الشيشان

توني وود

نيو لفت رفيو، عدد ديسمبر 2004.

ما حدث كان دائما هو ما يحدث عندما تدخل دولة ذات قوة عسكرية ضخمة في علاقة مع شعوب صغيرة بدائية يعيشون حيواتهم المستقلة.  فهي تتدخل تحت دعوى الدفاع الذاتي، حتى برغم أن أي هجمات ترجع أسبابها دائما إلى اعتداءات الجار القوي، أو تتدخل تلك الدولة تحت دعاوى جر الشعب البربري إلى الحضارة والتحضر، برغم أن هذا الشعب البربري يحيا مقارنة إلى من يقومون بنقل الحضارة إليه حياة أهنأ وأفضل وأكثر سلاما...  خدم الدولة العسكرية الكبرى يرتكبون كل أنواع الجرائم ضد الأمم الصغيرة، مصرين على أن من المستحيل التعامل مع هؤلاء البرابرة بأي طريقة أخرى.
ليو تولستوي، 1902 مسودة رواية حاجي مراد.

في هذا العقد ونصف منذ نهاية الحرب الباردة، أعيد رسم خريطة أوروبا الشرقية بشكل ملموس.  أكثر من دستة بلاد جديدة ظهرت للوجود نتيجة لانهيار وتفتت الاتحاد السوفيتي ونتيجة لحرب الخلافة اليوغوسلافية، هلال من الدول ذات السيادة يمتد من استونيا إلى أذربيجان.  غالبية هذه الدول، بمبادرة من الولايات المتحدة، تم دمجها في المنظمات الدفاعية الأطلنطية الأوروبية، والعديد منها تم ابتلاعها في الاتحاد الأوروبي أوائل هذا العام؛ استونيا، لاتفيا، ليتوانيا هم الآن جزء من المحيط الخارجي للسوق الموحدة، بينما جورجيا وأوكرانيا يتقدمان بطلباتهم لعضوية الناتو.  أعيد تشكيل القارة.

تقدم الشيشان تناقضا مذهلا لهذه الخطوط البيانية الصاعدة بقوة.  هنا، كما في دول البلطيق، حركة استقلال وطني تبزغ منذ البريسترويكا، وإجماع قومي عريض من أجل الانفصال تم التصديق عليه بشكل ديموقراطي في أواخر عام 1991.  مبكرا في نفس ذلك العام مواطنو استونيا، ولاتفيا، وليتوانيا صوتوا بشكل كاسح من أجل الانفصال عن اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية؛ وتم إقرار نتائج تلك الاستفتاءات بشكل سريع بواسطة المجلس الأعلى للسوفيتات وتم قبول الأمم الثلاثة الجديدة، ذات التعداد السكاني 1.6 مليون، و 2.7 مليون، و 3.7 مليون بالترتيب، كأعضاء في الأمم المتحدة في غضون أسابيع.  ولكن الشيشان – ومساحتها 15 الف كيلومتر مربع، أصغر قليلا من مساحة ويلز، وبعدد سكان يتراوح حول المليون – ظلت تعاني منذ 1991، من اعتداءين كاسحين بواسطة خامس قوة عسكرية في العالم، وتدخل الآن العام السادس من الاحتلال الخبيث الذي خطط له من أجل إنزال المجاعة بالسكان والمهانة والخضوع.

وبينما يستطيع الآن سكان دول البلطيق عبور الحدود الأوروبية بحرية، يجب على الشيشان تحمل معاناة نقاط التفتيش الروسية والزاكيستكاي (zachistki) – عمليات ’التطهير‘، التي تصطنع فحص وتدقيق أوراق الهوية – والتي يستتبعها بشكل روتيني عمليات تعذيب، وابتزاز، واختفاء، وإعدامات فورية للمقبوض عليهم، بالإضافة إلى نهب ودمار ومزيد من إفقار هؤلاء الباقين.  الدمار لا يمكن تصوره، والوحشية لا نهاية لها ولا حدود لمداها، بينما الخسائر تبقى دون حصر ولا يعلن عنها.

النقاشات التي تتناول النزاع الروسي الشيشاني نادرا ما ركزت على هذا التباعد المتسع دوما بين مصائر الطرفين، غالبا ما تفضل التعتيم الذي ترعاه الدولة المسمى ’الحرب على الإرهاب‘، أو بشكل آخر وصف الصراع على أنه ناتج لا يمكن تجنبه لتناقض تاريخي طويل المدى.  عصر المقاومة الشيشانية للاستعمار الروسي – من المواجهات الأولي مع المستوطنين القوزاق في القرن السادس عشر إلى التوسع الجنوبي للإمبراطورية القيصرية في القرن التاسع عشر، وما تلي في الحقبة السوفيتية – هذه المقاومة قد لعبت بلا شك دورا في حوصلة حركة الانفصال.  وهناك دافع قوي للبدء في المقاومة يأتي أيضا من تجربة الترحيل والمنفى التي عانت منها شعوب القوقاز الشمالي في 1944.  يمكن اكتشاف الجذور المباشرة للحرب الحالية، في نفس الوقت، في خطة الكرملين الشريرة للإعلاء من شأن بوتن في السلطة، ولعكس أثر الهزائم التي وقعت في أعوام 1994- 1996.

ولكن ما يثبت أقدام المقاومة الشيشانية، في الماضي والحاضر، كان كفاحا دائما من اجل حق تقرير المصير.  مطالب الشيشان هي سيادة كاملة متواضعة بشكل مقارن، تحتفظ بالروابط الاقتصادية والاجتماعية بروسيا – وامتلاك قاعدة دستورية واضحة.  إلا أن الرد على ذلك، كان غير متناسب بشكل متصاعد، بقوة عسكرية روسية تشن هجمات من الوحشية لا نظير لها على هذه الأرض منذ الحرب العالمية الثانية.  في الغرب، وفي المناسبات النادرة التي تحول الاهتمام فيها إلى الشيشان كان هناك تقريبا شبه إجماع على أن الاستقلال الشيشاني لا يجب تشجيعه، من أجل مصلحة الديموقراطية الروسية ورأسماليتها الوليدة.  وما تبع ذلك هو محاولة تصوير الضعف في الواقع، والعار في المبدأ، للخطاب المستخدم من أجل إنكار الحقوق الأصلية للشعب الشيشاني في حكم نفسه.

تمردات الحدود

شعب الشيشان هو واحدة من قطع النسيج اليدوي المحكمة الصنع التي تغطي شمال القوقاز. (1)  ’الشيشان‘ هي في الواقع تسمية روسية، على اسم قرية وقعت فيها المعركة بين المستوطنين القوزاق والسكان المحليين في عام 1732؛ الشيشان – هبطوا أسطوريا، ’مثل الشرار المنطلق من الحديد الصلب‘، أسلاف البطل تيربالو نوخشيو – يشيرون إلى أنفسهم باسم ’النوخشيون‘، وهم ينتمون بشكل قريب للأنجوش المجاورين، الذين يشتركون معهم في عدة عادات.  الشعبان، التي تعبر لغتهم بشكل متبادل عن مستوى عالي من الذكاء، معروفين بشكل مشترك باسم الفاناخ.  لقد ظهروا في المنطقة لمدة ستة آلاف سنة، وتعتمد معيشتهم بشكل سائد على الرعي، وزراعة من أجل سد الرمق والغابات المحيطة.  مثل سكان الجبال في الأماكن الأخرى، يفتقد المجتمع الشيشاني للهياكل الإقطاعية، يتألف بدلا من ذلك من مجموعات العائلات التي تعيش في مساواة شكلية – "أحرار ومتساوون مثل الذئاب"، كما يقول المثل الشيشاني.  هذا الشكل الديموقراطي في الجوهر من التنظيم الاجتماعي يميز الشيشان عن باقي الشعوب القوقازية الأخرى، مثل الكابارديين والافاريين، وكان يحملهم بتبعات بعيدة المدى: أولا لأن ذلك كان يعني ألا يكون هناك نخبة وطنية بالطبيعة بينهم، يستطيع القيصر أن يتشارك معها في الحكم؛ وثانيا لأن الشيشان كانوا بمعنى من المعاني مجهزين بشكل طبيعي تنظيميا ليخوضوا حروب العصابات.

تقاليد مقاومة الحكم الأجنبي في أرض الشيشان هي أمر مدهش بالغ العمق والتماسك.  هذه التقاليد هي الأقوى هنا منها في أي مكان آخر بسبب تركيبة مجموعة من العوامل: علاقات اجتماعية سابقة، وأنماط ثقافية، وخبرة تاريخية ملموسة وظروف بيئية.  تضاريس المكان وصفاته السكانية كانت حاسمة: جبال الشيشان كثيفة الغابات زودت المقاومة بغطاء طبيعي أفضل مما هو متاح، قل مثلا، في أنجوشيا؛ أكثر من ذلك، مثل معظم شعوب شمال القوقاز العديدة، منح الشيشان الغالبية من الجنود المشاة في كل جيوش التمرد ضد الحكم الروسي.  سجل كفاحهم جعلهم بعيدون عن جيرانهم، حيث يسود بينهم كلا من الإعجاب بالشيشان والاستهجان منهم أيضا.  وفوق كل شيء التباين بين خبرات الشيشان والانجوش مع الحكم الروسي واتجاههم نحوه – استنكف الانجوش بشكل كبير عن المشاركة في التمرد أعوام 1840 حتى 1859 وأعوام 1920 – كانت وراء قرار انجوشيا الانفصال عن الشيشان في استفتاء 1991.

استندت المقاومة واستدامت بالثقافة الشيشانية التي يبرز فيها، مثلما هو في كل مكان آخر، الشرف – العسكري والعائلي – والكرم.  تلعب الذاكرة دورا محوريا، ليس فقط في التقاليد الشفهية – بشكل ملحوظ الأغاني الحماسية، والمواويل – ولكن أيضا في الواجبات الاعتيادية من أجل تذكر سبع أجيال من الأسلاف.  ليس التاريخ سجلا باردا للأحداث؛ إنه الأساس الذي تقوم عليه الهوية الشيشانية نفسها.  [2]  الدين، أيضا، كان ولا يزال عنصرا هاما: تغلغل الإسلام في شرق القوقاز في القرن السابع عشر والثامن عشر، متوحدا مع تقاليد مذهب حيوية المادة.  اخوان النقشبندي الصوفية، بانتمائها للمراتبية الكهنوتية، وعقيدة المقاومة، كانت مصدرا قويا للجذب في صفوف الشيشان، ولقد كانت تحت قيادة الصوفية – موحدة عشرات من الشعوب القوقازية اليائسة تحت راية التضامن الإسلامي – للدرجة التي كانت تحرك فيها أنواع من المقاومة الأكثر فعالية ضد الهيمنة الاستعمارية الروسية في القرن التاسع عشر.  [3]

بدأ التوسع الروسي نحو الجنوب بغزو ايفان الرهيب لخانات استراخان في 1552، ويرجع تاريخ أول اتصال بين الشيشان والروس إلى هذا الوقت.  ولكن التحولات في الحظوظ الجيوبوليتيكية والأولويات كان يعني أن المصالح الإمبراطورية الروسية في القوقاز أعيد إنعاشها مرة أخرى في أواخر القرن الثامن عشر – مما استثار هبة 1785 حتى 1791 بقيادة الشيخ منصور، التي أنزلت جيوشه هزيمة مؤلمة لجيوش كاترين العظمى.  بعد الحروب النابوليونية، بدأ القياصرة في استعمار المنطقة بتلهف شديد، ببناء خط من القلاع على طول أنهار تيريك وسونزه، التي قسمت ارض الشيشان الى قسمين.  كانت سياسة روسيا الاستعمارية مماثلة لتلك السياسات التي اتبعتها القوى الأوروبية الأخرى في تعاملهم مع الشعوب القبائلية؛ في القوقاز تجسدت تلك السياسات في شخصية الجنرال الكسي يرمولوف، الذي حاول منذ 1816 إخضاع الشيشان، حيث كانت المقاومة هي الأشد، عن طريق الغارات العقابية على القرى الجبلية، وبطريقة العقاب الجماعي، بتدمير البيوت والمحاصيل، وإزالة الغابات، والترحيل الجماعي الإرغامي، وتوطين القوزاق على الأراضي التي أخليت من الشيشان.  ولم تؤد مثل هذه السياسة الى نزع ملكية السكان وتسبب سخطهم البالغ فقط، ولكنها أيضا أدت إلى عواقب اجتماعية خطيرة على المدى الطويل.  في لهفته على إخراج الشيشان بالقوة من الأراضي الزراعية الواطئة ودفعهم إلى التضور جوعا في المناطق الجبلية العليا، سد يرمولوف الطريق على تشكيل بنى اجتماعية إقطاعية وتكوين طبقة ملاك أراضي في الشيشان، وبذلك وطد النظام نفسه الذي يقوم على أساس العشيرة والذي زود المقاومة للوجود الروسي بالفاعلية. [4]

رد الشيشان أوليا على وحشية يرمولوف بغارات مسلحة على المواقع الروسية.  ولكن في نهاية ثلاثينات القرن التاسع عشر تجمعت المقاومة حول الإمام شامل، وهو آفاري من داغستان من دعاة الالتزام بالشريعة الإسلامية حتى يمكن الدفاع عن أعراف المجتمع المحلية – بما فيها القوانين العرفية للمجتمع – ضد الغازي.  بين 1840 و1859 تصاعد القمع القيصري إلى أن أصبح حربا شاملة ضد دولة شامل الجنينية.  [5]  كسبت جيوش الكسندر الثاني، واقعيا، من خلال القوة العسكرية الصرف، ولكن المشكلة المستمرة في جناح امبراطوريته الجنوبي أغرت القيصر بشكل مشهود، في أعقاب حرب القرم، إلى المضي قدما بالمهمة التي أوصى بها أبوه إلى باسكييفتش، خليفة يرمولوف، في عام 1829 – "الإجهاز على ما هو عنيد ومتحجر".

بدأ الترحيل الإجباري للشعوب المسلمة في شمال القوقاز عام 1856 واستمر حتى 1864؛ ما مجموعه 600 الف، متضمنا 100 الف شيشاني، أرسلوا إلى الإمبراطورية العثمانية، حيث بادت عشرات الآلاف منهم بسبب الجوع والمرض.  لم تقم للخصائص السكانية للشركس قائمة أبدا؛ معظم الشيشان استطاعوا البقاء، مع ذلك، وبشكل عملي عادوا الى موطنهم، برغم أن الكثير مكثوا ليشكلوا مجتمعات منفى لها وزنها في تركيا اليوم والأردن.

اشتعلت نار التمرد مرة أخرى في بلاد الشيشان وداغستان في 1877 حتى 1878، احتشد المتمردون هذه المرة وراء الطريقة الصوفية القادرية، ومرة أخرى خمد التمرد بالقمع الوحشي.  وأعقب ذلك فترة هدوء نسبي، ظل فيها الشيشان على الهامش الاجتماعي والاقتصادي، وخاضعين لحرمان من الأرض بشكل أكثر مما كان يلاقيه فلاحي روسيا – حول عام 1912، كان الشيشان والأنجوش يملكون أقل من نصف الأرض بالنسبة للفرد بأقل من النسبة التي يملكها القوزاق التيريك.  [6]   اكتشاف البترول بالقرب من جروزني في ثمانينات القرن التاسع عشر جلب معه نموا سريعا في الصناعة وفي المدن، ولكن الفوائد الهزيلة التي جلبها هذا النمو ذهب معظمها إلى العمال الروس المهاجرين؛ وبالفعل، ظلت جرورني مدينة روسية قوية وهي كذلك جدا حتى سبعينات القرن العشرين.  وبينما كانت الإمبراطورية تسعى إلى خلق كوادر محلية تعتمد حياتهم عليها، بدأت أقلية صغيرة من الشيشان في تلقي تعليما روسيا.  من بين هؤلاء الرجال، الذين تأثروا بنفوذ أفكار النارودنيكاي (narodniki)، وأفكار الاشتراكية الديموقراطية، بدأت نخبة محلية من المثقفين في الظهور عند أواخر القرن التاسع عشر؛ ركزت أوليا على تسجيل الفولكلور والتقاليد السائدة بين شعوبهم في أعمال أكاديمية، وطوال العقد الأول من القرن العشرين قادتهم حركتهم إلى كتابة المقالات النقدية حول الاشتباك الحضاري الجاري. [7]

انخرطت شخصيات مثل هذه عديدة في خلق جمهورية جبل القوقاز الشمالي المستقلة عام 1918، بينما حارب الآخرون في صفوف الجيش الأحمر أثناء الحرب الأهلية كأفضل السبل لضمان حكما ذاتيا محليا.  (من بينهم كان أصلان بيك شيربوف، الذي كان أخوه مائير بيك هو الذي قاد انتفاضة ضد ستالين عام 1940).  على الرغم من ذلك، بنهاية الحقبة القيصرية، لم تكن هناك بعد نزعة قومية شيشانية؛ الطموح من أجل سيادة كان يكمن في تعابير نزعة توحد عبر القوقاز.

من الثورة إلى الترحيل

الدور القائد الذي لعبه القوزاق في الجيش الأبيض، الذي تحرك إلى شمال القوقاز في 1919، غلف المعارضة في الشيشان.  المقاومة، التي حشدتها الفرق الصوفية في الريف وبواسطة الراديكاليين من أمثال شيريبوف في جروزني – التي صمدت مائة يوم أمام الاكتساح الأبيض في 1918 – شغلت بالكامل ثلث قوات دينيكن في لحظة حاسمة من الحرب الأهلية. [8]  مع ذلك، بعد انسحاب البيض في 1920، كرر الجيش الأحمر بشكل أولي نمط الغارات العقابية، واستمرت المقاومة.  حوالي 1921 أرغم ستالين على التعهد بحكم ذاتي كامل لجمهورية الجبل السوفيتية التي تم تعميدها من جديد، وعلى القبول بقوانين الشريعة الإسلامية وإعادة الأراضي الممنوحة للقوزاق.  خلال سنة ارتد السوفيت على هذه الوعود، وأرسلوا كتائب من الجيش لنزع سلاح الشيشان بالقوة في الأراضي العالية؛ وتطلب الأمر مزيد من تدابير التهدئة في صيف 1925، بما فيها المدفعية والقصف الجوي للقرى في الجبال.

رغم أن كثير من الشيشان رأوا في الحكم السوفيتي هيمنة روسية مجددة، آخرون كانوا مستعدين للتعامل بشكل أفضل مع النظام الشيوعي، يرون فيه سبيلا لدخول الشيشان إلى العصر الحديث.  كثير من هذا الإبهام يستمر حتى اليوم، حيث أن النظام السوفيتي منح فرص نوعية وبنية تحتية اجتماعية لم يمنحها من قبل نظام الاستبداد الأبوي.  في حقل الثقافة، الكتاب الشيشان تحولوا عن التقاليد الشعرية العربية في القرون السابقة واتجهوا نحو الخيال الواقعي المتمثل في أسلوب جوركي؛ لقد كان الكاتب المسرحي والروائي خالد أوشاييف الذي ابتكر الحروف اللاتينية للغة الشيشان عام 1925 – سابقا على أتاتورك بثلاث أعوام. [9]  ومع ذلك، في نهاية الثلاثينات، أصبح التحديث مرادفا بلا إبهام مع الصبغة الروسية للحياة.  تم التعبير عن ذلك بمستوى رمزي مع تحول قسري إلى النص السيرلي (Cyrillic)، وبمعنى حرفي في ضبط الحدود الإدارية التي وضعت لتخفيف ثقل القوميات العرقية في الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية المشكلة حديثا، لإدماج جماعات بعينها متمايزة وإضافتها إلى مساحات مع السكان الروس السائدين. [10]

كما حدث في كل مكان آخر في الاتحاد السوفيتي، ظهور التعاونيات في الشيشان في خريف 1929 كان علامة على بداية مرحلة مختلفة نوعيا في التاريخ السوفيتي.  في رد فعل على عمليات الاعتقال العشوائية ومصادرة الماشية والمتاع، بدأت المقاومة المسلحة مرة أخرى: أحرقت الملفات المحفوظة وعشرات من عملاء النظام تم اغتيالهم، مما تسبب في الدفع بالجيش الأحمر إلى الشيشان-أنجوشيا في ديسمبر هذا العام.  خسر الجيش الأحمر خسائر ثقيلة، وتم تخفيف تشدد خط الكرملين حتى عام 1931، عندما قبض الجيش الأحمر على 35 الف من الشيشان والأنجوش بسبب نشاطهم "المعادي للسوفيت".  شهد العام التالي بداية شقاق بين صفوف النخبة المثقفة المحلية، رغم اعتقال ثلاثة آلاف عام 1932فقد أضيف إليهم 14 الف آخرين – 3% من السكان –أثناء حملة الشيشان عام 1937؛ واستمر نشاط رجال حرب العصابات في جنوب الشيشان الجبلي حتى عام 1938، رغم ذلك.  المؤشر الغير مباشر على حصيلة الاعتقالات والقمع يمكن رؤيته في حقيقة أن، بين التعداد السكاني السوفيتي عام 1937 وعام 1939، عاني السكان في الشيشان انجوشيا خسارة 35 الف نسمة. [11]

ولكن سلب ونهب الجيش الأحمر يخفت ويصبح وزنه ومغزاه باهتا أمام عمليات الترحيل المتضمنة معنى التطهير العرقي عام 1944.  وإذا كانت عمليات الجيش الأحمر أخذت صبغة عامة في كل أنحاء الاتحاد السوفيتي، فعمليات التطهير العرقي عن طريق الترحيل الجبري كانت مركزة بشكل يثير الرعب.  الحجة التي تذرعت بها السلطات السوفييتية كانت هي تآمر العديد من شعوب القوقاز الشمالية وتتار القرم بشكل جماعي مع القوات النازية المحتلة.  دوائر المهاجرين الشيشان – بمن فيهم أحفاد شاميل – عقدوا لوقت قصير اتصالات مع السلطات الألمانية.  ولكن الشيشان أنفسهم، كانت فرصتهم للعمل مع العدو محدودة جدا: الجيش النازي بعد أن استولى على روستوف، ستافروبول، كراسنودار، موزدوك في أواخر أغسطس 1942، توقف زحفه تماما قبل أن يصل إلى جروزني؛ وكانت بلدة مالجوبك البلدة الوحيدة الذي جهز الجيش النازي لها إدارة قبل أن يبدأ انسحابه في نهايات عام 1942، والتي كانت أغلبية سكانها من الروس.  [12]  في باقي الشيشان، كما في باقي الأنحاء، حفنة العملاء المتعاونين كانت قلة قليلة جدا أمام الأغلبية الكاسحة من القوقاز والتتار الذين تطوعوا في خدمة الجيش الأحمر – كان عددهم 17413 من الشيشان فقط – أو الذين شكلوا فرق العصابات التي حاربت الألمان وراء صفوفهم.

تكمن الدوافع الحقيقية بلا شك بدلا من ذلك في الرفض العنيد لأغلبية الشيشان، فوق كل ذلك، الركوع أمام السلطات السوفييتية.  هذا ما كان الأساس للانتفاضة القومية التي قادها حسن إسرائيلوف ومايير بك شابيروف، التي بدأت عام 1940 – عندما كان هتلر وستالين حلفاء رسميا – والتي استطاعت بحلول عام 1942 السيطرة على مناطق جبلية عديدة وشكلت حكومة مؤقتة. [13]  وهكذا بدلا من نشر القوات ضد جيوش هتلر، قامت القوات الجوية السوفيتية بضرب مكامن الثوار الشيشان في الجبال في مهمة لسحق اللجنة القومية لشمال القوقاز.

خطة الترحيل وضعت في أكتوبر 1943، اسمها الكودي ’عملية العدس‘ – وهما الحرفان الأوليان من الكلمة الروسية شيشافيتسا وهما الحرفان اللذان يشيران إلى نغمة صوتية تعني الأهداف الرئيسية.  في 23 فبراير 1944، في عملية اشرف عليها شخصيا بيريا، تم تعبئة 478 الف من الشيشان والأنجوش في شاحنات القطارات ثم أرسلوا مع 50 الف من البلقانيين، إلى آسيا الوسطى في قطارات شحن دون تهوية؛  وقد عانت كالميكس وكاراتشيس من نفس المصير.  كان الطعام نادرا، والمرض مستفحل، ومات العديد ببساطة من التعرض لهذه الأخطار.  سجلات الدولة السوفيتية تعطي نسبة وفيات بينهم بلغت حوالي 23.7% في القطارات، ما مجموعه 144 الف من الناس.  التقديرات للخسارة الغير مباشرة للسكان الشيشان وحدهم تتراوح بين 170 الف و200 الف. [14]

العودة من المنفى

رغم أن تمرد اسرائيلوف قد وفر لمحة من القومية الشيشانية المعاصرة، تشكلت تلك القومية بشكل واسع من خبرة الترحيل والمنفى.  المحدودية النوعية لسياسة القوميات السوفيتية والإحساس بالقدر المشترك المرير ساعد على تشكيل الوعي القومي الشيشاني.  لعبت الجماعات الإخوانية الصوفية دورا رئيسيا في المنفى، أيضا، حيث أن أنشطتهم السرية جعلت التقاليد الدينية الشيشانية مستمرة بشكل خاص.  رغم أن الإسلام عاد للظهور مع البريستوريكا، كان هناك قليل من الشك في أن منطقة الشيشان، قد خدم الدين فيها "كلباس روحي لكفاح قومي". [15]

في المنفى، واجه الشيشان والأنجوش قيود صارمة في السكن ولم يستطيعوا العمل إلا في مجالات العمل اليدوي.  مع النكوص على الستالينية في الخمسينات، بدأ تيار العودة إلى الموطن في إعادة تأسيس الجمهوريات المحلية الاشتراكية السوفيتية للأنجوش والشياشان.  ولكن حتى بعد عودتهم، خضعوا لاضطهاد التمييز مرة أخرى وبشدة، وتم استبعادهم من الوظائف التي تتطلب مهارة كبيرة – تهميش تسبب فقط في تماسك التميز القومي الذي بدأ في النمو بالمنفى.  في أواخر الحقبة السوفيتية، الاقتصاد الانجوشي الشيشاني كان مقسما إلى مجالين.  الروس سكانا للحضر بشكل أوسع – شكلوا نسبة 24% من 1.2 مليون من السكان في الجمهورية عام 1989 – يهيمنون على قطاع البترول وصناعة الماكينات، والصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية.  المناطق الريفية يسودها الشيشان والأنجوش – يشكلون حوالي 64% من السكان – يعملون بالزراعة والبناء وأيضا الجريمة.  مع التسليم بنسبة نمو السكان الأكبر بين الشيشان والأنجوش مقارنة بالروس، في عام 1989 هذا الخلل في التوازن تسبب في فائض في قوة العمل تقريبا بحوالي 100 الف، بينما ربع الشيشان يعيشون الآن خارج جمهورية الشيشان والانجوش، وقد تركوها بحثا عن العمل.  مثل معظم القوقاز الشمالي، وأكثر، الأجور في جمهورية الشيشان والانجوش هي أجور منخفضة بشكل واضح أكثر من غيرها من المناطق الأخرى في جمهوريات الاتحاد السوفيتي، والأوضاع الاجتماعية أكثر فقرا كذلك: متوسط الأجر عام 1985 كان 83% من متوسط الأجر في الاتحاد السوفيتي، وهبط إلى 75% عام 1991؛ ومعدل وفيات الأطفال كان 23 لكل 1000 من الأطفال عام 1987، مقارنة إلى متوسط ف الجمهوريات السوفيتية 14 لكل 1000.  في 1989، فقط 5% من السكان في الشيشان وانجوشيا تلقوا تعليما عاليا، بينما لم يتلق 16% منهم أي تعليم على الإطلاق.  [16]

عبء هذا الاضطهاد العنصري، بالطبع، كان يتحمله السكان الريفيون – طبقا لاحصائيات عام 1989، 59% من الشيشان وأنجوشيا، مقارنة بـ 27% في الاتحاد السوفيتي ككل – ولقد كان ذلك فوق كل شيء من جنوب الجمهورية الفقير الذي اعتمدت عليه حركة الاستقلال في تجنيد معظم أعضائها.  بنهاية الحقبة السوفيتية، النخبة المثقفة الصغيرة في الشيشان – وهي نتاج النظام الشيوعي بشكل واسع – كانت أيضا تضغط من أجل، على أقل القليل، مراجعة شروط انضمام الشيشان إلى عضوية اتحاد الجمهوريات السوفيتية.  حقا، كما في كل مكان آخر في الكتلة الشرقية، قادة الحركة القومية لم يأتوا من النخبة السياسية، ولكن من الدوائر الفنية والثقافية المحلية – الشاعر زليمخان ياندارباييف والممثل احمد زكاييف، مثلا – رغم أن البعض، مثل جوكهار دوداييف وأصلان مسخادوف، خرجوا من الجيش الأحمر، واحد من المؤسسات السوفيتية القليلة نسبيا التي كانت مفتوحة أمام المواهب الشيشانية.  في نفس الوقت، جاء الدعم المالي من الرؤساء المحليين مثل ياراجاي محمدئيف أو الجالية المهاجرة في موسكو – التي هي أكثر عددا وأكثر رفاهية من الجاليات الشيشانية في الخارج وراء البحار، التي تمتلك نفوذا قليلا على الأوضاع الحالية في أرض أسلافهم التاريخية.

العامل الحاسم في 1990-1991 كان حقيقة أن، وليس على منوال الأغلبية الواسعة للجمهوريات القائمة على عرقيات بعينها في الاتحاد السوفيتي القديم، لم تمتلك جمهورية الشيشان أي نخبة حاكمة وطنية تستطيع أن تحتفظ بالسلطة دون فترة انقطاع.  أسباب ذلك هي نفس الأسباب التي تشكل أساس ظهور القومية الشيشانية نفسها.  اجهزة الاستخبارات السوفيتية التقطت وعزلت الزعماء المحتملين للثورة والمثقفين كذلك؛ ولكن السبب كان فوق كل ذلك هو الترحيل والاضطهاد العنصري التالي الذي منع ’الشيشان من تكوين نخبة سوفيتية متميزة متأكدة من نفسها كان بإمكانها تسوية الأوضاع بشكل سلمي عندما بدأ الاتحاد السوفيتي في التفكك‘.  [17]

إعلان الاستقلال

كما في بلاد بحر البلطيق، تقع أصول الحركة القومية الشيشانية في الجمعيات الغير رسمية التي تأسست أثناء البريستوريكا، مثل الجمعية الدراسية كافكاز، بارت (’الوحدة‘) – التي أصبحت عام 1990 حزب الفيناخ الديموقراطي – والجبهة الشعبية للشيشان والأنجوش.  الأخيرة كانت على علاقات أوثق بالحزب المحلي والاستخبارات السوفيتية، وقصرت نفسها مبدأيا على تنظيم الاحتجاجات في القضايا البيئية، مثل المفاعل الكيماوي الذي كان مخططا له في جودرميس، أو الدفاع عن الثقافة الشيشانية (الأنجوش تم تجنيبهم بشكل واسع).  ولكن فكرة السيادة الكاملة أصبحت بشكل متزايد محورية في المناقشات أثناء التسعينات، واكتسبت القوى الأكثر راديكالية اليد الأعلى.  في السادس والعشرين من ابريل، صاغ جورباتشوف قانونا يعطي كل الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية في روسيا "القوة الكاملة لسلطة الدولة على مناطقهم"، ويجعل منهم رعايا كاملين في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية، مع الحق الدستوري في الانفصال من الاتحاد.  في زيارة إلى كازان في أغسطس 1990 في أثناء ما كان يلتسين يقوم بحملة من أجل رئاسة الاتحاد الفدرالي الروسي، وفي نفس الوقت، قال يلتسين قولته المشهورة للجمهوريات العرقية الروسية أن "تأخذ من السيادة بالقدر الذي يستطيعون هضمه".  الكونجرس الوطني الأول في الشيشان، المقام في نوفمبر 1990 مع الموافقة الكاملة من الحزب الشيوعي المحلي، تعامل مع هذه الدعوات بإعلان السيادة لجمهورية نوخشي-تشو الشيشانية، ولكنه سوى أيضا مسألة أن الدولة الجديدة سوف تبقى جزءا من اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية.

عند هذه المرحلة، الاختلافات الرئيسية بين القوى السياسية الشيشانية الأنجوشية كانت تتعلق بتشكيل القيادة الوطنية الجديدة، وشكل العلاقات مع موسكو ودور الإسلام.  كل الفصائل الرئيسية في المؤتمر الوطني الشيشاني – الشيوعيون؛ جماعة علمانية نبعت من النخبة المثقفة السوفيتية النشأة والجبهة الشعبية؛ القوميون الشيشانيون الراديكاليون، مثل حزب فيناخ الديموقراطي، العديد من أعضائه فضلوا شكل ما من أشكال الدولة الإسلامية – كلهم دافعوا عن السيادة الكاملة ’كحد أدنى‘.  [18]  فقط في 1991، عندما كان الاتحاد السوفيتي موشكا على الانهيار، انكسر هذا الاجماع، عندما تعلق الحزب المحلي بالسلطة بينما كانت المعارضة القومية تلملم قواها. هنا كان اللاعبون الأساسيون هم حزب فناخ الديموقراطي، بقيادة زيليمخان ياندرباييف، واللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني الشيشاني التي كان يرأسها بداية من مارس 1991 جوخار دوداييف.

للسنوات الخمس السابقة، كان دوداييف قائدا فيلق القاذفات طويلة المدى في تارتو، وكان متأثرا لحد كبير بقدر حركة الاستقلال الاستونية المتصاعدة.  كان قد غادر استونيا أثناء استفتاء خرج بأغلبية قوية تفضل الانفصال – وهو حدث بلا شك قد شجعه على جرأة موقفه: فسكان استونيا البالغ عددهم 1.6 مليون نسمة كانوا، رغم كل شيء، أكثر قليلا من سكان الشيشان الأنجوش، بينما الشيشان لديهم أقلية روسية أصغر من الأقلية الروسية بين شعوب استونيا أو لاتفيا.  عودة دوداييف إلى أتى بالتشدد في مواقف اللجنة التنفيذية، التي سرعان ما خلقت حرسا وطنيا مسلحا وبحلول صيف 1991، كانت اللجنة التنفيذية تدعو إلى حل مجلس السوفيت الأعلى في الشيشان الأنجوش، وتدعي أنها تملك السلطة الشرعية التي تستند الآن على المؤتمر الوطني.

الضربة الحاسمة لسلطة الحزب الشيوعي المحلي جاءت مع محاولة الانقلاب المسلح في أغسطس ضد جورباتشوف.  وبينما تحاشى المسئولون في الحزب الشيوعي المحلي في الشيشان اتخاذ موقف حاسم، اللجنة التنفيذية بقيادة دوداييف قامت بحملة لعقد جمعيات ودعت إلى إضراب عام دفاعا عن يلتسين.  تلي ذلك حالة ثورية كلاسيكية لازدواج السلطة، حتى الاستيلاء على مجلس السوفيت الأعلى في 6 سبتمبر بواسطة الحرس الوطني والقوات الشبه عسكرية لحزب المسار الإسلامي بقيادة بيسلان جانتيميروف.  [19]  ومع تدفق المئات من السكان الريفيين على جروزني لدعم دوداييف، سيطر القوميون على مزيد من المباني الحكومية أثناء سبتمبر.  رد فعل اللجنة التنفيذية على اقتراح يلتسين بمجلس مؤقت يحل محل مجلس السوفيت الأعلى، حل وسط يمكن أن يتقبله الحزب الشيوعي المحلي، بتشكيل حكومة مؤقتة وجدول لموعد انتخابات تتم في 27 اكتوبر.  انتصر دوداييف انتصارا كاسحا، وأعلن الاستقلال عند تنصيبه في الأول من نوفمبر. [20]  في نهاية نفس الشهر، صوت الأنجوش رسميا بالانفصال عن الشيشان، والبقاء جزءا من روسيا كجمهورية أنجوشيا الاشتراكية الروسية.

إعلان دوداييف للاستقلال كان الإعلان الأخير من سلسلة إعلانات للاستقلال بدأت من ليتوانيا في مارس 1990.  تلتها ارمينيا في أغسطس، وجورجيا في ابريل 1991، ومن 20 إلى 31 أغسطس 1991 شهدت تلك الفترة إعلانات متماثلة من استونيا ولاتفيا وأوكرانيا وبيلا روسيا ومولدافيا، وأذربيجان، وقرغيزستان، وأوزبكستان؛ تبعت طاجيكستان السلسلة في سبتمبر، وتركمانستان في اكتوبر وكازاخستان في ديسمبر. التباين بين مصير تلك الدول والشيشان كان مدهشا.  في السادس من سبتمبر، مثلا، اعترف الكرملين باستقلال استونيا ولاتفيا وليتوانيا، وفي السابع عشر من سبتمبر منحت الدول الثلاث مقاعد في الأمم المتحدة؛ كانت كلا من أوكرانيا وبيلا روسيا أعضاء توا، ولكن البقية من الجمهوريات السوفيتية السابقة تم قبولها في الثاني من مارس 1992 (ما عدا جورجيا، التي كان عليها الانتظار حتى يوليو بسبب عدم وجود حكومة فيها).  في الثاني من نوفمبر 1991، في نفس الوقت، مجلس السوفيت الأعلى للاتحاد الفدرالي الروسي أعلن أن الانتخابات التي قد كسبها دوداييف توا غير قانونية.  ثم، في ليلة 8-9 نوفمبر، طارت القوات الروسية الخاصة إلى قاعدة خان قالا الجوية بالقرب من جروزني في محاولة للإطاحة بدوداييف من السلطة.  ولكن محاولة الانقلاب افسدت بتركيبة من المعارضة الشيشانية وعراقيل من جورباتشوف، الذي كان ما يزال اسميا القائد الأعلى للجيش السوفيتي، والغير مرحب بتكرار حمامات الدم التي كانت قد حدثت في ليتوانيا في يناير ذلك العام.  غادرت القوات الروسية الشيشان في مهانة، ولمدة السنوات الثلاث التالية، ظفرت البلاد باستقلال الأمر الواقع.

انفصال الشيشان كان طبقا للقانون السوفيتي، وهامش انتصار دوداييف الانتخابي كان مؤشرا على عمق الدعم الشعبي لقضية السيادة الكاملة.  أكثر من ذلك، ومع كل الشكوك التي أثارتها السلطات الروسية بالنسبة لشرعية استقلال الشيشان، فقد قبلت هذه السلطات استقلال الشيشان في مناسبات عدة كاستقلال الأمر الواقع.  في 14 مارس 1992، النواب الروس والشيشان، بعد مفاوضات طويلة لمدى واسع من القضايا القانونية والاقتصادية والأمنية، وقعوا بروتوكولات تشير بوضوح تام إلى ’الاستقلال السياسي والسيادة الكاملة للدولة التي تتمتع بها جمهورية الشيشان‘، وهي صيغة تبنتها مزيد من الوثائق الموقعة في 28 مايو و25 سبتمبر من ذلك العام. [21]

دوداييف في السلطة

 تم تصوير الشيشان تحت حكم دوداييف كأرض لا يحكمها القانون، تضربها الجريمة، والفساد وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، ويقع أكبر اللوم لهذا على قائدها صاحب الخلفية العسكرية.  المقارنة مع الجمهوريات السوفيتية السابقة يعطي تقييما أكثر توازنا.  في السنوات التي تلت 1991 مباشرة، أمسكت الكارثة الاقتصادية بخناق كل الدول بعد المرحلة السوفيتية.  ربما الجمهورية الأكثر قربا لظروف الشيشان هي جمهوريات منطقة عبر القوقاز، التي شهدت انكماش حاد للناتج الإجمالي المحلي – 35% في أذربيجان عام 1991-1992، 23% في 1992-1993؛ 40% و32% بالتوالي في جورجيا، 52% و15% في أرمينيا – بالإضافة إلى انخفاض ملحوظ في الإنتاج الصناعي: أرقام عام 1992 لكل من جورجيا وأرمينيا وأذربيجان كانت بالترتيب 44، 48، 42 بالمائة.  في الشيشان الإنتاج الصناعي هبط 30% عام 1992 وهبط 61% عام 1993 – بشكل أساسي بسبب هجرة الخبراء والمتخصصين الروس في صناعة النفط أوائل التسعينات، وهي المصدر الرئيسي في لعائدات الجمهورية.  [22]  رغم أن حكومة دوداييف بلا شك كانت بلا خبرة في الشئون الاقتصادية، فقد كانت نكبة الشيشان بوضوح جزء من الاتجاه الأعرض نحو الكارثة.

ولو إن المشهد السياسي المضطرب في الشيشان يقف في تباين واضح مع الديكتاتوريات المتعارف عليها لآسيا الوسطى أو أذربيجان، فهو قد تشابه بشكل أكثر قربا مع المشهد السياسي المضطرب لجورجيا في الحقبة ما بعد السوفيتية، حيث أسقط الرئيس زفياد جامساخورديا بواسطة انقلاب عسكري عام 1992 وتم اغتياله في 1993.  جاءت المعارضة السياسية لدوداييف مبدأيا من بين مسئولي الحزب السابقين والشيشان الموالين لروسيا في أراضي الشيشان الواطئة، ولكن هذه المعارضة تضاعفت سريعا بنخب رجال الأعمال الساخطين بسبب انهيار الاقتصاد بعد 1991 (وبعدم ترحيب حكومة دوداييف بعمليات الخصخصة بنفس الهمة التي كان عليها المركز الفدرالي في موسكو).  وكما تم في جورجيا، شرعت حكومة يلتسين في تمويل وتسليح جماعات المعارضة، التي قامت بعدة محاولات لاغتيال دوداييف.

رد دوداييف على تلك الضغوط كان في صورة نداءات شعبوية للكتل الأفقر، والأكثر تقليدية في الجنوب – مثل إعادة تسمية أرض الشيشان في 1994 بالجمهورية الشيشانية لإيشكيريا، المشتقة من اسم منطقة الأراضي الجبلية – و، بتدعيم الحكم الرئاسي بشكل متزايد بدءا من عام 1993.  حل دوداييف للبرلمان في ابريل عام 1993 صقل صورته الديموقراطية – رغم أنه لم يمض بعيدا في إجبار خصومه المنتخبين على الخضوع للعملية الديموقراطية، كما فعل يلتسين في نفس العام في أكتوبر.  من الواجب أيضا ذكر أن المعارضة الشيشانية، على غير منوال قادة التمرد ضد يلتسين، الكسندر روتسكوي ورسلان حسب الله توف، كانت هذه المعارضة تمول بشكل فعال بواسطة قوى خارجية شرسة، بهدف منع السيادة الشياشانية مرة واحدة.  أكثر من ذلك، عدد من المناطق الموالية لموسكو والتي كانت تدعي أنها ضحية لديكتاتورية دوداييف أعلنت انفصالها عن الشيشان في يونيو 1993، دون وجود مرجعية ديموقراطية لذلك الإعلان على الإطلاق.  لقد كانت هذه الفوضى الدستورية، التي خلقتها روسيا نفسها، هي التي خدمت كذريعة للغزو الذي تم في 1994.

كتب العديد من الكتاب عن انتشار الجريمة في ظل حكم دوداييف.  [23]  برزت الشيشان كمثال على اقتصاد الظل في نهاية الحقبة السوفيتية، ويرجع ذلك بشكل واسع إلى استبعاد الشيشان من القطاعات الشرعية.  ولكن في الشيشان كما في كل مكان آخر، صعود الأنشطة الإجرامية بعد 1991 يرتبط بشدة بالانهيار الاقتصادي الذي حدث في الفترة ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.  على أرضية من تفكيك الصناعة الكارثي والتضخم الصاروخي، أصبحت الجريمة هي ’قضية الصراع البسيط من أجل البقاء‘.  ظهرت للوجود مراكز للربح الباهظ حول خط أنابيب باكو-نوفوروسسك، ثم امتدت سريعا إلى قلب أراضي الشيشان، وأصبح مطار جرزوني نوع من منطقة تجارة حرة خاصة للمخدرات والمهربات.  تأتي هنا بالترتيب ملاحظتان: أولا، لم تكن مثل هذه الأنشطة ممكنة دون تآمر السلطات الروسية التي تسيطر على المجال الجوي الشيشاني وعلى الحدود؛ وثانيا، لصوصية الأمر الواقع للخصخصة كانت ببساطة نسخ صغيرة الحجم من كرنفال اللصوصية الهائل الذي كان يدور حينئذ في روسيا نفسها.  كان الشيشان هم ’الشركاء الصغار جدا في موجة من الفساد واللصوصية تتفرع من العاصمة الروسية‘. [24].

فيتنام يلتسين

كانت السلطات الروسية تتدبر بوضوح مسألة التدخل العسكري في الشيشان منذ أمد طويل قبل 1994: دافع روتسكوي عنه في اكتوبر 1991، وقد اتخذت عدة قطاعات عسكرية مواقع لها على الحدود الشيشانية مرتين في عام 1992.  السبب المباشر للحرب كان مع ذلك هو فشل محاولة انقلابية أخرى قامت بها القوات الخاصة في الشيشان في 26 نوفمبر 1994، وصفت بأنها ’معادل انقلاب خليج الخنازير التي قام بها يلتسين‘. [25]  دخلت القوات الروسية الشيشان في 11 ديسمبر، وخلال ذلك الشهر تعرضت جروزني للقصف وصف بأنه الأشد من القصف الذي تعرضت له سراييفو وبيروت.  مع بداية العام الجديد جاء هجوما كاسحا عن طريق البر، واستولت القوات الروسية على جروزني في مارس وسط خسائر هائلة، وقد دمر وسط مدينة جروزني تدميرا شبه كامل.  تم تكرار نمط استخدام القوة الكثيفة الغير متناسبة مع قوة الخصم في كل مكان آخر – بأكثر وحشية مثل المذبحة التي حصدت حوالي 200 من القرويين في ساماشكي (من 6-8 ابريل 1995) – ولكن التقدم الروسي أبطأ من سرعته بحلول ربيع 1995، حيث سعى الجيش المحتل بشكل متزايد إلى عقد هدنة محلية مع مختلف الأطراف أكثر من الانخراط في تشكيلات الشيشان.  غارة شامل باسييف في مايو 1995 على بودينوفسك، والمفاوضات التالية، وفرت مساحة حيوية للتنفس بالنسبة للمقاومة الشيشانية، التي كانت قد أصبحت حينئذ قادرة على شن هجوم خلفي على خطوط الجيش الروسي بأعداد كافية حتى تستولي على بلدات رئيسية – احتلوا جوديرميس لعدة أيام في ديسمبر 1995.

منذ خروج الجيش الروسي للقتال، كانت هناك درجة مدهشة من المعارضة للحرب ليس فقط بين الجمهور الروسي، حيث ضربت حركة صغيرة ولكن دائمة مناهضة للحرب بجذورها، ولكن أيضا داخل صفوف الجيش نفسه.  وبشكل مبكر في 13 ديسمبر 1994، رفض طابور للدبابات إطلاق النار على جماعة من النساء سدوا الطريق أمامهم في الشيشان.  تعود الأعداد الكبيرة من الخسائر الروسية لهبوط المعنويات، وأصبحت فكرة الانسحاب من الشيشان أكثر شعبية مع مرور الوقت.  في ربيع 1996، مع الكارثة الانتخابية المحدقة والمقاومة الشيشانية تكتسب جراءة متزايدة، وهجمات بمقياس واسع، طرح يلتسين مبادرة رمزية للسلام، ولكنه أمر حينئذ باغتيال دوداييف، ونفذ الهجوم الصاروخي الروسي في 22 ابريل 1996.  تولى ياندرباييف كرئيس فعلي.  فيما بعد، كان الروس يقترحون بشكل بديل وقف لإطلاق النار وجددوا هجوما، من الجدير بالذكر أنه كان بعد انتصار يلتسين في انتخابات يونيو – انتصارا بسبب الدعم الغربي المالي والسياسي الذي لم يكن صغيرا، وقد نسقته بشكل أولي إدارة كلينتون. [26]

الاندفاع الحاسم نحو التفاوض جاء بعد الهجوم الشيشاني على جروزني، وجوديرميز، وأرجون – الذي تم القيام به ليتزامن مع حفل تنصيب يلتسين في التاسع من أغسطس – والذي دفع الجيش الروسي للخلف إلى مواقعهم التي كانوا عليها في ديسمبر 1994.  في 31 اغسطس وقع الجنرال الكسندر ليبيد والقائد الشيشاني رئيس هيئة الأركان أصلان مسخادوف اتفاقية خاسافيورت، التي اعترفت بالشيشان كقضية في القانون الدولي ولكن مؤجلة حتى اتخاذ القرار النهائي حول وضعها حتى نهاية عام 2001.  الحرب الروسية الشيشانية الأولى كانت هزيمة منكرة للروس وبرغم انتصار الشيشان كانت هذه الحرب عاملا مساعدا بالنسبة لهم.  التقديرات المحافظة تبلغ 7500 خسائر عسكرية للروس، و4000 مقاتل من الشيشان ولا أقل من 35 الف من السكان المدنيين – وهو حد أدنى من مجموع بلغ 64 الف؛ والآخرون ذكروا أرقام تتراوح بين 80 إلى 100 الف من السكان. [27]

قطع الدومينو المجازية

الحجة الأساسية المطروحة كدفاع عن هجمة يلتسين على الشيشان كانت أن الاستقلال الشيشاني سوف يطلق سلسلة من الحروب الانفصالية في باقي روسيا – طبعة داخلية من مبدأ الحرب الباردة "بأثر الدومينو".  تلك الحجة تقوم على أسس غير ثابتة.  كما قد كتب مؤخرا روبرت واد في الفينانشال تايمز، احتمال الانفصال يزيد "كلما كانت هناك ثلاث شروط متحققة: منطقة على حدود ليست روسية؛ سكان بأغلبية ليست روسية؛ قاعدة ذات عائد تصديري مشجع‘.   وإذا ما تناولنا ثاني الشروط، الصفات السكانية: الاتحاد الفدرالي الروسي ذو الجمهوريات العرقية الـ 31، في 1991 فقط أربع جمهوريات كانت تمتلك أغلبية مطلقة من عرقيات غير روسية – شمال اوسيتيا، توفا، ششنيا انجوشيا، والشوفاشيا – بينما ثلاث لديها أغلبية بسيطة من العرقيات الغير روسية: تاتارستان، وكاباردينو بالكاريا، وكالمايكيا.  شكل الروس أغلبية من السكان في الباقي.  اقتصاديا، الكل ما عدا اثنان من الجمهوريات السبع التي ذكرت أعلاه تعتمد بشدة على الميزانية الفدرالية؛ فقط تتارستان، المركز الصناعي الأساسي ينتج 25% من بترول البلاد، والشيشنو انجوشيتا، التي تنتج 90% من الكيروسين الروسي، هم مساهمين في الميزانية بشكل خالص. [28]  فقط هاتان الجمهوريتان رفضتا توقيع المعاهدات الفدرالية مع روسيا عام 1992؛ ولكن في تتارستان القضية الرئيسية كانت توزيع العوائد بين البيروقراطية المركزية والمحلية، وقد توصلوا إلى صفقة بشكل عملي عام 1994.  فقط في الشيشان ظهرت حركة ديموقراطية م أجل الانفصال، وفقط هناك قضية الاستقلال تجمع تأييدا جماهيريا.

ماذا عن الاعتراضات الاستراتيجية الروسية؟  الشيشان تجلس بالقرب من مركز المضيق الذي يفصل البحر الأسود عن بحر قزوين، والسلطات الروسية مرارا صعدت من شبح جمهورية الشيشان المستقلة التي تجمع حولها الشعوب القوقازية الأخرى لتتجمع معا في دولة واحدة يمكنها خنق خطوط إمداد الروس بالمواد الأولية وتهدد المصالح الجيوبوليتيكية الحيوية.  ولكن بعد الانطلاق الأولي من التضامن في بدايات التسعينات بين هذه الشعوب، اضمحل الاهتمام بينهم فيما يتعلق بدولة لعموم القوقاز سريعا – خصوصا فيما يتعلق بمجال الأنجوش – حرب شمال أوسيتا عام 1992 – بحلول عام 1994 أصبح الشيشانيون في عزلة تامة.  وما يحطم مثل هذه الحجج هو النفاق الاستراتيجي الروسي: فالروس، وهم في حالة هياج بسبب توقعات الانفصال في الشيشان، يسلحون حتى اليوم ويشجعون التحرر والوحدة في اوسيتيا الجنوبية وأبخازيا.  حقا، كثير من القادة الشيشان في الميدان الذين كانوا سيحاربون الروس من 1994 حتى 1996 – ومنهم شامل باساييف – تم تدريبهم بواسطة المخابرات العسكرية الروسية من اجل الحرب في ابخازيا عام 1992 و1993.

فور ما انتهت دوافع الروس في استعادة استقرار النظام، ومنع تفكك روسيا وحماية مصالحها الاستراتيجية، كيف لنا إذا أن نفسر قرار الغزو في أواخر عام 1994؟  هنا لعب دور رئيسي للفرد، لوزير القوميات الروسي سيرجي شاخراي، الذي كان قد انتهى توا من إبرام المعاهدة مع تتارستان، والذي يحتفظ بعلاقات سيئة منذ زمن طويل مع دوداييف.  في خطوط أعرض، أشار جون دنلوب إلى ’انتشار شكل شرير من الإمبريالية الروسية الجديدة‘، وهو الشكل الذي سعى إلى إعادة تأسيس الهيمنة الروسية على محيطها الحيوي.  بعد هزيمتها في أفغانستان، وانتصار الولايات المتحدة في الخليج، شغفت العسكرية الروسية بإعادة تأكيد نفسها.  ولكن المحرك الرئيسي كان حاجة نظام يلتسين الملحة إلى ’حروب صغيرة منتصرة‘ من أجل تماسك حكمه الفاسد بلا قرار والمكروه شعبيا بشكل متزايد. [29]  نفس الاحتياج الشديد للإمساك بروافع السلطة، وأنهار الأرباح المتعلقة بذلك، كل ذلك بلا شك قد أغوى الطغمة حول يلتسين بحكمة عقد هدنة في خاسافيورت بعد سنتان، بعد ما استطاعت قوات الشيشان أن توقف الجيش الروسي.

الخروج من بين الركام

الدولة الشيشانية التي خرجت من بين حطام 1996 واجهتها مهمات كانت سوف تثبط الهمة حتى ولو كان المشهد السياسي الداخلي موحدا ومعه كميات هائلة من المعونة الدولية.  العامل الرئيسي في سوء البخت الذي صادفته الدولة الشيشانية يكمن في الوثيقة نفسها التي ضمنت لها السلام: تأجيل اتخاذ قرار في وضع الشيشان حتى 2001 المنصوص عليه في اتفاق خاسايفورت.  واظب الروس على أن تبقى الحكومة الشيشانية أسيرة الحرمان التشريعي، غير قادرة على الحصول على اعتراف دولي أو لا تستطيع السعي لطلب الحصول على تعويض من المحتلين السابقين.  فقط أفغانستان والجمهورية التركية في شمال قبرص رحبوا باستقبال بعثات دبلوماسية شيشانية لها وضع دبلوماسي كامل.  حتى اليوم، التضامن الإسلامي الرسمي غير قائم: ’ولا دولة عربية واحدة اعترفت أبدا بوضع الشيشان المستقل، وحكامهم يطلقون التصريحات المستمرة بدعم التكامل الإقليمي الروسي‘.  وتوقعوا أفضل قليلا من الغرب، حين قارن كلينتون في 1995 بين موقف يلتسين المعادي لانفصال الشيشان وموقف ابراهام لنكولن، وهلل لتحرير جروزني عام 2000. [30]

انحسرت الحياة الاقتصادية في الشيشان.  تحولت البنية التحتية والصناعة في البلاد إلى حطام بفعل القصف الروسي بالقنابل، بينما تم اختلاس الأموال بشكل روتيني التي خصصتها موسكو لإعادة الإعمار قبل أن تصل إلى أماكنها – في 1997 اعترف يلتسين بدهشته من أن 130 مليون دولار ارسلت إلى بنك الشيشان الوطني، والذي وصل فعلا كان حوالي 20 مليون دولار.  من بين 44 منشأة صناعية كبيرة كانت تعمل في 1994، ظلت 17 منشأة منهم تعمل في 1999؛ وقد توقف الإنتاج في هذا العام عند 4 إلى 8% من مستويات ما قبل الحرب.  في 1998، وصلت البطالة إلى 80%، بينما كانت مصادر الدخل الشرعية تقدر بأنها تصل إلى ثلث حد الفقر.  في هذه الظروف، أصبحت المقايضة وقطع الأخشاب واستخراج المعادن وسائل هامة من وسائل البقاء.  ولكنها الجريمة التي انتعشت فوق كل شيء، وأكثرها شيوعا كان الاختطاف، وقرصنة عمليات تكرير البترول الصغيرة الحجم – في 1999، كان هناك ما يقدر 800 معمل تكرير صغير تديره فصائل مسلحة يسرقون البترول من أنابيب نقل البترول.  قام سوق السلاح في جروزني بتجارة هائلة.  كما تفعل الأسواق عادة، لمزيد من الغرابة، تمتلئ الأسواق بسلع رخيصة الثمن ومنتجات زراعية.  ومع ذلك، الضمان الاجتماعي انهار: التعليم يكاد أن يكون غير قائم، والوصول إلى الخدمات الصحية في حدوده الدنيا؛ وبلغ تقدير معدل وفيات الأطفال إلى حدود لا تصدق 100 طفل لكل 1000. [31]

الصمت الخارجي والانخلاع الاجتماعي والاقتصادي العميق مجتمعين مع الاضطراب الداخلي ليخنقوا أي آفاق لمشروع سياسي قابل للحياة.  الانتخابات الرئاسية التي أقيمت في الشيشان في يناير 1997 – التي وصفت بأنها كانت ’نموذجية وحرة‘ – ظفر بها أصلان مسخادوف، جنرال المدفعية السوفيتية السابق ووزير دوداييف للدفاع، والذي حصل على 59.3% من الأصوات؛ منافسه الأقرب كان باساييف، بنسبة 23.5%، وياندرباييف بنسبة 10.1%.  [32]  هذه النتائج – الموزعة بشكل حقيقي أقرب للتساوي من تلك التي خرجت في انتخابات جورجيا عام 1995، أو تلك النتائج الهزلية في السباق الانتخابي للمرشح الوحيد في كازاخستان عام 1994، أو أذربيجان عام 1998 – هذه النتائج سجلت الانقسامات السياسية الرئيسية، التي قسمت مشروع ماسخادوف بدولة مستقلة علمانية من الموقف المشدد لبعض قواده في الميدان الذين في حالات متعددة يدافعون عن دولة إسلامية  واحدة عبر القوقاز كله كضمان وحيد لاستقلال الشيشان.

برهنت المواجهة بين العلمانيين والإسلاميين أنها مميتة لمسخادوف، الذي امتهن بشكل متزايد منذ عام 1998 بواسطة اللاعبين الأقوياء أمثال باساييف، وياندرباييف وسلمان رادوييف.  قام مسخادوف بعدة محاولات مشتتة ليخصم التأييد حول خصومه – مثل ادخاله عناصر من الشريعة الإسلامية عام 1999 في خرق لدستور الشيشان لعام 1992 – وفي مناسبات متعددة دخل في صراعات مسلحة مع القوات الموالية للقادة الميدانيين السابقين أمثلا رادوييف وارباي باراييف، في محاولة لتحرير الرهائن المختطفين كجزء من بزنس الاختطاف والقتل الذي انتعش في الشيشان بين عامي 1996 و1999.  [33]  خصوم مسخادوف في نفس الأثناء قاموا بدفع عدد من النشاطات الإجرامية بشكل متكرر في لحظات مخططة لنسف مفاوضاته مع الروس – وأكثرها شهرة اختطاف وقتل مبعوث وزير الداخلية الروسي جينادي شبيجون في مارس 1999.

كثير من المعلقين الغربيين رأوا في خيبات نظام مسخادوف أساسا لضم الشيشان إلى شريجة "الدول الفاشلة" المتسعة أبدا والتي لا تستحق أن تكون دولا ذات سيادة، والتي يكون من الأفضل وضعها تحت وصاية القوى العظمى الأكثر تحضرا. [34]  هذا المنطق يجب دحضه في الشيشان كما في كل مكان آخر.  قليل من الدول تستطيع تأسيس مجتمعا يعيش في سلام وازدهار في خلال ثلاث سنوات بعد الخراب المادي والانهيار الاقتصادي والانقسامات السياسية والاجتماعية التي لا حصر لها الناتجة عن حرب لمدة عامين مع جار أقوى بمراحل.  العزلة وآثار الدمار ما بعد الحرب هي التي شكلت لحد بعيد شخصية وحظوظ دولة الشيشان المستقلة، ولحد أقل ساهمت التقاليد الاجتماعية الشيشانية الفوضوية في ذلك أيضا.  ولكن يجب التشديد على أن السبب الأولي لنكبات الشيشان من 1996 حتى 1999 كان هو الدمار الهائل الذي أنزله بهم الجيش الروسي في السنوات السابقة.

استخدام الإسلام

كتب الكثير عن دور الإسلام في الشيشان – يدعي الجيش الروسي أن البلد مغمور بالمرتزقة العرب، وأن ذلك يشكل جزء من خطة "الهلال الوهابي" المبدأي الذي يهدد بابتلاع الجناح الجنوبي لروسيا بأكمله.  منذ 9/11، تواطأ الغرب بشكل واسع مع الروايات الخيالية الروسية عن طريق اعتبار روسيا حليفا لها ضد "التهديد الإسلامي" المتنامي من آسيا الوسطى.  ولكن شخصية وتركيب الراديكالية الإسلامية في شمال القوقاز تم فهمها بشكل خاطئ عموما.  ما كان يشار إليه عموما على أنه "وهابية" هو، بشكل أكثر دقة، سلفية ولديها جذورها المحلية في الصراع بين الأشكال التقليدية للإسلام والتقاليد القديمة المحلية الموروثة.  الصوفية التي ضربت بجذورها في الشيشان في اواخر القرن الثامن عشر وقرت شخصيات شيشانية مقدسة ومذاهب ولعبت دورا حيويا في السر لتأكيد الهوية الشيشانية إبان سنوات المنفى.  ثمانينات القرن العشرين شهدت إحياءا دينيا وللمرة الأولى منذ 1944-1946، ظهر الإسلام هنا كظاهرة سياسية، وأداة لحشد وتعبئة الشارع ووفرت نسقا في المقاومة ضد الاحتلال الروسي.  اكتسبت التفسيرات السلفية الأكثر بساطة ارضية بسبب مكانة القادة الميدانيين وقوتهم المسلحة من أمثال باساييف ورادوييف – الذين ربما قد احتضنوا السنية المحافظة في محاولة لتأمين الدعم المالي من الخليج – وبعد الحرب بسبب الصعوبات الاقتصادية والمأزق الذي بلغه مسار مشروع الاستقلال العلماني. [35]  الأسلمة المتصاعدة للشيشان، في هذه الأثناء، - وقع ياندرباييف تعديلا في القانون الجنائي مادة مستقاة من القانون الجنائي في السودان، وفيما بعد دعا هو وباساييف إلى إلغاء منصب الرئاسة واستبداله بالإمامة – يجب أن ينظر إلى ذلك كجزء من المعركة السياسية الداخلية حول طبيعة الدولة الشيشانية.  في أماكن أخرى بالقوقاز الشمالي، تختلف أهداف والأساس الاجتماعي للإسلام الراديكالي، الذي تولد عن البؤس الاقتصادي والكبت مع الانغلاق السياسي بواسطة نخبة لا تتبدل.  مستويات التمويل الخارجي للإسلاميين بولغ فيها كثيرا – نفس المبالغة في عدد المتطوعين، التي يقدرها الخبراء الآن بما لا يزيد عن 1- 2% من القوات الموالية للاستقلال. بالنسبة لكل الدعاوى التي تدعيها الحركة الإسلامية العالمية في الشيشان، القضية التي تحشد من أجلها المقاومة هناك ما زالت هي قضية الاستقلال الوطني.  في لحظة أقل احتراسا، بوتن نفسه بشكل واضح اعترف بهذا القدر، مقارنا بشكل كاشف الحملة التي شنها في الشيشان "بالعمليات الأمنية في البلطيق وأوكرانيا الغربية ... التي استهدفت استئصال المقاومة المعادية للسوفيت والتي استمرت من 1944 إلى منتصف الخمسينات". [36]  إصرار بوتن المستمر على البعد الإسلامي يخدم فقط في التشديد على الانتهازية المستقرة في ’حملته المناهضة للإرهاب" – حرب استعمارية معبأة في عبوة مثل هذه للاستهلاك المحلي والدولي.

حرب بوتن

طبقا لبعض المحللين السياسيين الروس مثل ديمتري ترينين والكسي مالاسينكو، كانت عمليات التحضير للحرب في الشيشان ’ماضية في طريقها‘ منذ 1998. [37]  هذه المرة كانت الحجة هي اعتداء باساييف في أغسطس 1999 على داغستان، والتي كانت علامة على محاولة توسيع نفوذ الإسلاميين الذين كانوا قد أسسوا عدة إمامات صغيرة هناك، وفي النهاية من أجل توحيد الشيشان وداغستان وتشكيل دولة اسلامية مستقلة واحدة. [38]  رغم أن باساييف طرد سريعا من داغستان، سلسلة الانفجارات في العمارات السكنية في بويناكسك، وفولجودونسك وموسكو في أواخر أغسطس وفي سبتمبر – هناك ادعاءات متكررة ومتحمسة بتورط الاستخبارات الروسية الفدرالية في تلك العمليات – تلك الانفجارات مهدت الرأي العام "لعملية مضادة للإرهاب" بدأت في نهاية سبتمبر.

دون شك كان حكم فلاديمير بوتن مرحلة انتقال من حكم الطغمة المالية ليلتسين إلى نمط أكثر سلطوية – بشكل ملحوظ عين بوتن عشرات من موظفي الاستخبارات السوفيتية السابقين في مناصب أساسية في الحكومة، وركع أثرياء التسعينات الأقوياء أو اضطرهم للهرب إلى المنافي في الخارج.  ولكنها هي الحرب في الشيشان – بدأت خلال شهر من توليه رئاسة الوزارة – التي كانت أهم وسائله في تماسك السلطة، وتمهيد الطريق لصعوده الناعم إلى الرئاسة في مارس 2002، وتأكيد الدرجة المنحطة من إطاعة النخبة السياسية والنخبة المثقفة لسياسته على السواء.

اتصفت حرب بوتن في الشيشان منذ بدايتها بالاستخدام الذي لا يرحم للقوة أكثر من سلفه، ليس فقط بمقاييس القوات والنظامية ولكن أيضا بمقاييس القسوة تجاه المدنيين بواسطة جيش مصمم على الانتقام، وبشكل متزايد مكون من متعاقدين وجنود محترفين غالبا تم تجنيدهم من السجون الروسية.  في 1 اكتوبر، القوات الروسية – وقوامها حينذاك 100 الف جندي، مقارنة بـ 24 الف جندي استعرضهم يلتسين في البداية – دخلت الشيشان بعد عدة أسابيع من القصف الجوي المكثف الذي سوى أطلال جروزني افتراضيا بالأرض.  بعد تأمين الأراضي الواطئة في شمال تيريك في خريف 1999، اتجه الجيش الروسي جنوبا وفي فبراير 2000، استولى على جرزوني، وقد تكبد الجيش خسائر فادحة أثناء العمليات.  تراجعت قوات الحكومة الشيشانية إلى الجبال، حيث أمطرتهم القوات الروسية بضربات المدفعية الثقيلة والقصف الجوي.

خطا بوتن خطواته الرزينة نحو النصر في انتخابات مارس – وهرع بلير إلى موسكو ليكون أول زعماء العالم الذي قدم التهنئة له – وفي يونيو عين احمد قاديروف في منصب الحاكم الألعوبة.  ولكن أمام كل اللغو عن "التطبيع"، حين مرر بوتن المسئولية عن الشيشان من الجيش إلى الاتحاد الفدرالي الروسي ومن ثم إلى وزير الداخلية الفدرالي، ظلت قوات المقاومة الشيشانية قادرة على اختراق الخطوط الروسية.  القوات المجمعة لوزارة الدفاع الروسية، والقوات الخاصة وقوات الاتحاد الفدرالي الروسي سيطرت على السهول نهارا، ولكن القوات الشيشانية بدأت في القيام بعمليات حرب عصابات ليلا، واصطادت القوافل العسكرية أو دوريات الحراسة قبل أن تذوب في الغابات.  منذ ذلك الحين، استمر الصراع في كونه من النوع الذي يدور بين ’الفيل والحوت، كل منهما لا يقهر في الوسط الذي يعيش فيه‘. [39]

مع ارتفاع الخسائر الروسية – الرقم الرسمي لخسائر 2002-2003 كان 4749، وهو الأعلى في سنة واحدة منذ 1999، بمتوسط شهري في 2004 بلغ حاليا مستوى أعلى من الخسائر الأمريكية في العراق – اعتمد بوتن منذ 2001 استراتيجية "الشيشنة". [40]  كان ذلك يعني خفض القوات – حوالي 60 الف جندي روسي الآن يواجهون مقاومة نشيطة تقدر بخمسة آلاف مقاتل بحد أقصى – وتفويض كثير من العمليات القتالية إلى ميليشيا الحاكم الألعوبة قاديروف.  [41]  صبوا قاديروف في قالب الرئاسة الشيشانية بانتخابات مشبوهة في اكتوبر 2003 – كان فيها 20 الف من القوات المحتلة لها حق الانتخاب – ولكن اغتياله في 9 مايو 2004 كان يتطلب مزيد من الانتخابات المزورة في هذا الخريف، التي ربحها ألو ألخانوف أحد المهرجين من الموالين لقاديروف.  لن يفعل تغيير الأشخاص كثيرا في تغيير طبيعة النظام الخائن.  تحت قيادة رامزان ابن قاديروف، أصبحت القاديروفية سيئة الصيت بسبب وحشيتها، فقد عذب رامزان وقتل مواطنيه بحمية ونشاط ليس أقل من القوات المحتلة نفسها.  إدارة قاديروف بينما تدعي أنها تعيد إعمار الشيشان، ظلت إدارة لطغمة فاسدة – بعثة بوتن لحقوق الانسان إلى الشيشان اعترفت بأنه لم ينفق اكثر من 10% من الـ 500 مليون دولار المخصصة للشيشان في 2001، وفي 2002، مدير الاتحاد الفدرالي الروسي نيكولاي باتروشيف اعترف بأن الـ 22 مليون دولار في ذلك العام قد أسيء استغلالها. [42]

لا يمكن أن تكون هناك إدانة لحكم بوتن أكثر من الوضع الحالي للشيشان.  انخفض عدد سكان جروزني إلى مجرد 200 الف مواطن – نصف حجم السكان في 1989 – الذين يشحذون بقاءهم وسط بريق قذائف القنابل والحطام الذي صارت إليه مدينتهم.  طبقا لأرقام هيئة حقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة، ظل 160 الف شيشاني من الذين شردوا من مناطقهم في مجال مناطق الحرب حتى عام 2002، بينما يعيش 160 الف آخرين في معسكرات اللاجئين بأنجوشيا.  الرقم الأخير قد مال إلى الانخفاض بقدر ما منذ ذلك الوقت – تقرير أطباء بلا حدود يقدر الرقم بحوالي 50 الف لاجئ شيشاني ظلوا في معسكراتهم بأنجوشيا – ويعود ذلك إلى سياسة الكرملين بإغلاق معسكرات اللاجئين ومنع بناء المزيد هناك.  هؤلاء تم إجبارهم على الرجوع إلى الشيشان ليعيشوا على حافة المجاعة، ويتحركون من ملجأ القنابل إلى ملجأ آخر، يتحاشون الإرهاب الروتيني للقوات الخاصة ونقاط التفتيش ورجالها الملثمين، حيث يجب على المرأة أن تدفع حوالي 10 دولارات لتفادي اغتصاب بناتها، والرجال من سن 15 حتى 65 يؤخذون إلى معسكرات ’الفلترة‘ أو يختفون ببساطة.   منظمة ميموريال لحقوق الإنسان في روسيا، والتي تغطي فقط ثلث أراضي الشيشان، كتبت تقريرا بأنه فيما بين يناير 2002 وأغسطس 2004، أعداد بلغت 1254 شيشانيا تم اختطافهم بواسطة القوات الفدرالية، منهم 757 ما زالوا مفقودين. [43]

ركود الحالة العسكرية نتج عنه انحلال مريع بين القوات المحتلة.  مثلا، العديد من الضباط – محتمين بسياسة رسمية للحصانة – مسموح لهم بأن يتخذوا هويات شخصية عديدة، ظاهريا لحماية أنفسهم من ’الهجمات الانتقامية‘ التي يقوم بها الشيشان – انخرطت القوات الروسية في حفلات ماجنة من السرقة والفظاعة الاستثنائية.  كل وزارة من الوزارات التي تعمل في الشيشان تدير إقطاعيتها الخاصة، بطرق الابتزاز الخاصة ومبيعات الأسلحة، التي تذهب عادة إلى المحاربين في المقاومة الشيشانية أنفسهم.  هناك عشرات من الحالات الموثقة لجنود يعيدون جثث القتلى الشيشانيون في مقابل رسوم فقط – ورسم الجثة أغلى من الرسم الخاص باستعادة شخص حي، بسبب التقليد الشيشاني لأهمية دفن الميت منهم في أرض الأجداد.  ولم يقتصر العنف على المدنيين الشيشان: نصف الخسائر الروسية المقدرة يأتي من حالات غير الاشتباكات العسكرية، وغالبا بسبب التعسف المنهجي في تجنيد الشباب الحدث المنهارة معنوياتهم – بشكل كبير هؤلاء الذين لا يمتلك آباءهم الفقراء ما يدفعونه مقابل إعفاء أبناءهم من الخدمة العسكرية.  هؤلاء الذين يعودون إلى روسيا من الخدمة في الشيشان غالبا ما يحضرون معهم العادات الشريرة التي قد تعلموها هناك. [44]  بذلك المعنى، الأعراض القبيحة للعدوان الروسي على الشيشان قد حدث لها تحول إلى سرطان يهدد باستهلاك الحياة العامة والخاصة في روسيا.

لعبت وسائل الإعلام الروسية دورا رئيسيا في نقل شيئا ما عن أهوال حرب 1994- 1996؛ هذه المرة، لم تقع السلطات في نفس الغلطة بالسماح لهم بحرية العمل، وقد أغلقت أو استبدلت هيئة التحرير لاثنين من أكثر مصادر الأنباء انتقادا، قناة إن تي في وقناة تي في 6. [45]  التباين المدهش بين هذه الحرب والحرب السابقة هو في الأسلوب الذي يسرب به الحوار الرسمي الروسي تعليقات صحفية تصل به إلى نقطة أن الإرهاب والشيشان باتا افتراضيا أمرا واحدا.  وقد أدى ذلك إلى مشاعر ومفاهيم اجتماعية مسمومة: كراهية عامة ’للأشخاص من اصول قوقازية‘ تزداد التهابا غالبا وتصل إلى كراهية لجنس من البشر صريحة، وتنتج عنها كلا من إدانة رسمية وشعبية تلقائية ليس فقط للشيشان ولكن أيضا لشعوب أخرى متعددة من نفس المنطقة. [46]  إنه تلك العداوة الشعبية المنتشرة على نطاق واسع لقضية الشيشان، بالاشتراك مع التشتت والتبلد السياسي لروسيا المعاصرة، وذلك يفسر لمدى واسع سبب غياب حركة ذات إدراك ضد الحرب.  هناك مؤخرا بعض التحركات على هذه الجبهة: في 23 اكتوبر 2004، قامت منظمات حقوق الإنسان بمظاهرة في ميدان بوشكين بموسكو جذبت نحو 2000 متظاهر، وفي 6 – 7 نوفمبر 2004 عقدت لجان أمهات الجنود مؤتمرها التأسيسي من أجل حزب سياسي جديد.  ولكن تلك المعارضة تركز بشكل كبير على وحشية الحرب أكثر من تركيزها على جذورها السياسية.  حتى على اليسار، مسألة استقلال الشيشان تختفي في بعض الأوقات كليا. [47]

رجع الصدى الإقليمي

أهوال بيسلان، عندما مات على الأقل 350 شخصا في الثالث من سبتمبر 2004 بعدما اجتاحت القوات الروسية كالعاصفة مدرسة احتجز فيها رهائن بواسطة الجماعة الإسلامية الموالية لشامل باساييف، تلك الأهوال شكلت جزءا من منطق تصعيد العنف الذي تولد بسبب قوات الاحتلال الروسية.  بينما اتخذت المقاومة بشكل أساسي شكل عمليات حرب العصابات داخل الشيشان ضد القوات الروسية والقوات الشيشانية الموالية لموسكو، شهدت الحرب الحالية اللجوء المتزايد لأعمال العنف خارج أراضي الشيشان – بما فيها التكتيكات التي لم تكن تستخدم سابقا من التفجيرات الانتحارية.  مثل هذه الأساليب، بالطبع، فوق كل شيء هي تعبير عن اليأس المطلق، يرتكبه أناس ليس لديهم ما يفقدونه سوى حياتهم؛ وطرح وقتئذ أن النسبة العالية لحدوث عمليات انتحارية تقوم بها النساء قد يكون له علاقة بعمليات الاغتصاب الواسعة التي قامت بها القوات الروسية ضدهن، رغم أن هذا الوجه من الحرب ما زالت التقارير عنه أقل من باقي الأوجه. [48]

وحيث أن العمليات الانتحارية طالت الأهداف الحكومية والعسكرية في موزدوك وجوديرميس وزنامينسكوي وفي أماكن أخرى، بالإضافة إلى الهجمات على الساحات العامة في موسكو، فقد تحدثت المؤسسة الروسية الرسمية عن ’فلسطنة‘ المقاومة الشيشانية.  الذي لم يلاحظ بشكل واسع، أو بالأحرى البادئ الأصلي للأمر كله كان هو ’إسرائيلنة‘ الاستراتيجية الروسية.  الأعداد الهائلة من نقاط التفتيش المصممة لمنع السكان من التنقل بحرية؛ وقتل المدنيين الغير مسلحين؛ والحصانة التي يتمتع بها جيش الاحتلال؛ والبؤس الاقتصادي المتعمد والإذلال الشامل المفروض على سكان المناطق المحتلة – كل هذه السمات هي سمات مشتركة بين الشيشان والضفة الغربية اليوم.  في فبراير من عام 2004، لجأت روسيا مرة أخرى إلى عمليات الاغتيال، لتقتل الرئيس السابق ياندرباييف في قطر عن طريق تفجير سيارة ملغومة – وهي عملية سرت الشائعات عنها أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية قد أعارت هذه الخبرة لروسيا.

كما فعلت إسرائيل في الضفة الغربية وغزة ولبنان، شن الروس عدة غارات على معسكرات اللاجئين في انجوشيا، حيث يرون هذه المعسكرات كحضانات تفريخ وأماكن اختباء لمقاتلي المقاومة.  هذه الاعتداءات المتكررة ولدت فقط سخط كلا من السكان المحليين واللاجئين، الذين برهن الجنود الروس على أنهم غير قادرين وليسوا مستعدين التمييز بينهما.  من الجدير بالملاحظة أن الغارات على مكاتب الحكومة في نازاران في يونيو 2004 قام بها الانجوش أولا، وكان هناك العديد من الانجوش ممن قاموا باحتجاز الرهائن في بيسلان بعدد يساوي الشيشان.  رغم أن السلطات الروسية تتحدث الآن محذرة من ’اتساع الصراع على مستوى المنطقة‘، فهذا التوسع والتصعيد هو من عمل يدها الخاص.

هناك عديد من الأسس الاجتماعية الاقتصادية للسخط على الحكم الروسي في شمال القوقاز.  تبقى المنطقة واحدة من أفقر مناطق البلاد، بأقل معدل أجور ونسب بطالة رسمية أعلى بعديد من المرات من المتوسط القومي – 29% في داغستان، 35% في انجوشيا، 9% على المستوى القومي. [49]  ولقد قرر بوتن أن يتعامل مع احتمالات التحديات السياسية من قبل المحرومين بوسائل قهرية، أولا بتأكيد انتخاب الكوادر التي تحمل له الولاء مثل مراد ضيازيكوف – الذي وضعه في المنصب في انجوشيا بعد أن قام بوتن بهندسة عملية خروج الزعيم الشعبي رسلان آوشيف – والآن بواسطة إلغاء انتخاب المحافظين المحليين كليا وتفضيل تعيين من يختارهم هو.  هذا بالطبع، جزء من عملية إعادة مركزة للسلطة أكبر تحت حكم بوتن؛ ولكن مرة أخرى، أصبح للشيشان تأثيرا بنيويا على استراتيجية وتركيبة النخبة السياسية الجديدة في روسيا.  من السبعة المفوضين الرئاسيين مطلقي الصلاحيات المعينين في عام 2000، اثنان منهم كانوا قادة سابقين في حرب الشيشان، وعديد آخرون من المحاربين القدامى فيها قد أصبحوا حكام محليين أو اخذوا مناصب رسمية كبيرة. [50]  الحرب في الشيشان، اكثر منها هجمات مناسبة مطلوبة على عدو تم إضعافه مسبقا، الحرب في الشيشان أصبحت مصدرا هاما لتخريج كوادر لمشروع بوتن السلطوي الجديد

تحت أبصار الغرب

ماذا كان رد الفعل العالمي على العدوان المستمر على قيام دولة في الشيشان؟  كما يعلق وزير الخارجية الشيشاني الرسمي رومان خليلوف بشكل جاف، "سجل المجتمع الدولي بالاعتراف بالانفصال الفوري والخالي من الألم كان ضعيفا بشدة". [51]  هنا كانت الشيشان من خسائر أعمق أعماق السياسة الجديدة (Realpolitik).  أومأت الحكومات الغربية بالموافقة ليلتسين ليشن حربا كأثر جانبي مؤسف لرئاسة كان عليها أن تمتد بأي تكلفة كانت، لو كان الثمن نجاح الرأسمالية في روسيا.  استفاد بوتن من إجماع جبان بالمثل.  إلا أن على كل الأطوال التي استهلكتها الأعمدة الصحفية عن الأذى الذي نال الديموقراطية الروسية الهشة عن طريق اعتقال رئيس مجلس إدارة شركة يوكوس ميخائيل خودوركوفسيكي، فقد كانت الشيشان هي التي كشفت وجه نظام بوتن القبيح بشكل حقيقي، وفوق كل شيء كشف القبح لرعاية هذا النظام للوحشية الداعرة هناك والتي يجب أن يحاكم بسببها.

الانتقادات المبكرة لحملة بوتن على الشيشان من هيئات مثل الـ  ، ومجلس الجمعية البرلمانية لأوروبا خفت صوتها سريعا، وتخلصت منها الحكومات الأوروبية بوصفها انتقادات غير مجدية وسط محاولات للترحيب بانضمام بوتن إلى أحضان أوروبا.  في سبتمبر 2001، أثناء حملة الاغتيالات التي ترعاها الدولة والتي تنفذ دون أي عقاب رادع لوقفها في الشيشان، تلقى بوتن تشجيع حماسي من أعضاء البوندستاج الألماني وهم وقوف؛ وفي صيف 2002، تبنى شيراك وجهة النظر الروسية ’لعمليات مناهضة الإرهاب‘، وقام هو وشرودر بتأكيد دعمهم في سوتشي في أغسطس 2004.  اقتصرت جهود الاتحاد الأوروبي الجماعية على معونات انسانية محدودة لمعسكرات اللاجئين في انجوشيا. [52]

رغم المقاربات المتكررة من مبعوثي مسخادوف، رفض الاتحاد الأوروبي من جانبه الالتقاء بالزعماء المنتخبين بشكل شرعي في الشيشان – رغم أن كوفي أنان أسرع في التعبير عن حزنه لاغتيال الرئيس الألعوبة قاديروف في أوائل هذا العام.  بل حتى أن أنان، في زيارة لموسكو عام 2002، مدح جهود بوتن في تسوية الصراع – دون شك شكرا لدعم بوتن السابق لترشيحه له حتى يضمن فترة ثانية كسكرتير عام.  التساؤلات حول تصرفات روسيا في الشيشان كان يتم تجنيبها بشكل روتيني في اجتماعات لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.  ولم تتقدم أي جهة أخرى بتقديم الدعم من أي مكان آخر.  شددت الحكومات العربية على تأييدها للتكامل الإقليمي لروسيا، بينما في 1999، أصر وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي على أن الحرب الروسية الشيشانية هي شأن داخلي تماما.  ولقد رأت الصين في قمع يلتسين وبوتن الآن لطموحات الشعب الشيشاني في الاستقلال سابقة مفيدة لها في تعاملها مع شعوب التبت واكسينجيانج. [53]

رد الفعل الرسمي في الولايات المتحدة طبعا يتم تشكله باحتياجات ’الحرب على الإرهاب‘.  بعد الهجوم على مركزي التجارة العالمين والبنتاجون، لم يضيع بوتن وقتا في ربط الشيشان بالمعركة الأوسع ضد التطرف الإسلامي، ومنح الولايات المتحدة الإذن باتخاذ قواعد منتشرة عبر آسيا الوسطى، مجال نفوذها السابق، كرد للجميل على تصديق واشنطن للحرب في الشيشان.  كان رد إدارة بوش بالصمت المطلوب – وهو ما يعتبر تغيرا صغيرا في مسلك المحافظين المعتاد، والذي كانت عداوتهم التقليدية لموسكو تعني تأييدا لاستقلال الشيشان من نواحي مختلفة.  أعضاء اللجنة الأمريكية للسلام في الشيشان تتضمن ريتشارد بيرل، وكينيث أدلمان، وإليوت أبرامز، وميدج ديكتر، وجيمس وولزي.  اليمينون من خارج الدوائر الرسمية، مثل ريتشارد بايبس كانوا قد أثاروا جدلا حول الحرب في الشيشان، وأشاروا إلى أن السلطوية تكمن في التركيب الوراثي للروس وأن بوتن سيفعل حسنا لو تعلم دروس انسحاب ديجول من الجزائر. [54]

على العكس من ذلك، الليبراليون انقسموا بين هؤلاء الذين يقبلون دمار الشيشان كصدمة مؤسفة في طريق روسيا الصعب لصنع ديموقراطية مستقرة، وهؤلاء الذين يتبنون بنشاط حرب بوتن.  رغم دستورية المطالب الشيشانية، كان هناك شبه اتفاق شامل على عدم القبول باستقلال الشيشان.  ’المطلب الأول هو استبعاد الاستقلال الرسمي كبند في التفاوض"، هذا ما استخلصه جوناثان ستيلي، على أرضية أن بوتن سوف لن يقبل ببساطة الانفصال. [55]  أناتولي ليافين يصف حق روسيا في شن الحرب على الشيشان على أنه ’حق لا يقبل النزاع‘، في نفس الوقت الذي يلح فيه على تقييم ما لجرائم الحرب الروسية ’الأكثر مدعاة للقلق‘.  مؤخرا جدا، اصر ليافين أن يتخذ الغرب موقف أكثر تشددا مع مسخادوف، والضغط عليه ليس فقط لقطع صلاته مع "الإرهابيين"، ولن الضغط عليه من أجل قتالهم ’جنبا إلى جنب مع القوات الروسية‘. [56]  دعم بلير المثير للاشمئزاز لبوتن، يقلل فقط من الانتقائية المنافقة’بالتدخل الإنساني‘.

كفاح ضد الاستعمار

قرار بوتن في ديسمبر 2004 برصد مكافأة مالية لرقبة كل من باساييف ومسخادوف كانت علامة على نيته: لا يمكن التفكير في تسوية سياسية مع القوات التي تحارب من أجل الاستقلال، لا مستقبل يمكن تصوره بالنسبة للشيشان سوى سلسلة من الحكام الدمى الذين يعينهم الكرملين ينفقون الهبات على هؤلاء الذين يمكن شراء ولاءهم، أو هؤلاء الذين تتفوق تلبية احتياجاتهم على إخلاصهم لمبادئهم.  بذل الروس أقصى ما يستطيعون، متبعين نفس التكتيك الإسرائيلي القائل بأنه "لا شريك أمامنا لعملية السلام"، من أجل إغلاق أي احتمالات لإجراء حوار؛ وكرر مسخادوف العروض بالتفاوض ومقترحات من أجل السلام – تضمن المقترح الأخير وضع الشيشان تحت الحماية كمرحلة انتقالية على الطريق نحو الاستقلال – ولكن كل ذلك لم يلق آذان صاغية.

الحل العسكري الذي كانت تسعى روسيا لتحقيقه طوال العقد الماضي، لم ينته إلى نتيجة مع ذلك.  في 1994 – 1996 ظفرت الشيشان بانتصار ملحوظ ضد خصم أكثر منها عددا وأكثر منها عتادا، ورغم الوزن الضخم للقوة التي يستعرضونها حاليا ضد الشيشان فقد حقق الشيشانيون نجاحات كبيرة الحجم مثل استعادة مدينة جروزني عام 1996 التي لم تكن متوقعة، والوحشية الشديدة للاحتلال الروسي سوف ينجح في توليد المقاومة فقط.  وهذا بدوره يعني أنه ربما السمة الملحوظة بأكثر ما يمكن للمشهد السياسي في مرحلة ما بعد السوفيتية سوف تراوح في مكانها: الدور المحدد الذي تلعبه هذه الأمة الصغيرة في حظوظ جار أكبر بشكل لا يقارن.  الشيشان هزموا الجيش الروسي، وعرقلوا رئاسة يلتسين، ومنحوا بوتن نقطة وثوب إلى السلطة، والآن هم التهديد الرئيسي لاستقرار روسيا.  رغم مد فترة ولايته السلسلة حتى 2008، التيار المستمر للخسائر بسبب الشيشان قد يبرهن في النهاية أن قضية الشيشان تمثل نفس التكلفة لبوتن كما كانتها بالنسبة ليلتسين.

حجم الدمار الذي تم في الشيشان في مجرى العقد الأخير، وأرقام الآلاف من الموتى، والبربرية المستمرة للاحتلال، كل ذلك يشكل توبيخا قائما لتآمر كلا من الحكومات الغربية والمواطنين على حد سواء.  ولكن الجانب الأكثر عارا لكلا من رد فعل روسيا والغرب على قضية الشيشان – وهو خليط من التواطؤ النشيط والإذعان الأخرس – هو جانب الرفض المستمر لقبول الطموحات الشيشانية المشروعة من أجل الاستقلال.  يجب ألا نتعامل مع مثل هذه المراوغات.  ينخرط الشيشانيون في كفاح ضد الاستعمار يمكن مقارنته بنضال المستعمرات الأوروبية في افريقيا وآسيا في القرن الماضي.  لم يقبلوا أبدا بالهيمنة الأجنبية – ’لم توقع أبدا أي سلطة شرعية شيشانية أي معاهدة رسمية تقبل بالسلطة الروسية أو السوفيتية‘ – وقد منح لهم بشكل متكرر الإقرار الديموقراطي بفكرة سيادة الدولة. [57]  نقطة البداية لأي مناقشة يجب أن تكون هي الحقيقة بأن الشيشانيين يمتلكون حق الاستقلال كما تملكه أي أمة في العالم.

[1] For a detailed historical narrative see John Dunlop’s Russia Confronts Chechnya: Roots of a Separatist Conflict, Cambridge 1998, chapter 1. The classic account is John Baddeley’s The Russian Conquest of the Caucasus [1908], London 1999; see also Anatol Lieven, Chechnya: Tombstone of Russian Power, New Haven 1998. Lieven’s book, a compendium of fascinating information and acute insights, stands in marked contrast to his current commentary on Chechen affairs, characterized by an extraordinary degree of sympathy for Putin’s needs.
[2] On Chechen culture’s orientation to the past and the nature of its epics, see Obkhad Dzhambekov, ‘O khudozhestvennom vremeni v ustno-poeticheskom nasledii chechentsev’, in Kh. V. Turkaev, ed., Kul’tura Chechni: Istoriia i sovremennye problemy, Moscow 2002, p. 71; see also the essays in the same volume by Z. I. Khasbulatova on etiquette and traditions of mutual assistance, and on traditional architecture by V. I. Markovin. On songs and music, see Iu. A. Aidaev, ed., Chechentsy: Istoriia i sovremennost’, Moscow 1996, pp. 297–305. On myths and legends, see Skazki i legendy ingushei i chechentsev, compiled by A. O. Malsagov, Moscow 1983; English version printed in 1996 by the Folklore Society. Khassan Baiev’s memoir The Oath: A Surgeon Under Fire, London 2003, also provides many insights into Chechen culture and everyday life under Soviet rule, as well as striking testimony of the two wars.
[3] See Lieven, Tombstone, pp. 359–63.
[4] M. M. Bliev and V. V. Degoev, Kavkazskaia voina, Moscow 1994, cited in Dunlop, Russia Confronts Chechnya, p. 16. Yermolov’s portrait currently hangs in the Russian Army’s North Caucasus headquarters in Rostov-on-Don: see Dmitri Trenin and Aleksei Malashenko, Russia’s Restless Frontier: The Chechnya Factor in Post-Soviet Russia, Washington, dc 2004, p. 139.
[5] For a scholarly account, see Moshe Gammer, Muslim Resistance to the Tsar: Shamil and the Conquest of Chechnya and Daghestan, London 1994; a striking literary vision of both the rebellion and its imperial adversaries can be found in Leo Tolstoy’s last work, Hadji Murat, published only in 1912. Tolstoy served in Chechnya from May 1851 to January 1854, at the height of the war.
[6] 5.8 and 3 desiatinas respectively, to the Cossacks’ 13.6 (1 desiatina = 1.09 hectares). See Dunlop, Russia Confronts Chechnya, p. 33.
[7] Kh. V. Turkaev, ‘Rossiia i Chechnia: aspekty istoriko-kul’turnykh vzaimosviazei do 1917g.’, in Turkaev, Kul’tura Chechni, pp. 164–87.
[8] Abdurahman Avtorkhanov, ‘The Chechens and the Ingush During the Soviet Period and Its Antecedents’, in Marie Bennigsen Broxup, ed., The North Caucasus Barrier, New York 1992, pp. 147–94.
[9] Aidaev, Chechentsy, pp. 287–90.
[10] Perhaps the most lasting effect of Russification has come from Chechen not being taught in Soviet schools: though 98 per cent of Chechens claim it as their mother-tongue, Chechen remains largely a spoken language; to this day, the overwhelming majority of publications in Chechnya are in Russian. For a survey of Chechen media, see Valerii Tishkov, Obshchestvo v vooruzhennom konflikte: Etnografiia chechenskoi voiny, Moscow 2001, pp. 453–55; an abridged English version has been published as Chechnya: Life in a War-Torn Society, Berkeley, ca 2004.
[11] Avtorkhanov, ‘Chechens and Ingush’; Dunlop, Russia Confronts Chechnya, pp. 49–56.
[12] See Aleksandr Nekrich, The Punished Peoples, New York 1978, pp. 36–8.
[13] Born in 1910, a Party member from 1929, Israilov was twice arrested for criticizing in print the ‘plundering of Chechnya by the local Soviet and party leadership’. In January 1940, he wrote to the Chechen-Ingush assr Party secretary that ‘For twenty years now, the Soviet authorities have been fighting my people, aiming to destroy them group by group; first the kulaks, then the mullahs and the ‘bandits’, then the bourgeois nationalists. I am sure now that the real object of this war is the annihilation of our nation as a whole. That is why I have decided to assume the leadership of my people in their struggle for liberation.’ See Avtorkhanov, ‘Chechens and Ingush’, pp. 181–2. Dunlop highlights Israilov’s unprecedentedly secular background for a Chechen resistance leader: Russia Confronts Chechnya, pp. 56–8.
[14] Nekrich, Punished Peoples, p. 138; Dunlop, Russia Confronts Chechnya, pp. 62–70.
[15] Lieven, Tombstone, p. 357.
[16] Demographic information: Tishkov, Obshchestvo, p. 115; socio-economic data: Dunlop, Russia Confronts Chechnya, pp. 85–8.
[17] Trenin and Malashenko, Restless Frontier, p. 16.
[18] Dunlop, Russia Confronts Chechnya, p. 93; Lieven, Tombstone, pp. 56–64.
[19] The former used car dealer Gantemirov became mayor of Grozny under Dudaev, then went over to the opposition and served in the same post for Russia’s puppet administration during the 1994–96 war; he was jailed for fraud in 1996, but amnestied by Putin in 1999 and put at the head of an armed group.
[20] Despite the many irregularities, and although experts have given different final figures—Dudaev winning 90 per cent of the vote on a 72 per cent turnout, or 85 per cent on a 77 per cent turnout—the verdict is clear. The Russian Caucasus expert Sergei Arutiunov has noted that Dudaev had 60–70 per cent support. See ‘Chronology’ in Diane Curran, Fiona Hill and Elena Kostritsyna, eds, The Search for Peace in Chechnya: A Sourcebook 1994–1996, Kennedy School of Government, Strengthening Democratic Institutions Project, March 1997; and Dunlop, Russia Confronts Chechnya, p. 114.
[21] Dunlop, Russia Confronts Chechnya, p. 169.
[22] Transcaucasia: World Bank, Statistical Handbook 1995: States of the Former ussr, Washington, dc 1995; Chechnya: Dunlop, Russia Confronts Chechnya, pp. 126.
[23] Several of Dudaev’s key supporters in 1990–91 did have underworld connections—notably Gantemirov and the ‘businessman’ Yusup Soslambekov, who had served a sentence for rape in the Soviet period. Mamadaev is also alleged to have had mafia links. See Lieven, Tombstone, p. 59.
[24] See Dunlop, Russia Confronts Chechnya, pp. 127–33, on the involvement in oil rackets of figures such as Aleksandr Korzhakov, chief of Yeltsin’s bodyguard, and Oleg Soskovets, first deputy prime minister—later key members of the ‘party of war’.
[25] Trenin and Malashenko, Restless Frontier, p. 21; on Rutskoi and stand-offs, see Dunlop, Russia Confronts Chechnya, p. 110, 172–4.
[26] In February 1996 Helmut Kohl extended $2.7bn credit to the Russian government, most of it unconditional; Alain Juppé stumped up a $392m loan; in March, the imf approved a $10.3bn credit—making it clear that funds would be withdrawn if Yeltsin lost—and the World Bank agreed a loan of $200m. See Fred Weir, ‘Betting on Boris: The West Ups the Ante for the Russian Elections’, Covert Action Quarterly, Summer 1996.
[27] John Dunlop, ‘How Many Soldiers and Civilians Died During the Russo-Chechen War of 1994–96?’, Central Asian Survey, vol. 19, nos 3–4, (September 2000), pp. 329–39. Lieven, Tombstone, pp. 102–46 gives a fine analysis of the course of the war.
[28] Financial Times, 8 September 2004; James Hughes, ‘Managing Secession Potential in the Russian Federation’, Regional and Federal Studies, vol. 11, no. 3 Autumn 2001, pp. 41–3.
[29] The infamous phrase was originally uttered by Nicholas ii’s interior minister Viacheslav Plehve with reference to the Russo-Japanese war of 1904–05; it was repeated in 1994 by Oleg Lobov, secretary of the Security Council—who is also reported to have added, ‘like the us had in Haiti’. See Dunlop, Russia Confronts Chechnya, p. 211, and Lieven, Tombstone, p. 87.
[30] Trenin and Malashenko, Restless Frontier, pp. 191, 198.
[31] Embezzled funds: Trenin and Malashenko, Restless Frontier, p. 37; industry, markets, infant mortality: Tishkov, Obshchestvo, pp. 436–41; unemployment, income, mini-refineries: I. G. Kosikov and L. S. Kosikova, Severnyi Kavkaz: sotsialno-ekonomicheskii spravochnik, Moscow 1999, pp. 188–90.
[32] See ‘Chronology’, in Curran et al., Search for Peace. For engaging snapshots of Chechnya during the election, as well as a much richer portrait of the North Caucasus in Soviet and post-Soviet times, see Georgi Derluguian, Bourdieu’s Secret Admirer in the Caucasus, forthcoming.
[33] See Trenin and Malashenko, Restless Frontier, pp. 27–34.
[34] See Anatol Lieven, ‘A Western Strategy for Chechnya’, International Herald Tribune, 9 September 2004.
[35] Trenin and Malashenko, Restless Frontier, p. 101. See Lieven, Tombstone, pp. 24–5, for a discussion of Islam during perestroika, and the curious neo-Gothic architecture of the new mosques.
[36] Trenin and Malashenko, Restless Frontier, pp. 93–4, 97, 119.
[37] Trenin and Malashenko, Restless Frontier, p. 111.
[38] For a more detailed account, see Georgi Derluguian, ‘Che Guevaras in Turbans’, nlr 1/237, September–October 1999.
[39] Trenin and Malashenko, Restless Frontier, p. 42.
[40] 2002–03 casualty figures: The Military Balance 2003, p. 86; 2004: Nezavisimaia gazeta, 25 October 2004.
[41] Estimates for the number of active Chechen resistance fighters have ranged from 2,000 to 5,000. See Trenin and Malashenko, Restless Frontier, pp. 121, 238 n. 29; Military Balance 2003, Table 41; Komsomolskaia pravda, 10 September 2004.
[42] Trenin and Malashenko, Restless Frontier, p. 38.
[43] Guardian, 30 September 2004.
[44] For a powerful account both of daily life in Chechnya under the occupation and its repercussions in Russia, see Anna Politkovskaya, A Small Corner of Hell: Dispatches from Chechnya, Chicago 2003. Bullying: Trenin and Malashenko, Restless Frontier, p. 141.
[45] Many crucial and courageous reports have been filed from Chechnya by Anna Politkovskaya for Novaia gazeta and Andrei Babitsky for Radio Svoboda; but in Russia, the influence of radio and especially print are negligible compared to that of television.
[46] In September 1999, for instance, 15,000 Caucasians were expelled from Moscow by the city authorities and another 69,000 compelled to re-register; in September 2003, 54 Chechen students were beaten by a skinhead mob in Nalchik; in April 2004, a 10-year-old Armenian boy was set on fire in a market in Kostroma; in September 2004, a gang of 20 youths ransacked cafés belonging to Caucasians in Yekaterinburg. See Amnesty International report, ‘For the Motherland’, December 1999; Chronicle of Higher Education, 15 October 2003; Moscow Times, 23 April 2004; Moscow News, 9 September 2004.
[47] Boris Kagarlitsky writes that ‘the central issue . . . is not Chechen independence or Russia’s territorial integrity, but democracy in Russia and Chechnya’: see ‘Where is Chechnya Going?’, Moscow Times, 3 June 2004.
[48] The case of Colonel Yuri Budanov has acted as a barometer for what Chechens can expect from Russian troops and officials: convicted of kidnapping, raping and killing an 18-year-old Chechen girl, Budanov