ليلة السبت كانت الليلة
العاشرة من شغب الشباب المنتشر الذي أشعل اللهيب في معظم أنحاء فرنسا –
وكانت الليلة الأسوأ منذ أن نشب الشغب في جيتوهات الضواحي الباريسية
للسكان محدودي الدخل، حين احترقت
1295
سيارة – من السيارات الخاصة إلى الحافلات العامة – احترقت الليلة
الماضية، وهو ارتفاع ضخم من
897
سيارة حصيلة الليلة الفائتة. ولأول مرة، الشغب الذي نشب في ضواحي
باريس اجتاح وسط العاصمة – حوالي
40
سيارة احترقت في لا مارييه (جيتو معظم الشواذ المشهورين في باريس،
بالقرب من القصر الجمهوري، ذو الطراز البرجوازي للقرن السابع عشر، وعلى
مرمى حجر من الجيتو المتداعي جوت دا أور من طراز القرن الثامن عشر.
بوصفي واحدا ممن عاش في
فرنسا لمدة تقترب من عقد من الزمان، وبوصفي واحدا ممن زاروا تلك
الجيتوهات في الضواحي، حيث بدأ العنف، وقمت بكتابة تقارير صحفية عنها
عديد من المرات لا حصر لها، لم أدهش بهذا التسونامي من تمرد الشباب
الذي يبتلع فرنسا. إنه نتيجة ثلاثين عام من إهمال الحكومة: فشل
الطبقات السياسية الفرنسية – يمينا ويسارا – في بذل أي مجهود جدي
للتكامل مع سكانها المسلمين والأفارقة وإدماجهم في الاقتصاد والثقافة
الفرنسية الأوسع؛ والعنصرية العميقة الممتدة والمدمرة للروح التي
يواجهها الشباب العاطل والمستبعد بعمق يوميا في العيشة، ومن البوليس
وعند محاولة العثور على وظيفة أو سكن مناسب.
حتى نفهم أصول تلك
الأزمة العميقة في فرنسا، من المهم أن نرجع خطوات للوراء وأن نتذكر أن
الجيتوهات التي اشتعل فيها السخط المتقيح قد نشأت كنتيجة لسياسة صناعية
بواسطة الدولة الفرنسية.
لو سكان فرنسا من أصول
المهاجرين – معظمهم عرب، وبعضهم سود – هم اليوم يشكلون نسبة كبيرة
تماما (أكثر من 10%
من عدد السكان الكلي)، فذلك يعود إلى أنه قد كانت هناك حكومة وسياسة
صناعية اثناء فترة ازدهار ما بعد الحرب العالمية الثانية لإعادة
الإعمار والتوسع الاقتصادي التي يسميها الفرنسيون السنوات الثلاثين
المجيدة ( ) لتجنيد عمال من المستعمرات الأجنبية الفرنسية كعمال مصانع
وعمال خدمات وضيعة لملء وظائف لا يمكن أن يعمل بها الفرنسيون. هؤلاء
العمال المهاجرون كانت تحتاجهم فرنسا بشدة حتى يمكن للاقتصاد الفرنسي
أن يتوسع بسبب النقص في قوة العمل من الرجال التي سببتها حربان
عالميتان، قتلت كثير من الفرنسيين، وخفضت من معدلات المواليد الفرنسية
أيضا. أكثر من ذلك، هؤلاء العمال المهاجرون كانوا يعتبرون عمال سلبيين
من غير المرجح أن يدخلوا في اضرابات (على غير منوال الطبقة العاملة
الفرنسية عالية التسييس ومنوال اتحاداتها النقابية التي يقودها عادة
الشيوعيون). هذا الطوفان من العمال العرب الذي تعهدته الحكومة
الفرنسية والصناعة في فرنسا بالرعاية (العديد منهم سمح لهم باستقدام
عائلاتهم من شمال أفريقيا إلى فرنسا) تم تدعيمه في أعقاب حرب الاستقلال
الجزائرية بالحركيس (Harkis).
الحركيس (قصتهم روتها
بشكل مؤثر دليلة خرتشوتشي في كتابها مصير الحركيس) كانوا هم الجزائريين
الأصليين الذين حاربوا وعملوا لصالح فرنسا أثناء الكفاح ضد الاستعمار
ما بعد الحرب العالمية الثانية من أجل الاستقلال – والذين عوملوا لأجل
شقائهم بفظاعة في فرنسا. بعض من
100
الف من الحركيس قتلوا بواسطة جبهة التحرير الجزائرية بعد أن تخلت عنهم
فرنسا بلا خجل وسلمتهم لمصيرهم القاتل عندما أخلى جيش الاحتلال الفرنسي
مواقعه مصطحبا المستوطنين الفرنسيين من الجزائر. أكثر من ذلك، عائلات
الحركيس تلك التي أنقذت، غالبا بمبادرات فردية من القادة العسكريين
الذين رفضوا إطاعة الأوامر بألا يخلوا معهم تلك العائلات، فور قدومها
إلى الأرض الفرنسية تم شحنها في معسكرات قذرة مزدحمة لا توصف لمدة
سنوات عديدة طويلة لم تستفد وقتها من أي دعم حكومي – وهي مكافأة جميلة
على تضحياتهم من أجل فرنسا، التي كانوا رغم ذلك مواطنيها بحكم
القانون. أطفالهم وأحفادهم الذين ولدوا وعاشوا في الجيتو، بشكل طبيعي،
يحملون نفس أنواع السخط.
العمال المهاجرون
الآخرون في فرنسا كانوا يشحنون في جيتوهات حقيرة فقيرة في مستودعات
بشرية شاهقة الارتفاع كانت تسمى بالفرنسية سيتيهات (بالأمريكية يمكنك
نطقها بالمشروع) – شيدت خصيصا لهم، وكانت مواقعها عن قصد بعيدة عن
العين في ضواحي حول أغلب التجمعات الحضرية الكبرى، وذلك حتى لا يلوث
سكانها ذوي البشرة السمراء وسط المدن الكبرى الأبيض مثل باريس وليون
وتولوز وليل ونيس والمراكز الحضرية الكبرى الأخرى المحاطة اليوم بدوائر
النار. توفرت بالكاد وسائل النقل العامة بشكل يكفي لأخذ هؤلاء العمال
الجهلة العرب والسود إلى وظائفهم مباشرة في المصانع شبه الحضرية في
الضواحي – الضواحي شبه الحضرية التي تحيط بباريس وأخواتها الصغار –
ولكنها لا تربط تلك الجيتوهات بالمراكز الحضرية سوى بالقليل.
وتمر الآن 30 أو 40 أو
50 سنة، تلك المستودعات البشرية الشاهقة الارتفاع في الضواحي المعزولة
هي اليوم أماكن مهدمة، متداعية، فاسدة، بمصاعد معطلة تبقى دون إصلاح،
ونظام تدفئة لا يعمل في الشتاء، والقاذورات وأوساخ الكلاب في المداخل،
والنوافذ محطمة، وقليل من أصناف الترفيه التجارية – التسوق من أجل
الاحتياجات الضرورية الأساسية هي غالبا محدودة أو صعب الحصول عليها،
بينما منافذ الترفيه والترويح المخصصة للشباب مبتورة وغير كافية
بالكامل عندما لا تنقص. كلا من الشقق والمدارس مزدحمة (تنظيم النسل هو
من المحرمات في الثقافة الإسلامية التي جلبها المهاجرون معهم ونقلوها
لأطفالهم، وحتى لأحفادهم الذكور في يومنا هذا – الذين يتبنون ثقافة
الهيب-هوب وخلقوا موسيقى الراب بفرنسيتهم الخاصة ذات الحيوية الغير
عادية (والتي تجسد غالبا مضمون اجتماعي وسياسي لاسع) – لا لا للواقي
الذكري بسبب العنجهية الرجولية العربية، مما ساهم في ارتفاع معدلات مرض
الإيدز في الجيتوهات.
الأسبوع الأول من ديسمبر
علامة على الذكرى الثانية والعشرين لمسيرة البوير (البوير هم العرب في
العامية الفرنسية). كنت حاضرا موكب وصول مسيرة الـ 100 الف إلى باريس
– وهي مسيرة العرب الفرنسيين المقابلة لمسيرة الدكتور مارتن لوثر كنج
في مارس 1963 إلى واشنطن من أجل الوظائف والعدالة للسود. مسيرة البوير
(Marche des Beurs)
نظمت من الجيتو المرعب الشاهق المباني في الضواحي حول ليون،
Les Minguettes،
بمساعدة الأب كريستيان ديلورم، العامل الراهب الكاثوليكي ذو الشعبية
الطاغية، وكان موضوعها المحوري هو المطالبة بأن يعترف بهم كفرنسيين
"مثل الآخرين" (comme
les autres) –
مطلب، في إجماله، من أجل التكامل الوافي. ولكن بالنسبة لجماهير العرب
الفرنسيين، ما تغير منذ 1983 كان قليلا – حركة التكامل "لشباب البوير"
التي خلقت حول تلك المسيرة نضبت في يأس واحباط. في السنوات الأخيرة،
أخذ مكانها الأصوليون المسلمون الذين عملوا من خلال المساجد المحلية –
الرمز الإعلامي لهذا التراجع إلى سياسات انفصالية، طائفية دينية هو
الغوغائي البهلوان طارق رمضان، بروفسور الفلسفة الذي يستخدم محاورة
ديموقراطية بشكل مصطنع عندما يتحدث بالفرنسية في التلفزيون الفرنسي،
ومحاورة أصولية متشددة نارية في شرائط الكاسيت العربية في خطبه التي
تبيع مثل الشطائر الساخنة وسط شباب العرب الفرنسيين في الجيتوهات.
(لغة رمضان المزدوجة تم توثيقها بشكل دقيق بواسطة الصحفية التي تتحدث
العربية كارولين فوريه في كتابها الذي نشر في الخريف الماضي من دار
جراسيه، "الأخ طارق: محاورة، ومنهج، واستراتيجية طارق رمضان"، صدرت
مقتطفات من الكتاب في صحيفة الاكسبرس الأسبوعية). ولكن التمرد الحالي
ليس له علاقة إلا القليل بالأصولية الإسلامية.
في 1990، فرنسوا ميتران
– الرئيس الاشتراكي وقتها – وصف شكل حياة شباب تلك الجيتوهات الذين لا
يجدون وظائف والمكدسين في مستودعات السيتيهات "
cités
":
أي أمل لدى شاب مولود في
حي دون روح، يعيش في مبنى شاهق قبيح بما لا يوصف، محاط بمزيد من القبح،
مسجون داخل جدران رمادية في خرائب رمادية ومدان بالعيش في حياة رمادية،
مع مجتمع محيط به يفضل أن يرمي بصره بعيدا عنه حتى يأتي الوقت الذي يجن
فيه جنونه، زمن الحظر".
حسنا، نظرة ميتران
وكلماته المؤثرة تبقى مجرد – كلمات – بسبب أن سياسته الحضرية كان
ينقصها التمويل، سياسة فاشلة بحاجة إلى توضيح داوت السرطان ببعض
الإسعافات الأولية – وبعد 15 سنة من تشخيص ميتران، اليأس والاغتراب عند
شباب الجيتوهات تلك وحياتهم "الرمادية" قد أصبحوا فقط أكثر عمقا وأكثر
مرارة.
رد الفعل على العشرة
أيام الأخيرة من تمرد الشباب العنيفة بواسطة الحكومة المحافظة لم تكن
كافية وكانت صماء. في الأيام الأربعة الأولى من التمرد، شيراك ورئيس
وزراءه، دومينيك دو فيلبان قررا أن يتركا وزير الداخلية المصاب بجنون
العظمة والطموح الجائح، نيكولاس ساركوزي، يتصدى لقيادة رد فعل الحكومة
على عنف الشباب وإحراق المباني عن عمد. يحتقر شيراك ودوفيلبان كلاهما
يكره ساركوزي، الذي كان يشن حملة علانية من أجل أن يحل محل شيراك كرئيس
في 2007 (جعل فيلبان رئيسا للوزراء بأمل أنه قد يستطيع سد الطريق على
ترشيح اليمين لساركوزي كرئيس)، فقد اعتقد الرئيس ورئيس وزراءه أن
"ساركو"، كما يشار إليه عادة في فرنسا – الذي كسب شعبية واسعة كمتشدد
وغوغائي القانون والنظام في قضية الأمن الداخلي – لن يكون قادرا على
إيقاف العنف، وهكذا يدمران حملته الانتخابية.
ولكن ساركوزي صب كيروسين
الكلام على اللهب المشتعل فقط، ناعتا شباب الجيتوهات بأبشع الأوصاف
العنصرية والمهينة ونادي بسياسة قمعية. صنع "ساركو" من تصريحاته
مانشيتات الصحف بأنه سوف "
karcherise
" جيتوهات "
la racaille
" – وهي كلمات ترجمتها الصحف الأمريكية خطأ بشكل
فاضح على أنه سوف "يطهر" جيتوهات "حثالة المجتمع". ولكن لهاتين
الكلمتين معان أكثر ضراوة وإهانة بالفرنسية. "
Karcher
" هي ماركة مشهورة لنظام لتنظيف أوساخ الأسطح
بواسطة الضغط فائق الشدة بتيار من الرمال أو من المياة يقشر بكل قسوة
القشرة الخارجية التي تكونها الأوساخ – مثل براز الحمام – حتى مع
المخاطرة بتدمير ما هو أسفل تلك القشرة. أن تستخدم تلك الأوصاف مع
تكوينات من الشباب وتقدمها كاستراتيجية هي حرفيا إهانة فاشية بكل
المعايير، وهي كسياسة يقترحها وزير للداخلية، هي إمكانية أن ينادي شخص
"بالتطهير العرقي" دون أن يقول ذلك صراحة. إنه يستدعي سلطة البوليس
الصرف ويستخدم القوة بشكل عدواني، مع اقل اعتبار لحقوق الإنسان. إني
اتعجب كم من المراسلين الصحفيين الأنجلو أمريكان الذين فهموا المغزى
الشرير بفظاعة للكلمة الفرنسية؟ ترجمة كلمة " " بمعنى "تنظيف" تفتقد
تماما العنف الملتهب لفحوى كلام ساركو فعلا. و"
racaille
" كلمة أكثر تحقيرا بلا حدود من "أوساخ" بالنسبة للناطقين بالفرنسية –
تلك الكلمة لديها نكهة توصيف جماعة كاملة من الناس بصفة دون الإنسان،
وأنهم يتوارثون الشر والجريمة، وبلا قيمة، وهي، بكلمات أخرى، واحدة من
أخطر الإهانات التي يستطيع أحد أن يهاجم بها شباب الجيتوهات المتمردين.
وبينما تمتد الثورة أوسع
من ضواحي باريس إلى أقصى الجنوب حتى مارسيليا ونيس وإلى أقصى الشمال
حتى ليل، دوى صوت ساركوزي كالرعد بأن التمرد وراءه "تنظيم" مركزي.
ولكن على الهاتف هذا الصباح من باريس، أخبرتني عميدة صحافة التحقيقات
الفرنسية – كلود انجيلي، محررة لو كانار انشانيه – "ذلك ليس حقيقيا –
التمرد هذا لم ينظم بواسطة الأصولويين الإسلاميين، كما يفترض ساركوزي
حتى يسبب رعب الناس. أكيد، الأولاد في الأحياء يستخدمون هواتفهم
النقالة والرسائل النصية القصيرة لتحذير رفاقهم من أين يأتيهم رجال
الشرطة حتى يتحركون بعيدا ويلتقطون أهدافا أخرى يشعلون بها النار.
ولكن التمرد ينتشر بسبب أن الشباب لديهم إحساسا بالتضامن يأتي من
مشاهدتهم للتلفزيون – إنهم يقلدون ما يرونه، وهم يشعرون بأن شتائم
ساركوزي الملتهبة تمسهم. التمرد ينتشر تلقائيا – مدفوعة بشكل خاص
بمسلك البوليس العنصري الذي هو النصيب اليومي لهؤلاء الشباب. مستوى
عنصرية البوليس غير معقولة – يتعرض الشباب لإلقاء القبض عليهم أو
للمراقبة وتفتيش أوراقهم بسبب أن لون بشرتهم سمراء، والبوليس يتصرف
حرفيا بوحشية ويطلق عليهم اسم "
bougnoules
" [وهي شتيمة عنصرية تشبه شيئا ما الشتيمة
الأمريكية "
towel-heads
"، فقط أسوأ] ويطلب البوليس منهم، ’اخفض عينيك!
أخفض عينيك!" كما لو أنه ليس لديهم الحق في النظر إلى وجه الشرطي. إنه
لأمر مذل للكرامة الإنسانية تماما. لا عجب أن هؤلاء الأولاد يشعرون
بهذا الانفصال عن السلطة".
تقرير فريق من التحقيقات
الصحفية في الصحيفة الفرنسية اليومية، ليبراسيون (التي كنت أعمل بها
ذات مرة كاتب عمود)، أجرى لقاءا مع شباب في أحد الجيتوهات، وسألهم أن
يشرحوا أسباب غضبهم. وجاء تقرير الصحيفة، "الكل، أو تقريبا الكل، يصرح
’ساركو‘... طالب عمره 22 سنة يقول، ’ساركوزي مدين لنا باعتذار عما
قاله. عندما رأيت ما حدث، عدت إلى نفس الصورة: ساركوزي عندما ذهب إلى
أرجينتويي، رافعا رأسه وأربد ساخطا، يا سيدتي، سوف نطهر كل ذلك تماما.
النتيجة؟ ساركو صعد بكل فرد إلى قمة الغضب، فقد أظهر عدم احترامه
الكامل نحو كل شخص" في الجيتو. ولد عمره 13 عاما أخبر مراسلي
الليبراسيون: "إنه نحن الذين سوف نضع ساركوزي في آلة الكارشيه... هل
سوف أخرج الليلة لأشارك في الشغب؟ يبتسم ويقول، ’هذه أخبار مبوبة".
شاب آخر عمره 28 عاما: "من يشعل النيران؟ إنهم أولاد عمرهم بين 14
و22، نحن لا نعرف حقيقة من هم لأنهم يضعون اللثام على وجوههم، ولا
يتكلمون، ولا يفضحون أنفسهم في اليوم التالي.. ولكن بدلا من تدمير كل
شيء حولهم حيث يعيشون، سوف يكون من الأفضل لو أنهم قدموا نموذجا، أو
ذهبوا ودمروا الناس والمتاجر في باريس. لدينا وزير، ساركو، يقول ’انتم
كلكم سواء‘. أنا، أقول لا، نحن كلنا نقول لا – ولكننا في المقابل ما
زلنا نجد ’أنتم كلكم سواء‘. هذا الرد من الحكومة خلق شيئا ما مشتركا
بيننا كلنا، نوع من التضامن. هؤلاء الأولاد يريدون أن يحصلوا على
الانتباه لهم، أن يجعلوا الناس يعرفون أنهم موجودون. لذا هم يشبهون
أنفسهم، ’لو مضينا في طريق الشغب والحماقة وخلقنا الفوضى، فلن ينسوننا
أبدا، سوف يعرفون أننا في حي مجاور ونحتاج إلى المساعدة".
امس، عندما أراد ساركوزي
– الذي هو وزير الأديان في فرنسا كما هو وزير الداخلية – ان يظهر ظهورا
علنيا في مؤتمر الأساقفة الكاثوليك في باريس، رفض الأسافقة أن يتركوه
يتحدث – وبدلا من ذلك، أصدر الأساقفة تصريحا مدويا ينددون "بهؤلاء
الذين يدعون للقمع ويحقنون الخوف" بدلا من الاستجابة الى القضايا
الاقتصادية والاجتماعية والعنصرية التي نتج عنها الشغب. كان هذا بشكل
غير عادي زجرا عنيفا موجه بشكل مستقيم لساركوزي.
نشرت اللوموند تقريرا
بعنوان "استقطاعات الميزانية تثير سخط عمد الضواحي"، صدر اليوم عن كيف
أن شيراك والمحافظين قد ضاعفوا 30 عاما من الإهمال للجيتوهات باستقطاع
كبير وحتى أكثر عمقا في البرامج الاجتماعية: 20% تخفيضا سنويا من الدعم
المالي لجماعات الأحياء التي تعمل مع الشباب منذ 2003، واستقطاعات في
برامج تدريب الشباب على ممارسة وظائف ومن مدفوعات الضرائب على توظيف
شباب الجيتوهات، وتخفيضات في التعليم وبرامج تعليم الأولاد القراءة
والكتابة، وتخفيضات في بوليس الأحياء الذي يصدف أن يتعامل مع الأولاد
في الأحياء (عندما ذهب ساركوزي الى تولوز، قال ساركوزي لشرطة الأحياء:
"وظيفتكم ليس لعب كرة القدم مع هؤلاء الأولاد، وظيفتكم هي القبض
عليهم!"). مع التناقص المستمر في عدد الشرطة بالأحياء في تلك
الجيتوهات للقيام بأعمال تمنع عنف الشباب واغترابهم، البديل كان هو
الانتظار حتى وقوع انفجارات أكبر ثم بعد ذلك إرسال رجال الحرس الجمهوري
للأمن (Compagnies
Republicaines de Securite)،
وفرق الـ SWAT
، شبه العسكرية
المتشددة). استقطاعات الميزانية المخصصة للبرامج الاجتماعية إضافة الى
مزيد من القمع هي روشته لمزيد من العنف.
كان هذا هو السبب في أن
افتتاحية لو موند اليوم حذرت بأن استمرار هذه السياسة العمياء تخلق
مخاطر كبيرة باستثارة تكرار لما حدث عام 2002، عندما فاز الفاشي الجديد
جان ماري لوبن في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية ودخل جولة
الإعادة.
وأغلبية في البلد،
المسممة بدرجة أكبر حتى بالفاشية بعد العنف الذي ساد طوال الأيام
العشرة الأخيرة، يبدو أنه يرحب بقبول مزيد ومزيد من القمع: استطلاع
للرأي نشر في الليلة الماضية على القناة الثانية من التلفزيون الفرنسي
الحكومي أظهر أن 57% من الفرنسيين يؤيدون نيكولاس ساركوزي وسياسته
المتشددة في التعامل مع الشغب الذي يقوم به الشباب في الجيتوهات، والذي
ينتشر الآن عبر فرنسا كلها. غوغائية ساركو يبدو أن تنجح – على الأقل
مع هيئة الناخبين – ولكنها لن توقف العنف، سياسة ساركوزي سوف تزيد منه
فقط.
دوف ايرلاند، صحفي راديكالي مخضرم وناقد للميديا، يدير بلوج اسمه:
DIRELAND