بأقسام الحزب المحلية، كان هناك اختيارا بين ثلاث برامج أساسية (أو "تحركات" بمصطلحات الحزب): الاول يقف وراءه هولاند، وهو خطابة حزبية مسلوقة وغير نوعية؛ وتحركات من الجناح اليساري وبطله لوران فابيوس (رئيس وزراء اشتراكي سابق في أوائل الثمانينات في رئاسة فرنسوا ميتران وهو شيخ عجوز، وبطل اقتصاديات السوق الصديقة للكوربوريشن – احد المتسابقين في سباق الترشيح لانتخابات الرئاسة عن حزبه خلال عامين – أعطى لنفسه مؤخرا وجها سياسيا متعاليا، متزعما لحملة "اللا" ضد الدستور الأوروبي الصديق للكوربوريشن، وفي تحالف ضد الطبيعة، يرفع قضايا مشتركة مع الجناح اليساري للحزب)؛ وحركة الفصيل الإصلاحي للحزب الاشتراكي الجديد بزعامة النائب الاشتراكي (عضو البرلمان) أرنود مونتبور وعضو البرلمان الأوروبي فنسنت بييون، وابتكارهما الجديد هو شن حملة جهادية من أجل دستور فرنسي جديد يقلل من الصلاحيات الرئاسية ويعطيها لرئيس الوزراء – إنهما يعقدان تحالفا مع رئيس الحزب السابق هنري ايمانويلي، القائد الرئيسي ليسار الحزب.

في استفتاء الحزب ذاك منذ عشرة أيام، هولاند وحلفاؤه من الحرس القديم – كلهم من جيل ميتران (مثل وزير الثقافة السابق جاك لانج؛ وزيرة العمل السابقة مارين أوبري، وهي عمدة ليل الآن – ووزير الاقتصاد السابق دومينيك ستراوس-كان، ولديهم كلهم طموحات رئاسية) – حصدوا انتصارا ملموسا كافيا، بفارق 10% من النقاط عن كل من مقترحي المعارضة بالتحرك مجتمعين.  حصل مقترح تحرك فصيل مونبورج-بايون-ايمانويلي على 24.5%، مما يجعلها أكبر كتلة معارضة لزعامة هولاند؛ بينما حصل مقترح التحرك الذي تقدم به لوران فابيوس وحلفاؤه من الجناح اليساري، بقيادة سيناتور جين-لوك ميلانشون، على ما يزيد عن 21% -- ليس بأكثر كثيرا مما حصده فابيوس وأنصاره في مؤتمر الحزب الماضي قبل أن يكتسب "فافا" (وهو اسم السخرية لفابيوس) وجها يساريا، يبدو أنه قليل المصدافية بين المكافحين في الحزب.  رغم اتهامات فصيلي المعارضة بحشو الصناديق وتضخيم قوائم العضوية في الاقطاعيات التي تسيطر عليها زعامة هولاند المهيمنة (اتهامات، طبقا لروايات الصحف، تبدو أن لها بعض الوزن)، انتصار هامش العشر نقاط لهولاند في الاستفتاء الداخلي كان أكثر من كافيا لتأكيد أنه سوف يعاد انتخابه كزعيم للحزب في الأيام القادمة بواسطة مؤتمر الحزب.  عدم تجاوب حقا – فضلا عن مثل هذا التغيير، فضلا عن أنه نفس الشيء.

ولكن المؤتمر الحزبي الاشتراكي عليه أن يبتلع استطلاعين للرأي العام سوف يصدرا هذا الأسبوع مدمران لصورة الحزب وفرصه الانتخابية.  استطلاع أجرته صحيفة لاكسبرس الاسبوعية ونشرته منذ يومين أظهر أن 23% فقط من الناخبين الفرنسيين يعتقدون كثيرا بأن شريحتهم الاقتصادية الاجتماعية الشخصية سوف تتحسن إذا ما استعاد الاشتراكيين السلطة، بينما 58% من الناخبين الفرنسيين (و45% من الهيئة الانتخابية لليسار) يحكمون على الحزب المفلس عمليا بأنه "غير كفء" (تستطيع أن تقرأه عنينا) على المسرح السياسي.

في نفس الوقت، استطلاع لصالح اللوموند منشور منذ أربعة أيام أظهر أن 60% من كل الناخبين الفرنسيين لا يعتقدون أن الاشتراكيين بإمكانهم الانتصار في الانتخابات القادمة (ترتفع هذه النسبة بين الناخبين الأصغر سنا – 63% لمن هم دون الثلاثين، و66% لما بين 30 – 49 سنة).  أكثر من ذلك، 59% يقولون أن الاشتراكيين يؤدون دورهم كحزب معارضة "بشكل سيء".  57% يقولون أن الحزب لا يعير الاهتمامات الحقيقية للهيئة الانتخابية أذنا – وفي أزمة الجيتوهات، 52% يقولون أن الاشتراكيين قد تصرفوا "بنفس طريقة" اليمين. لاحظت اللوموند في تلخيصها لنتائج الاستطلاع أن "انقطاع الاتصال بين الحزب الاشتراكي وقاعدته هو انقطاع واضح، حتى رغم أن اليمين يعاني من صعوبات.  ستيفاني روزيه مديرة الاستطلاع تقول’المدهش، هو الفجوة التي بين بلد ترغب بأغلبية واسعة في سياق حكومي مختلف، وبين الاشتراكيين بوصفهم أداة لتحقيق هذا التغيير".

اليسار، بعد كل ذلك، كان في السلطة لمدة 14 سنة من الأربعة وعشرين عاما الماضية – بينما في الأثناء تتقرح الجيتوهات.  فدراسة رسمية نشرت مؤخرا في العام الماضي أظهرت أن 70% من أطفال الطبقة العاملة يظلون عمالا مثل ابائهم.  ما زالت فرنسا بشكل رهيب مجتمعا مجمد طبقيا، ذات حراك اجتماعي على السلم الاقتصادي مقيد.  لم يمتلك الاشتراكيون بطريقة حيوية برنامجا اقتصاديا يساريا منذ أن فرض ميتران السيئ، ورئيس وزراءه حينئذ فابيوس، القسوة وتخفيض الضرائب والخصخصة وأخذوا الحزب ناحية اليمين في القضايا الاقتصادية عام 1982.  نقص بديل حقيقي للبرنامج الاقتصادي لليمين هو لحدود بعيدة حقبة ميتران – متوازيا مع تاريخ طويل من الفساد الحزبي وسقوط تحت وطأة الكوربوريشن من أجل تمويل الحملات في فضائح كانت عناوين بارزة في الصحف لعقود، واساءة استخدام امبراطوري للسلطة.  فقط منذ أسبوعان، أصدرت محكمة فرنسية إدانة لتسجيل صوتي غير شرعي لقصر الإليزيه (القصر الرئاسي) أثناء حقبة ميتران – المستهدفين كانوا صحفيين وكتاب وسياسيين، وشخصيات بزنس مشهورة وحتى بعض من معاوني ميتران الشخصيين – وفي لغة مؤنبة لاذعة اعتبرت المحكمة ميتران نفسه مسئول شخصيا عن المبادرة والموافقة على شرائط التسجيل، والذي كان يقرأها بشهية عظيمة.  بكل تلك الأمتعة المقززة لحقبة ميتران في صحيفة سوابق الاشتراكيين، هل هناك اي عجب في أن يسخر الناخبون من الحزب؟

افتقاد سياسة اقتصادية مختلفة بشكل ملموس عن سياسة اليمين كانت سببا كبيرا في الهزيمة القومية الهائلة للاشتراكيين في 2002، عندما هزم مرشحهم الرئاسي (الذي كان وقتها رئيس الوزراء ليونيل جوسبان، الذي يقوم الآن بالتحريض والإثارة كرجل يريد أن يرشح نفسه مرة أخرى) في الجولة الأولى من زعيم الفاشيين الجدد جين ماري لوبن.  ولكن على ما يبدو لم تتعلم قيادة الاشتراكيين سوى القليل من هزيمتها الساحقة في 2002، أو هزيمتها في قضية الدستور الأوروبي أوائل هذه السنة، التي تم رفض موقفها من قبل ثلاثة أرباع الهيئة الانتخابية لليسار.

الآن يأتي واحد من أكبر مخاوف قيادة الاشتراكيين وهو شبح مرشح مستقل للرئاسة بواسطة خوسيه بوفيه، الزعيم الشعبي الحصيف زعيم كونفدرالية الفلاحين الذي أصبح شخصية عامة كبيرة في الحركة الدولية المناهضة للعولمة، ونجم في وسائل الإعلام الفرنسية يظهر مرارا على شاشة التلفزيون.  يمهد بوفيه الأرض لجولة كمرشح "ليسار اليسار".  بوفيه المحبوب جدا من وسائل الإعلام يجد دعما ذا وزن من حزب الخضر، وقد يحصل على دعم من أكبر التشكيلات التروتسكية (LCR)، ويستطيع أن يقود قوات متحمسة من حركات مناهضي العولمة وأنصار البيئة، بالإضافة الى اجتذاب قطاعات الناخبين الشباب.  ترشيح بوفيه قد يعيد كارثة 2002، عندما هجر الناخبون اليساريون المستائين صفوف اليسار من أجل قيادتين تروتسكيتين – خصوصا رجل البريد الشاب الجذاب ذو البريق الإعلامي اوليفيه بيسانسينو، مرشح الـ LCR حينئذ.  الفلاح مدخن البايب بوفيه قد أمضى فترة حبس توا بسبب قيادته لاحتجاج ضد نقص التغذية في الغذاء السريع مما أدى لتدمير لمحل من محلات ماكدونالد – وقد أدين في الأسبوع الماضي مرة أخرى لأربعة شهور سجن بسبب قيادته لأنشطة بيئية (مع أثنين من أعضاء البرلمان) بتدمير حقل من الذرة المعدلة وراثيا.  تلك الاحتكاكات المتعمدة مع القانون قد جعلته حتى أكثر شعبية كشهيد يضحي بذاته، وواحد يستطيع جذب الناخبين الذين ضاقوا من السياسة المعتادة.

هناك ليس أقل من ثمانية مرشحين رئيسيين يتبارون من أجل الترشح عن الحزب الاشتراكي في انتخابات الرئاسة 2007 – فيهم واحد فقط زعيما للحزب هولاند ولكن زوجته العرفية وأم أولاده، سيجولين رويال، المدافعة عن "قيم العائلة" وتحسب على الوسط الجديد في الحزب وترأس الحكومة المحلية في بواتي-شارينت، والتي حلت محل جاك لانج كأكثر السياسيين اليساريين شعبية وسط الناخبين عموما في استطلاعات الرأي العام في الأسابيع العديدة الماضية منذ أن أعلنت استعدادها لخوض الانتخابات الرئاسية.  خبراء الاستطلاعات يقولون أن الجمهور يؤمن أن الاشتراكيين مشغولون أكثر "بالمشاحنات الشخصية" أكثر من اهتمامهم "بالجدل حول المبادئ".  في كواليس المؤتمر الحزبي، تدور لعبة "بوكر الكذابين" (باستخدام مصطلح عدد اليوم من صحيفة الليبراسيون)، حيث يحاول زعماء الحزب ان يتغاضوا عن خلافاتهم على الورق ويخرجون "بتركيبة" تحفظ ماء الوجه للفصائل المتباعدة بصورة تسمح للحزب أن يقدم ما يشبه جبهة موحدة.  ولكن من الاستطلاعات يبدو واضحا أن الناخبين لن يتم استغفالهم.

ويظل أكثر الشخصيات السياسية جماهيرية في البلاد هو الديماجوجي اليميني وزير الداخلية، نيكولاس ساركوزي، (مثل العروسة التي تشبه بينوشيه في الاستعراض التلفزيوني الشهير " " – نص العرض يظهره كما لو كان يقول، "كثير من الحرية الزيادة عن الحد تقتل الحرية")  شعبية "ساركو" قفزت 15 نقطة خلال 18 يوما قبل أن يخمد أخيرا التمرد العنيف لشباب الجيتوهات... على الأقل، خمد مؤقتا.  (ساركوزي، القول بالقول يذكر، دعا الأسبوع الماضي ناشر كتاب "افصح عن كل شيء" الذي كتبته زوجته المغتربة عن "الفضيحة التي سببت انفصالهما" ووقعت داخل غرفة مكتبه بالوزارة، وهدد باللجوء الى المحاكم، وأجبر الناشر على سحب الكتاب من الأسواق – رغم أن 25 الف نسخة قد تم طباعتها فعلا، وتم تخزينها في أحد المخازن بضواحي باريس مجهزا للتوزيع، وإيقاف توزيع الكتاب سوف يكلف الناشر كثيرا.   كان هذا ما أدى بالفنان التلفزيوني الساخر لوران ريكييه ليلقي بنكاته، في وقت الذروة، بأنه "لو يستطيع الشباب في الضواحي أن يشعلوا النار في ذلك مخزن الكتب هذا، فلسوف يعطيهم ساركوزي بقشيشا!"  تصدر خبر منع ساركوزي للكتاب عنوانين الأخبار.

في نفس الأثناء، كان هناك شغبا محدودا الليلة الماضية في جامعة مدينة جرينوبل أصيب فيه ثلاثون شخصا (نصفهم من البوليس) بسبب الزجاجات التي ألقاها الطلاب.  إنها لقضية؟  المهرجان السنوي للاحتفال بوصول "Beaujolais Nouveau" (وهي خمر رديئة بلا طعم مميز لم تتماشى معي أبدا).  لم تفرض حالة الطوارئ بسبب ذلك التمرد، ولم يرسل الى المكان بوليس مكافحة الشغب – والسبب (كما يمكن رؤية ذلك بوضوح على شاشات التلفزيون والتقارير الاخبارية المعروضة عليها) أن الطلاب من الطبقات المتوسطة الذين كانوا يصارعون رجال الشرطة، كانوا ببساطة كلهم من البيض.

كفاية - من نحن - انضم إلينا - المصادر - الإصدارات - التقارير - الأرشيف