كأن
قدرنا نحن في سوريا العربية أن نعيش معارك مصطنعة لا طائل من ورائها و
لا معنى لها . ....
نبدأ
من إشكالية الحداثة و الأصالة ، التي تم اختراعها وخيضت تحت راياتها
حرب داحس و الغبراء على مدى نصف قرن ، و ما زال البعض يثير معاركها
واضعاً التراث في صدام مع العالم المعاصر ، أو بالعكس واضعاً العالم
المعاصر في صدام مع التراث ، مقترحين علينا التخلي عن أحد طرفي
المعادلة كي ننهض ، فأنصار التراث يقترحون علينا التخلي عن كل ما أنجزه
الفكر البشري منذ أن توقفت حضارتنا عن الإبداع كشرط أكيد لنهوضنا و
تجاوز تخلفنا ، و أنصار التحديث المزعوم يقترحون بدورهم أن ننسلخ عن
تراثنا و حضارتنا و نتبنى المنجز الحضاري للغير كشرط لنهضتنا !!
في
حين أن تجارب كل الشعوب التي نهضت تبين أنها أنجزت نهضتها مستندة إلى
تاريخها و تراثها و عاداتها و تقاليدها و بيئتها الطبيعية و الجغرافية
مع التلاقح مع العالم المعاصر و الاستفادة من منجزه التقني و الحضاري
....
و
كانت ، أيضاً ، ثلاثية القومية ، الإسلامية ، الأممية الزائفة أيضا ، و
التي أضاعت جهدنا ووقتنا و أدخلتنا في صراعات لا معنى لها و لا طائل من
ورائها . فبعض الإسلاميين وضع الانتماء الديني متعارضاً مع الانتماء
القومي و الإنساني ، فعلى حد زعمهم لا انتماء لنا إلا إلى الأمة
الإسلامية ، و لا هوية لنا إلا الهوية الإسلامية و تشدد غلاتهم فوسموا
بالكفر كل من يقول بهوية غير إسلامية ، و رد القوميون بتصغير الانتماء
عبر التشديد على هوية قومية جامعة مانعة لا تقبل بأي تداخل مع الجوار
الإسلامي بل هي في تنافر معه ، فلا تصير هوية قومية إلا إذا تنافرت مع
الهوية الإسلامية . و دخل الأمميون ساحة الصراع بهوية إنسانية جامعة
مانعة لا تقبل أية تمايزات . فخيضت الصراعات و دمرت مقدرات أبناء الأمة
على خلفية هذا الصراع الثلاثي . في حين أن المشكلة زائفة أصلاً . فمن
البديهي أن لأي كائن بشري عدة هويات لا تعارض بينها في الوضع الطبيعي .
خذ ، مثلاً ،إنساناً فرنسياً كاثوليكياً يسكن في باريس ، فهو باريسي –
كاثوليكي – فرنسي – أوربي .
تخيل
لو أنك طلبت من فرنسي يحمل الهويات السابقة أن يختار بين فرنسيته و
كاثوليكيته . أو بين أن يكون فرنسياً أو أوربياً !! و بالتأكيد هو لن
يتعامل مع الخيارات المطروحة عليه بجدية ....
أما
في وطننا العربي فإن طرح هذه المسائل يكتسب طابعاً جدياً ، فعليك أن
تختار هوية واحدة فقط ، و أن تلغي هوياتك الأخرى . فيراد لك إما أن
تكون عربياً أو مسلماً مع أنك ببساطة شديدة يمكن أن تكون عربياً و
مسلماً في الوقت نفسه . عليك أن تختار أن تكون إما حمصياً أو سورياً
(طرح هذا الاختيار على حمصي ففضل أن يكون خبيراً روسياً )
و
اليوم يعود بعض النخبة السورية إلى إنتاج طبعة جديدة من هذا الصراع
الزائف بين الهويات فحسب زعمهم عليك أن تكون إما سورياً أو عربياً مع
أني أستطيع أن أكون سوريا و عربياً في الوقت عينه و أن أنتمي أيضاً إلى
حماة أو حمص أو حلب أو دمشق .
يصر
هذا الجزء من النخبة السورية على التعامل مع الهويات التي ينتمي إليها
الإنسان على أنها انتماءات تسير بخطوط متوازية لا التقاء بينها ، فإذا
كنت سورياً لا يمكن أن تكون عربياً و بالعكس ، و إذا كنت عربياً لا
يمكن أن تكون مسلماً أو مسيحياً . في حين أن التمثيل الصحيح هو الذي
يقترح أن لكل إنسان عدد لا نهائي من الهويات تبدأ من الأصغر و تتوسع
نحو هوية أكبر ، و ليس هناك ضرورة أبداً أن يحدث صدام بينها و هذا
يقترح تمثيل الانتماء بدوائر داخل بعضها بعضاً فقد تكون دمشقياً فهذه
دائرة ، و سورياً وهذه دائرة أخرى ، و عربياً و هذه دائرة ثالثة ، و
مسلماً رابعة وصولاً إلى الانتماء الإنساني العام الذي يجمعك مع كل
أبناء البشرية .
إن
استخدام الهويات الضيقة للصدام مع الهويات الأوسع فعل مضر و غير بريء و
لا فائدة ترجى منه سوى تلويث الهوية الصغيرة و تحويلها إلى غيتو محاصر
يتعفن تدريجياً و تمتلأ نفوس أبنائه بالحقد و الأنانية و القيح و هو
أمر سيسهم في تدمير الهوية الضيقة ذاتها في نهاية المطاف . وفي حال
حدوث تعارض مصالح بين الهويات الضيقة و الواسعة ، فإن الهويات الواسعة
هي المحقة ، و إذا كنا عقلانين يجب أن نفكر دائماً بمصلحة الجموع
الكبيرة فحتى لو خسرت هوياتنا الضيقة بعض مكتسباتها آنياً ، فإن
انتمائها إلى هوية أكبر سيعوضها خسارتها عاجلاً أو آجلاً . فالتنازل
الذي تقدمه الهوية الضيقة في هذه الحالة عبارة عن استثمار مستقبلي
.....