تابع جمهور المشاهدين على شاشات التلفزيون سير
"محاكمة" الرئيس العراقي صدّام حسين، وبدت واشنطن للوهلة الأولى في نظر
البعض جادّة بالفعل في محاكمة صدّام، وخاصّة الذين يعانون من عمى
الألوان ولم ينظروا بشكل جدي إلى ماهيّة التّهم الموجّهة إلى الرئيس
العراقي ومدى علاقة الولايات المتحدة فيها، وغاب عن الذّهن العربي
حقيقة تورّط الإدارة الأمريكية بشكل أو بآخر في بعض التّهم الموجهة إلى
صدّام في المحكمة, التي باعتقادي إن استمرّت ستقود في نهاية الأمر إلى
محاكمة أمريكا.
لا يمكن من وجهة نظري اعتبار "محاكمة" صدّام حسين
محاكمةً حقيقيةً بمفهومها الفلسفي, بقدر ما هي هزّة رسن للجميع. لذلك
فإن هذه المسرحيّة لن تستمرّ، لا سيّما أنّ الأنظمة العربيّة وأمريكا
يدركون معنى دعمهم العسكري لصدّام في حربه ضد إيران (1980-1988)، وأن
التّهم الموجهة إلى صدّام من جرائم ومجازر ضد المدنيين الإيرانيين أو
مواطنيه العراقيين والأكراد والمقابر الجماعيّة كانت قد جرت خلال هذه
الفترة وفي ظلّ الدّعم الأمريكي والعربي للعراق في مواجهة المدّ الشيعي
القادم من طهران، ولا ننسى أن المجتمع الدّولي كان قد وفّر السّقف
الواقي لصدّام في حينه وذلك من خلال نجاحه في شطب العراق من قائمة
الدّول الراعية للإرهاب. من هذا المنطلق ليس غريبا أن تنقلب المحكمة في
حالة استمرارها من محاكمة صدّام إلى محاكمة أمريكا والمجتمع الدّولي .
على سبيل المثال, يدرك النظام المصري أنّ تصنيع
أسلحة دمار شامل تهمة موجّهة إلى صدّام, وأن صدّام لديه ما يقوله في
هذا الصّدد، وربّما يستطيع إثبات حقيقة تورّط القاهرة معه في ذلك (إلى
جانب تقرير منظمة مسح العراق التابعة "للسي أي إيه" قبل بضع شهور والذي
يثبت دور القاهرة في مساندة النظام العراقي). وباريس تدرك أنها كانت قد
تورّطت بالفعل إلى جانب القاهرة مع صدّام خاصةً وأن الموساد الإسرائيلي
حين قتل عالم الذّرة المصري (يحيى المشدّ) في منتصف الثمانينات من
القرن المنصرم، كان الأخير يتواجد في فرنسا التي تبنّت المشروع المصري
- العراقي في تصنيع قنبلة نووية. والسعودية على سبيل المثال أيضًا،
تدرك أن مجزرة صدّام ضد الشيعة- حلبجة (1988) واحدةً من أخطر التهم
الموجهة إلى صدّام، وأن صدّام لديه ما يقوله في هذا الجانب, والنظام
القطري وقناة الجزيرة يعيان حجم الكارثة إن بدأ صدّام حسين بالتّغريد،
وكوفي عنان يدرك أن صدّام حسين لديه بطاقة جوكر حول تورّط الأمم
المتحدة في التلاعب بمشروع النّفط مقابل الغذاء، والجامعة العربيّة
تدرك أيضًا أنها لعبت دور العرّاب في الكثير من القضايا سويّةً مع
صدّام.
أن يلتزم صدّام حسين الصّمت هو الخيار الأفضل
والأنسب، لأن فتح أبواب جهنّم في هذا الوقت بالذّات وفضح الحقائق
والأسرار التي في جعبة أبو عدي لا تصبّ في مصلحة أحد. لذلك فإن ما تقوم
به الإدارة الأمريكية من ترويج لمحاكمة "المجرم" صدّام حسين، ليس إلا
من باب التّمويه والتستّر على الحقيقة، وليس إلا خوف إمبراطوريّة
"الفاست فود" على مصداقيّتها كدولة "ديمقراطية تحترم القانون الدّولي".
فإدارة بوش تدرك أن الرومانسيات التي سيرويها صدّام في المراحل
المتقدّمة من "المحاكمة" قد تدينها هي بعظمتها وجبروتها. لذا فهي
تحاول في المراحل الأولى من هذه "المحاكمة" هزّ رسن الأنظمة العربيّة
وتحصيل أكبر عدد من النّقاط من خلال التلويح بالحقائق والأسرار التي قد
يغرّد بها صدّام حسين في قاعة المحكمة. وعندما تقطع مسرحيّة المحاكمة
شوطًا أطول وعندما يلوح العلم الإسرائيلي في أفق جميع العواصم
العربيّة، يموت الرئيس صدّام حسين جراء سكتةٍ قلبيّة, أو مرض عضال، أو
بما يختاره له ربّ الأنظمة العربيّة الجديد.
شاعر وكاتب فلسطيني من
الجليل ـ فلسطين المحتلة 1948