منذ أن اختطف مراسل
الجارديان روري كارول بفترة وجيزة في بغداد، وتذكرت الصحيفة مراسليها
في أثناء مراجعتها للحالة، هناك جدل حيوي في الصحافة الإنجليزية عن
طبيعة وحدود تقارير الصحافة الغربية في العراق. كاول نفسه، منذ إطلاق
سراحه، قد أصر أن العراق يظل قصة يمكن تغطيتها بأكثر مما يدرك معظم
الناس؛ حتى صحافة "المنطقة الخضراء" لها جانب ايجابي؛ وأن "صحافة
الفندق" ليست هي جوهر ما يدور إذا كنت احد صحفيي المطبوعات الصحفية:
"عندما سئل عما يقال من
أن الصحفيين البريطانيين في العراق يكتبون تقاريرهم فقط من غرف
فنادقهم، قال كارول: ’لقد حدث لي انزعاج تام عندما تأكد مثل هذا
الشعور. بالنسبة لطواقم التلفزيون عملها على الأغلب هو صحافة الفنادق،
لأنهم يشكلون الجسم الأكبر من الصحفيين والأكثر ظهورا من صحفيي
المطبوعات – عليهم أن يرحلوا في قوافل كبيرة، وقوانين تأميناتهم
ولوائحهم الإدارية هي ضخمة لدرجة أن هناك ثمنا كبيرا لمغادرتهم
الفندق. أما بالنسبة لأولاد المطبوعات، وهو ما ينطبق على كل الصحف
البريطانية الأخرى، فنحن نخرج من الفندق إلى الخارج كثيرا جدا كل يوم.
يعتمد أماننا بالكامل على التخفي، وهو السبب وراء محاولتنا الذوبان في
خليط".
بيتر بومونت زميله في
صحيفة الأوبزرفر، يعتقد أيضا أن كتابة التقارير من العراق، بينما هي
مهمة خطرة بشكل لا يحتمل، فإنها تظل "مهمة ممكنة تماما".
"أنت تتعلم تدابير كثيرة
للتعامل مع ذلك، لتكيف سلوكك مع أنواع المخاطر الكثيرة التي تصادفها.
الكثير من الرجال يطيلون لحاهم، والمراسلات يرتدين العباءة. للتنقل
عبر بغداد، أنت تتحرك "بتواضع" في سيارات رثة ولكن سليمة وقوية. أنا
أخلع نظارتي حيث مظهري بها يبدو ’أوروبيا‘ جدا وألبس قمصان مخططة لأبدو
من حي ’المنصور‘ – منطقة الطبقة الوسطى المتميزة في بغداد".
على الناحية الأخرى،
المراسل الصحفي المخضرم روبرت فيسك، رجل لا تنقصه شجاعة المراسلين
الصحفيين، أعلن مؤخرا أنه مع التسليم بالمخاطر الداهمة الداخلة الآن في
نسيج الوضع في العراق، هو الآن ليس متأكدا من أنه يستطيع كتابة تقارير
من العراق أم لا. ويشير فسك إلى ما يفعله الآن في زياراته للعراق
"كصحافة الفئران":
"لو كنت ذاهبا للقاء شخص
ما في مكان مخصص، فأنا أعطي نفسي 12 دقيقة، لأن تلك هي الفترة التي
يستغرقها اتصال رجل بهاتف جوال لاستدعاء قناص بسيارته إلى المكان.
لذا، بعد 10 دقائق تجدني خارجا من اللقاء. لا تكن طماعا. التقارير
الصحفية تصنع على هذا المنوال في العراق... واحد من المسرات التي تتمتع
بها سلطات الاحتلال في العراق هي أن الصحفيين لا يستطيعون التنقل
بحرية. عندما أسافر خارج بغداد برا فذلك يأخذ مني اسبوعين للتخطيط،
لأن الطرق مزروعة بالمتمردين، ونقاط التفتيش، والملثمين، وقاطعي
الرقاب. هذه هي الصورة التي عليها الوضع".
في يوم آخر بالضبط، سمعت
مراسل حر أمريكي على منصة لقاء بجامعة كاليفورنيا تاليا لفيسك عن سلامة
فكرة "قانون الـ 12 دقيقة". وبالمثل، المراسلة الحربية السابقة، ذات
الشجاعة غير العادية، ماجي أوكين ألقت قنبلة على صفحات الجارديان فيما
يخص تغطية العراق. وقد ادعت أنها "فقدت أعصابها" في أفغانستان عام
2002 بعد أن جذب رجال طالبان ثلاثة من زملائها خارج السيارة التي كانوا
يستقلونها، و"في غضون نفس الوقت الذي يأخذه السخان الكهربائي ليغلي
القهوة السريعة"، أعدم رجال الطالبان الصحفيين الثلاثة، ثم علقت على
الوضع الحالي في العراق اليوم:
"يتجمع هؤلاء الناس في
فنادق كالحظائر حيث تتصادم الذوات المتضخمة بالجدران وببعضهم البعض.
بعد أسبوع أو اثنين، يصبح الجو خانقا... ومنذ أن بدأت جماعة الزرقاوي
في تقطيع الرقاب أصبح من الخطر للأجانب أن يخرجوا خارج تلك الحظائر.
وهكذا، بدلا من ذلك، تابعه العراقي المسكين هو الذي يخرج لبعض مناطق
الجحيم ليعد الجثث ويأتي بالصور... وتلك هي المأساة العظمى في صحافة
الحرب الآن. لم نعد نعرف ما يجري ولكننا نتظاهر أننا نعرف. واي مراسل
مؤدب يعرف أن التقرير الخارجة من بغداد الآن هي تزييف للحقيقة".
حدث تحول متزايد في شكل
مرافقي الصحفيين والمترجمين الى شكل صحفيين – الشجعان منهم – بينما
خدمات إخبارية مثل نايت رايدر (التي كانت تغطيتها لأحداث العراق مدهشة)
ورويترز فقد استأجروا صحفيين عراقيين. بعض من هؤلاء المراسلين
الصحفيين وجدوا أنفسهم في المعتقلات الأمريكية بتهمة تغطيتهم للمتمردين
العراقيين – كما في حالة واحد منهم، ياسر صالحي، الذي من الواضح أنه
قتل بواسطة قناص أمريكي بينما كان في طريقه لتموين سيارته في يوم عطلته
في المنطقة التي يقل فيها مستوى المعارك مثل كل مناطق العراق. بعض
منهم، مثل المصور والمراسل غيث عبد الأحد، أعطيت له فرصة الكتابة في
الصحف الكبرى باسمهم الشخصي، وقد قاموا بأعمال غاية في الجرأة وفوق
العادة.
مع استثناءات نادرة –
بما فيها انطوني شديد الممتاز في الواشنطن بوست (الآن هو موجود في
سوريا)، والذي يعكس كتابه الدرامي عن الوقت الذي أمضاه في العراق
"الليل يقترب"، يعكس مستواه الفائق في كتابة التقارير الصحفية – يعرقل
المراسلين الأمريكيين بشكل يكاد يكون كامل عدم معرفتهم الحديث بالعربية
وهو يشكل عائق يعادل المخاطر التي يواجهونها في العراق. وتظل حقيقة
مدهشة أن الاحتلال الأمريكي الذي بدأ تقريبا دون مترجمين يتحدثون
العربية بشكل واسع – أصبح من السهل جدا أن تحصل بشكل جماعي على أناس
يتكلمون اللغة فعلا – كانت تتم تغطيته منذ ذلك الحين في صحافتنا بشكل
أساسي بواسطة مراسلين لا يتحدثون بشكل مباشر مع الناس الذين يقومون
بتغطية أخبارهم (إلا إذا، بالطبع، كان هؤلاء الناس يتحدثون الانجليزية
مصادفة).
ولا يزال، هناك سؤال
صغير يمكن أن يظل مرفوعا في العراق (ومن المحتمل في أماكن أخرى) وهو
طبيعة المراسل الحربي التي تمر ببحر من التغييرات. العراق هي حرب
يختفي فيها المراسلين إما بالاعتقال أو بالموت ليس بسبب تغطيتهم أحداث
على درجة عالية من الخطورة ويصدف أن يقعوا وسط تبادل لإطلاق النار،
ولكن لأنهم غالبا ما يكونوا أهدافا أولية مستهدفة في حد ذاتها – من
رجال حرب العصابات والإرهابيين، من عصابات الجريمة بهدف الربح من
عمليات الاختطاف، أو من العسكريين الأمريكيين. نتيجة لذلك، الحرب
(والعراق) التي نراها في صحفنا، وخصوصا على شاشات تلفزيوناتنا، هي بشكل
واضح صورة مبتسرة، ليست غالبا بأوسع من المنطقة الأقرب للقاعدة
الأمريكية العملاقة أو الأقرب للمنطقة الخضراء في بغداد شديدة التحصين.
ربما يستطيع المراسل، بلحية أو بدون، متسللا بطريقة التخفي على قدر
استطاعته، أو مصطحبا لقوافل عسكرية شديدة التسليح، منزرعا مع الجيش
الأمريكي أو القوات العراقية حتى، يستطيع أن يأخذ لقطات من حول بغداد،
أو، في حالات نادرة، في أماكن أخرى من البلد (كجزء من العمليات
العسكرية)، ولكن حتى بالنسبة لأشجع الصحفيين الغربيين، لا بد أن تلك هي
حالة مقيدة بشكل مقيت.