"
أحداث العنف " هو
التعبير الذي يخفي بذكاء جوهر أي تمرد اجتماعي أو وطني أو سياسي ،
وبعبارة أخرى فإنه التعبير الذي يستبعد من كل حادثة طرفي الصراع ،
وقضيته ، بحيث تبدو أحداث العنف تلك كالأمطار التي تنهمر بلا تاريخ ولا
مغزى .
هكذا توصف أحداث فرنسا
التي شمل غضب الفقراء فيها كل أنحاء العاصمة وثلاثمائة بلدة أخرى لمدة
أسبوعين حتى الآن ، وشاركت فيها أكثر من عشرين جالية . وقد بدأ الأمر
بمقتل شابين يوم 27 أكتوبر في ضاحية " كليشي سوبوا " على يد الشرطة
الفرنسية ، أو بسبب مطاردة الشرطة لهما . أحدهما من أصل تونسي ، والآخر
من مالي ، وينتميان لجيل ثالث من المهاجرين . وأججت تلك الحادثة
الصغيرة غضب وثورة الآلاف في الضواحي البائسة التي حرم سكانها من
الخدمات وفرص العمل والتأمينات الاجتماعية والتعليم ، وانتشرت بينهم
المخدرات والجرائم والبطالة ، علاوة على شعورهم المتصل بالتمييز
العنصري .
ولهذا صرح " جون لوي
بورلو " وزير التضامن الاجتماعي بأن على فرنسا أن تعترف بأنها : "
أخفقت منذ عقود في التعامل مع الغضب المتزايد في الضواحي الفقيرة " .
وتقول باربرا شولتز الصحفية الفرنسية إن : " البطالة الدائمة هي التي
خلقت بين
المهاجرين : " التطرف الديني والعنف وتشكيل العصابات والتشرد والإدمان
على المخدرات ".
ويشكل المهاجرون الذين
فجروا الأحداث ثمانية بالمئة من تعداد السكان في فرنسا ، لكنهم لا
يتمتعون لا بالمواطنة ، ولا بالحق في التصويت ، كما يعانون من أعلى
معدلات للبطالة . ولا يمكن لفرنسا أن تدعي أن أولئك المهاجرين عبء
عليها ، لأن فرنسا تعيش في واقع الأمر بفضل قيام أولئك المهاجرين بكل
الأعمال القذرة مقابل أجور بخسة .
وتأتي هذه الهبة لتعري
حقيقة الأوضاع الاقتصادية في فرنسا – ثالث أكبر اقتصاديات أوروبا - حيث
يعاني من البطالة نحو ثلاثة مليون شخص ، وحيث سحبت الدولة كل الموارد
المخصصة لبرامج التأمينات الاجتماعية ، إلي أن زادت معدلات الفقر
والتضخم ، وأصبح العجز المالي يعادل نحو 4 % من الناتج المحلي الإجمالي
متجاوزا السقف الذي يفرضه الاتحاد الأوروبي للعجز ، وتراجعت الصادرات ،
دون نمو حقيقي في الإنتاج . ومن الطبيعي في ظل هذه الظروف أن تشير
الإحصائيات الفرنسية إلي وجود 751 منطقة فقيرة يسكنها خمسة ملايين شخص
في فرنسا .
والمسألة إذن ليست "
أحداث عنف " ، لكنها أقرب إلي انتفاضة ، يهدد وزير الداخلية الفرنسية
خلالها بفرض حالة
الطوارئ ، والاستعانة بقوات من الجيش ، وهي انتفاضة سقط فيها الضحايا
والقتلى من الجانبين ، ولم تعرف فرنسا مثيلا لها منذ نصف قرن ، كما أن
آثارها وعواقبها مستقبلا مازالت غير محسوبة .
إلا أن ما تطرحه هذه
الانتفاضة،
أو حسب التعبير
المفضل " أحداث العنف " هو العلاقة بين الديمقراطية الغربية ، والقضية
الاجتماعية . فقد عرفت فرنسا البرلمان عام 1789 ، أي منذ أكثر من مائتي
عام ، وكان في البداية يسمى " مجلس الطبقات " ثم " الجمعية الوطنية " ،
ولا يستطيع أحد أن يدعي أن فرنسا بجلال قدرها تعاني من أزمة ديمقراطية
، ومع ذلك فإن أحداث العنف تبين أن عزل الديمقراطية عن القضية
الاجتماعية لا ينتهي إلا بذلك الفشل الذريع الذي أوشك أن يحول باريس من
عاصمة للنور إلي عاصمة للنار .
لا البرلمان العريق ،
ولا الأعداد الضخمة من الصحف ، ولا جمعيات حقوق الإنسان والحيوان ، ولا
الأحزاب المتعددة ، ولا حرية التعبير ، استطاعت أن تنفي أن الأزمة هي
أزمة العدالة ، وأن الديمقراطية إذا لم تكن سبيلا ووسيلة إلي العدالة
تصبح مجرد ديكور تتزين به الجماعات السياسية ، ويتزين بها المجتمع لكي
يخفي طرفي الصراع ، وقضيته
.
ذات يوم كتب الأديب
الفرنسي المعروف ألبير كامي يقول : " إذا فشل الإنسان في التوفيق بين
العدالة والحرية فسوف يفشل في كل شيء ". وقد فشلت باريس مدينة النور ،
والثقافة ، والموسيقى ، والديمقراطية ، والبرلمان ، والصحف ، في الجمع
بين العدالة والحرية ، فلم تحصد سوى ذلك التمرد
.
أحمد الخميسي . كاتب
مصري
Ahmad_alkhamisi@yahoo.com