نجح جدعون ليفي في
قصته بعنوان ( رمضان: شهر طويل جداً ) إلى حد بعيد في تحسس أوضاع المخيم
بصورة انتقائية، كما نجح أكثر في الضغط بقوة على بعض مفاصل الوجع
الفلسطيني بأسلوب قوي ومحترف لا يستهان به، لكنه لم يفعل ذلك ليستنهض
هؤلاء اللاجئين ليدافعوا عن حقوقهم والمتسبب الرئيسي في نكبتهم - كما
يتوهم المراهنون على اليسار الصهيوني، بل ليغلف مشاهد المعاناة بعبارات
تقود إلى وهدة اليأس والاستسلام، وهو بذلك لا يختلف مع شارون وموفاز على
الإطلاق، بل إن الآلة العسكرية الإسرائيلية الغاشمة، سوف تحتاج في
النهاية إلى قفازات حريرية تحول منجزاتها وبطولاتها ضد المخيم المنكوب
إلى انكسار نفسي تمهيداً للهزيمة الماحقة، فالمخيم ( مستنفذ في المعارك،
مستنفذ بالفواجع، مستنفذ بالدمار، مستنفذ بإعادة التأهيل، بالاحتلال. لا
يوجد هنا بيت واحد ليس به عويل؛ كل شقة سكنية مجددة تحمل "تذكارا" ) ،،،
( أخان وزوج وبيت دمروه ) ،،، ( تعب رهيب يحيط بالمكان ). فهل يقصد ليفي
توضيح الآثار المأساوية لجرائم الجيش، أم ليرضي الرأي العام في إسرائيل
قائلاً لهم: جيشنا هناك فعل الأفاعيل وانتقم لكم ؟!
الأهم في رأينا - وهو ما لم يلحظه قراء القصة - أن حل المشكلة في رأي
جدعون جاء مطابقاً في حقيقته تماماً للحل الشاروني ( على لسان شريفة ):
دولة ( كانتونات وسجون )، ثم إخراج بعض السجناء الذين لن يعدم شارون
وسيلة لتزوير مشاهد الإفراج عنهم ليخدع العالم، ثم يكتشف الفلسطينيون في
نفس المساء أن معظم المفرج قد شارفت مدتهم على الانتهاء، والعالم لن يعي
حقيقة فظيعة موجزها أن شارون لن يتورع في الإفراج عن كامل السجناء طالما
أنهم سيظلون رهن الاعتقال مع كامل شعبهم !!
ليفي ومعه لفيف من المزمرين والمطبلين لشارون وموفاز، لا يؤمنون بضرورة
تحمل المسؤولية الأخلاقية للهولوكوست الفلسطيني، وبالتالي العودة
المنطقية للعقل والأخلاق والمعايير الإنسانية والقانون الدولي، القاضية
بأن لا حل للصراع في المنطقة إلا بعودة اللاجئين وإنهاء مآساتهم الأكثر
بشاعة من مليون هولوكوست يهودي !
من ناحية ثانية لا يخفي ليفي رغبته الجامحة للبحث في العقيدة الإسلامية
محاولاً بكل مكرٍ ودهاء استغلالها لتبرئة إسرائيل من الجرائم البشعة
متجاهلاً جملة الأوامر والنواهي الدينية والدنيوية القاضية بتحريم قتل
الناس وتجريم الاعتداء على ممتلكاتهم وأراضيهم دون وجه حق، أو للتأفف من
طول شهر رمضان الذي لا يصومه، ورغم ذلك فقد لجأ لمحاكم التفتيش في محاولة
يائسة منه للبحث عن تناقضات فلسطينية. المهمة الأخيرة تليق برجل مخابرات
يمتلك قدرات متطورة، لكنها أبعد ما تكون عن مهمة المثقف الداعي لخير
الإنسانية وصلاح أمرها.
مجمل ما حاول ليفي قوله هو أن إسرائيل ليست مذنبة في ارتكاب المجازر
والقتل والدمار والتشريد، وأن المخيم لا يمثل شاهداً تاريخياً لقضية شعب
تم اقتلاعه من أرضه وتشريده في بقاعها، والقضية لا تتعلق بوطن فلسطيني
وصراع مركزه الأرض والتاريخ والحضارة. إسرائيل حسب عبقرية جدعون ليفي لم
تفعل شيئاً ولم ترتكب إثماً .. لم تهجر الملايين في أصقاع الأرض ولم
تلاحقهم في المنافي .. لم تصادر أراضي الزيتون لبناء الجدار .. وهي لا
تعتقل شعباً بأسره في جريمة سيشهد لها التاريخ. جميع أسباب " العنف " -
حسب العنصري ليفي - لا علاقة لها بنكبة الشعب الفلسطيني ومعاناته، لأن
الحق في النهاية على الأموال الإيرانية والخليجية ومافيا السلاح
الإسرائيلية، وبعض المعتقدات الإسلامية - ليس إلا !!، ولله در القائل: إن
المتأمل خيراً من اليسار الصهيوني كمن يطلب الدبس من مؤخرة النمس !
عبد الله أبو شرخ كاتب وناشط فلسطيني من غزة ومحرر
بموقع:
http://www.gazanet.net/
مقالة جدعون ليفي