خلال 24 ساعة، في 16 و17
اكتوبر، نشرت النيويورك تايمز ثلاث روايات عن التهديد الذي تثيره
الفوضى المتصاعدة على النظام السياسي الذي بدأ يبزغ في العراق وفلسطين
والسودان رغم أنه ما زال هشا. في البلاد الثلاثة، الفوضى التي تضرب
المجتمع وصفت كنتائج سلبية وغير مقصودة لسياسات مبنية على تصورات مريضة
تسيدها حكومات متورطة عديدة: الولايات المتحدة في العراق، وإسرائيل
التي تنسحب من غزة، وحكومة السودان التي تفرمل ميليشيات الجنجويد
المغيرة في دارفور. لم يروا الفوضى تلك في أي بلد شيئا مقصودا أو
مفيدا أو مزيدا تقدمه القوى المتصارعة على السيطرة على تلك البلاد.
صدر الحكم على الاحتلال
الأمريكي للعراق بشكل خاص بالفشل من ناقديه منذ البدء تقريبا بسبب
الفوضى التي ولدها. حتى بعد الموافقة على الدستور، يثور جدال بين
"الخبراء" بأنه، طالما استمرت قوات الاحتلال الأمريكية والقوات
الأجنبية الأخرى في العراق، سوف تصبح الحالة "أكثر فوضوية"، أو في
كلمات تشوك هاجل سيناتور نبراسكا، سوف تستمر في "زعزعة استقرار الشرق
الأوسط".
طبعا، فقط العرب
الغاضبون الغير عقلانيون – في هذه الحالة، السنة – قد يكونوا راغبين في
مثل هذه الحالة من الأمور. وكما كتب جاري شميدت من أنصار القرن
الأمريكي الجديد في افتتاحية للواشنطن بوست، إنهم "يستطيعون أن يعتقدوا
تماما بأن الفوضى الناتجة وحتى الموت العارض لأحد الجيران أو لعضو من
أعضاء عائلتهم الكبيرة هو ثمن يستحق الوفاء به من أجل عودة الهيمنة
السنية". وبالمثل، جادلت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليسا رايس في
الأسبوع الماضي أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ بأن
"استراتيجية العدو هي نقل العدوى والإرهاب والجر للهاوية".
كما يبدو، احتمال عدم
النظام هو علامة واضحة على عقلية المسلمين البائدة في الحركة. وكما
أوضح مؤخرا متحدث رسمي باسم المارينز مؤخرا، في أعقاب احدى الهجمات
القاتلة على القوات الأمريكية، "المتمردون هم أناس ضد التقدم ويرغبون
فقط في العودة الى أساليب القرن السابع". وهو شخصية لا تقل عن توني
بلير في الاتفاق على ذلك. بلير يدعي أن القاعدة تنخرط في أنشطة هي
"حروب دينية من النوع السابق على القرون الوسطى مغتربة تماما عن مستقبل
النوع النوع البشري"، هدفها، طبقا لصديقه جورج بوش، هو "تأسيس
إمبراطورية إسلامية جذرية تمتد من أسبانيا الى اندونيسيا". أما نحن
فهدفنا هو النظام. الرغبة في خلق الفوضى ليست فقط هي حالة ما قبل
الحداثة، ولكنها بشكل موروث هي رغبتهم [العرب المسلمون].
المشكلة في هذه الرواية
هي أن المحافظين الجدد، المسئولين أوليا عن شن الحرب على الإرهاب إضافة
الى مسئوليتهم عن غزو واحتلال العراق، لم يكن رأيهم على نحو خاص ولا
عام الفوضى بهذا الأسلوب. بالنسبة لهم، الفوضى ليست فقط أثر لا يمكن
تجنبه لعملية العولمة، ولكن الظاهرة يمكن أن تستخدم بشكل جيد لإتاحة
الفرصة لأجندتهم طويلة المدى في إعادة رسم الشرق الأوسط بالصورة
الأمريكية. فعلا، كما رأوها، كان من الطبيعي فقط بالنسبة لأول قوة
عظمى وحيدة حقيقية في العالم أن تعتمد سياسة مختبرة جيدا بشكل تاريخي
هي سياسة "التدمير الخلاق". هدفهم، كما جاء شرحها في التعليق الذي
أصبح مشهورا الآن لأحد موظفي الإدارة غير مسمى، كان الهدف هو "خلق
واقعنا الخاص" أينما نولي. (ويضيف نفس المسئول، "نحن صانعو التاريخ،
وكل منكم سوف تكون مهمته فقط دراسة ما نصنعه".)
مثل هذا التعليق وحده
ربما يبدو أنه قمة غرور إدارة بوش، إذا لم يكن عاكسا أيضا لتفكير طليعة
البزنس في أمريكا عن العقد الماضي أو أكثر. مثلا، في كتابه المعنون
’الازدهار بسبب الفوضى‘، المرشد الروحي للبزنس توم بيترز يجادل بأنه
يجب أن "يتناول الأمريكيون الفوضى كأمر مسلم به ويجب أن يتعلموا كيف
يزدهرون في وجودها. الرابحون في الغد سوف يتعاملون بترتيب مسبق مع
الفوضى... الفوضى والريبة هما... فرص داخل السوق بالنسبة للحكماء".
نصيحة بيترز والبنتاجون
محفوظة عن ظهر قلب بواسطة الأكاديميين وصناع السياسة من أمثال بول
وولفوويتز، وصامويل هنتيجتون، وروبرت كابلان، الذين بدأوا في أواسط
التسعينات في كتابة "حرب باردة جديدة" أو "صراع الحضارات" بين التأسلم
السياسي والنيوليبرالية عبر "قوس من عدم الاستقرار" يمتد من أفريقيا
جنوب الصحراء إلى أواسط آسيا. بشكل خاص، خبرات ما بعد الحرب الباردة
في البوسنة وهاييتي ورواندا وفي أماكن أخرى في أفريقيا دعت إلى بذل جهد
منظم لوضع تصورات لما قد تستطيعه الولايات المتحدة بأفضل ما يمكن "من
إدارة للفوضى" التي من المؤكد أن ’الفوضوية" العولمية سوف تجلبها.
بالمثل، اشتبك البنك
الدولي في تقريره لعام 1995 في جدل بأن تحديث الشرق الأوسط قد يشير
بقدر كبير إلى ضرورة وجود "فترة من الزلزلة" قبل أن تستطيع المنطقة
البدء حتى في التكيف مع النظام الاقتصادي الكوكبي الجديد. بعض مفكري
المحافظين الجدد آمنوا بأن أفضل الطرق لإدارة مثل هذه اللحظة كانت هي
استحضار هذه الفترة بسرعة، لاستثارة قدر من الفوضى التي سوف تنشب ولكن
لن تكون سوى المقدمة التمهيدية للنظام العالمي على الطراز الأمريكي.
(لذا افتتحت "الصدمة والرعب" [اسم المعركة الأمريكية للإطاحة بصدام]
عملياتها، محتفظة بهذه الروح، في العراق في مارس 2003، مستوى من القوة
كان مقصدها الأساسي هو خلق الفوضى، رغم ما افترضوا أنه سوف يستمر فترة
قصيرة).
على نفس المستوى، قفزت
اكسون موبيل، وهاليبرتون، ولوكهيد لتنتهز فرص السوق التي طرحتها أحداث
ما بعد 11 سبتمبر. هذا الشركات، بإقدامها على فعل ذلك، ساعدت على
تحويل "الاقتصاد بالعرض" في التسعينات، والذي شهدت قطاعات عديدة منه
معدلات نمو مستمرة، إلى "الاقتصاد بالعمق" في الألفية الجديدة، والذي
استعاد فيه قلب الصناعات "القديمة" مثل البترول والدفاع والآلات
الثقيلة نصيبا غير متناسب من أرباح الكوربوريشن – وهو الوضع الذي من
غير المرجح أن يفقدوه طالما ظلت الفوضى هي الملك في الاقتصاد السياسي
الكوكبي.
الرؤية الأقل تمثلا
لتفاؤل بوليانا [شخصية أسطورية رمز للتفاؤل] عن الفوضى القادمة تم
التعبير عنها في تقرير ’رؤية لعام 2020‘، الذي هو الرسالة التي توجه
مهمة قيادة الفضاء الاستراتيجية الأمريكية (والمنشورة في عام 2000).
تفترض هذه الوثيقة أن العولمة انتهت بلعبة كوكبية نتيجتها صفر من
الرابحين والخاسرين. في مثل هذا السياق، يجب أن يستعد الأمريكيون
للقيام بما قد يتطلبه الأمر من اجل "الانتصار"، مهما كان، بما فيه،
طبعا، الهيمنة على الفضاء من أجل "حماية مصالح الولايات المتحدة
واستثماراتها". ما لم تذكره قيادة الفضاء، رغم أنها أصبحت منذ ذلك
الحين محل الاهتمام الطاغي عند إدارة بوش (كما تكشف الملفات السرية
لقوة مهمات الطاقة برئاسة تشيني) ما لم تكشفه قيادة الفضاء هذه هو كيف
أن الوصول المتوقع لحقبة "الذروة البترولية" [وصول إنتاج البترول إلى
قمته التي سوف ينخفض بعدها انخفاضا لا رجعة فيه] ومستويات الفوضى في
الطاقة الكوكبية التي من الأكيد أن تصاحب ذلك سوف يكون لها تأثيرا
مضاعفا على الظروف المتضمنة في السيطرة على احتياطات البترول الهائلة
في العراق. التنافس المتنامي مع الصين العطشى للطاقة، ولحدود أقل، مع
الاتحاد الأوروبي هذا التنافس قد ضاعف كثيرا من هذا الاهتمام، وساعد
هذا التنافس على إنتاج حالة تستحق فيها احتمالات الخسارة الجانبية
الناتجة عن الغزو والاحتلال الطويل المدى للعراق، على الأقل نظريا،
المخاطرة بقدر جيد.
اللعب بكارت الفوضى في
العراق
مع الأخذ في الاعتبار
الفوضى والعنف اللذان يصيبان حاليا كثير من عرب العراق، خصوصا مناطقه
السنية، من الصعب تخيل أن إدارة بوش قد تعمدت مثل هذه النتيجة للغزو
والاحتلال اللذين انتظرتهما طويلا. طبعا، كل واحد منا قد يبتهج دون شك
لو أن الفوضى المباشرة ما بعد الغزو قد أفسحت الطريق لجنة السوق الحر
الديموقراطية على ضفاف دجلة. ولكن بينما جزء ملموس من الفوضى في
العراق قد نتج عن عدم كفاءة الجنود (أو ربما عدم الانشغال تماما
بالخسائر الجانبية للسياسات المنفذة)، بعض من هذه الفوضى ما زال يرى
على أنه يخدم مصالح رغبات سياسة إدارة بوش، رغم ما تكبده من تكلفة
عالية. حتى رغم الخسائر الجانبية للفوضى التي أطلقها بوش من عقالها
والتي تزحف الآن نحو مكتب كارل روف في البيت الأبيض وبداية التفاف
الطوق حول نائب الرئيس ديك تشيني، فنحن في حاجة إلى تدبر ما هي الوسائل
الأخرى التي قد تستخدمها هذه الإدارة لتحقيق ثلاثة من أهم أهدافها في
العراق:
أول أهدافها منذ زمن
طويل قد كان هو الاحتفاظ بوجود عسكري (مختزل كثيرا) في ذلك البلد يغطي
المستقبل المنظور. تمضي هذه الإدارة في القول بأنها سوف تغادر البلد
إذا ما طلب منها ذلك؛ ولكن الفوضى المستمرة والصدام، الذي يشعله لحد
كبير الوجود المستمر للقوات الأمريكية، يضمن أن حكومة بغداد الضعيفة
حتى الموت المتمترسة بالمنطقة الخضراء، والتي من غير المحتمل أن تظل
على قيد الحياة دون الحماية الأمريكية، لن تستطيع أن تطلب مثل هذا
الطلب. ثاني أهدافها هو ضمان دورا مهيمنا للشركات الأمريكية في تطوير،
وإنتاج، ومبيعات الاحتياطي الواسع لبترول البلاد. فعلا، ما سمحت به
قوة مهمات الطاقة برئاسة تشيني من وثائق قليلة للنشر علنا، كشف أن
القلق من خسارة العراق لصالح شركات النفط الأوروبية، مجتمعا مع عطش
الصين الذي لا يروى للبترول والمخاوف من أن الصين سوف تعتدي على مجال
نفوذ الولايات المتحدة الاقتصادي وهيمنتها، كانت أسبابا هامة للحرب.
لو كان العالم حقيقة قد دخل حقبة التنافس نتيجته صفر حول الاحتياطيات
الباقية من البترول، سوف تكون العراق هي الجائزة التي تستحق أن يسفك من
أجلها الدماء لضمانها في اليد – والفوضى مهما كانت العواقب المؤلمة،
وهي الاستراتيجية التي تحمل إمكانيات تستحق أن نتبعها.
الهدف النهائي للإدارة
قد كان الاستمرار في خصخصة الاقتصاد العراقي الكارثية وبالجملة – وهو
الشيء الذي كان من غير المرجح قبوله من طرف شعوب أي بلد في الشرق
الأوسط، كما حذر منه البنك الدولي، لأن هذه الشعوب تمتلك أدوات
المقاومة. من الواضح أنه وضعا أصعب بالنسبة للشعوب أن تقاوم وحياتها
قد ألقي بها إلى أتون الفوضى. في الواقع، معظم من في الشرق الأوسط قد
تجنب الركوع أمام الضغوط الأمريكية لإقرار نوع من الإصلاحات الواسعة
وإصلاحات التعديل الهيكلي التي تنشر مزيد من الفقر وعدم المساواة عبر
الجنوب العولمي. وكما يرى أعضاء أساسيون في إدارة بوش المسألة، قد
يفعل العراق للنيوليبرالية في الشرق الأوسط ما فعلته تشيلي لها في
أمريكا اللاتينية.
طبعا، الأغلبية الواسعة
من العراقيين تعارض كل من هذه الأهداف الثلاث. إلا أن الدستور الذي قد
أقر توا – وهو وثيقة دبجتها الوساطة الأمريكية بشكل جوهري – هذا
الدستور تحاشى تماما مناقشة أي من هذه المشاغل الثلاث. من الصعب تصور
أن مثل هذه النهاية سوف تكون أكثر احتمالا مع مناخ أكثر سلاما عندما
أظهرت الاستطلاعات أن أكثر من 80% من الشعب العراقي تعارض الوجود
العسكري الأمريكي والسياسات التي يفرضها هذا الوجود.
ربما قد لخص خوان كول
بأحسن ما يكون كيف ولماذا أصبحت الفوضى ديناميكية محددة في العراق: فقد
قال مؤخرا، "العراق كانت مثل كنز في خزانة حصينة... هذا الشيء الواضح
الذي عليك أن تفعله هو أن تمسك بعتلة حديدية وتكسر قفل هذه الخزانة".
التعلم من الإسرائيليين (كما هو معتاد)
لو أن مثل هذه الفوضى
المخطط لها كانت مقصورة على العراق، لكنا ربما قد استطعنا رؤيتها كشيء
شاذ أكثر من رؤيتها كجزء من ديناميكيات أكبر للعولمة المعاصرة. ولكن
دراسة بلاد من أفريقيا إلى الاتحاد السوفيتي السابق قد أظهرت أن الفوضى
– سواء "الخلل الممنهج" في أفريقيا جنوب الصحراء أم الـ "
bardok
" في آسيا الوسطى – يضع المعالم المحددة للحياة السياسية عبر "قوس من
عدم الاستقرار" المتسع أبدا والممتد عبر ثلاث قارات. وفلسطين على نحو
خاص هي مثال جيد على كيف أن الفوضى يمكنها أن تخدم المصالح السياسية
لسلطة الاحتلال. لقد كان منذ زمن طويل سرا مفضوحا أن الولايات المتحدة
قادت عمليات تدريب مكثفة بمساعدة قوات الأمن والدفاع الإسرائيلية من
اجل التجهيز لحروب المدن وممارسات الاستجواب في العراق. وفي سياق
مناقشة أفضل السبل لتعذيب و"استجواب" المتهمين بالاشتراك في أعمال
التمرد، لم يكن من غير المرجح أن الإسرائيليين قد شاركوا بخبراتهم في
تصعيد الفوضى من أجل إنهاك المجتمع الفلسطيني، خصوصا منذ اندلاع
انتفاضة الأقصى وسقوط اتفاقيات أوسلو.
وكما جاء في مناقشة
العالم الاجتماعي الإسرائيلي جيرشون باسكن، سياسة آريل شارون أحادية
الجانب ردا على فشل المفاوضات وجدت قبولا عاما من أغلبية الإسرائيليين
لحد كبير لأنهم رأوا في "الفوضى التامة" عبر الضفة الغربية كلها وفي
"حكم البندقية" في غزة "المحررة" حديثا شاهدا على أن "السلطة الوطنية
هي ضعيفة جدا للحد الذي لا يمكنها من أن تحكم" دولة فلسطين المستقلة،
أو حتى لا تستطيع التفاوض حول تأسيسها. ما يشترك قليل من الإسرائيليين
معه في هذا الموقف، مع ذلك، هو اعتبار أن السياسات الإسرائيلية قد خلقت
بشكل منهجي هذه الفوضى نفسها للدرجة التي تستخدم بها الآن كمسوغ لاتخاذ
خطوات أحادية الجانب مثل الانسحاب من غزة وفي نفس الوقت تشديد السيطرة
الإسرائيلية – حرفيا – على كثير من مناطق الضفة الغربية.
إلا أن جذور استراتيجية
الفوضى الاسرائيلية لا تكمن في اندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000،
أو في سياسات استبداد الفرد والسياسات الفاسدة عن ياسر عرفات. بل
بالأحرى تعود جذور استراتيجية الفوضى إلى الزمن الماضي في 1994 – نفس
السنة التي أقام فيها بول وولفوويتز، الذي كان وقتها عميد جامعة جون
هوبكينز، مؤتمرا حول "الفوضوية الآتية". في ذلك الوقت أيضا كان يتم
توقيع بروتوكولات باريس لاتفاقية أوسلو. هذه الاتفاقيات، وهي نادرا ما
تذكر أثناء مناقشات أسباب فشل أوسلو، حبست الفلسطينيين في علاقة كارثية
نيوليبرالية مع إسرائيل حتى تنتهي مراحل عملية أوسلو. حدث هذا بالضبط
عند اللحظة التي أغلقت فيها إسرائيل على نحو أو بآخر المناطق المحتلة
بشكل دائم. وبعيدا عن الصناعات القليلة التي يديرها فلسطينيون تربطهم
روابط بإسرائيل، فقد دمر هذا الإغلاق تقريبا ما كان يعتبر حينئذ
اقتصادا فلسطينيا متواضعا ولكن ناميا، وقاد إلى هجرة زاحفة ولكن كارثية
للطبقة الوسطى في البلاد، وفي الأخير ساعد على خلق اقتصاد "مخنوق بشد..
ومدمر" أي ، بكلمات تقرير التنمية البشرية الفلسطيني لعام 2004، "ناضجا
للفساد".
في سياق العقد التالي
لذلك أن ابتلعت الفوضى الزائدة غزة والضفة الغربية لدرجة أننا يجب أن
نقرأ الطوفان الحالي من المقالات الاقتتاحية الأمريكية الإسرائيلية
التي تمنح نصائحها مقدما للانتخابات الفلسطينية القادمة وعن الكيفية
التي تستطيع بها الولايات المتحدة وإسرائيل مساندة "سلطة" رئيس السلطة
الفلسطينية محمود عباس. كما في حالة الثوار العراقيين، تركيبة من
المتطرفين الدينيين (أي، حماس) و"عشائر" و"قبائل" يوصفون بشكل متزايد
على أنهم يتحكمون في حالة من "انعدام القانون". ولأنهم قد ضبطوا وهم
رؤوس للفتنة التي تعصف بالفلسطينيين، "الليبراليون" الإسرائيليون مثل
الجنرال الإسرائيلي السابق افرايم سنيح يستطيع أن يجادل في أمان أن
حماس هي "الخطر الأعظم" ضد الفلسطينيين حتى بأكثر من خطر إسرائيل.
ما يجعل مثل هذا
المحاورة مثيرة لهذه الدرجة هو كيف أنها تخدم أغراضها بشكل حسن: مع
فوضى وعنف الانتفاضة التي غمرت بهما الاقتصاد الفلسطيني "في أزمة
عميقة"، ومع معدلات فقر وسط السكان تتجاوز 50%، معظم استطلاعات الرأي
الأخيرة عن الاتجاهات بين الفلسطينيين تكشف أن فكرة إنهاء الاحتلال
الإسرائيلي للضفة الغربية قد أصبحت حلما بعيدا، وهو المصير الذي تأمل
إدارة بوش أن تكرره في النسخة التي تأتي مع فكرة العراق الحر والخالي
من الأمريكيين.
في واحدة من محاولاته
الدورية لمساندة التأييد الجماهيري للاحتلال، طرح الرئيس بوش المخلص
التالي بأسلوب الإعلانات عن السياسة الأمريكية في العراق: "إذا ما تشدد
العراقيون، أرخينا نحن". هذا من السهل قوله ولكنه يبقى على نحو مفرط
من الصعب على العراقيين التشدد طالما يحوم الأمريكيون فوق رؤوسهم في
دوامات من الفوضى. الفوضى التي تشبه صناعة السياسات هي مهمة مرعبة،
حتى بالنسبة للقوة العظمى الوحيدة في الكوكب. في النهاية، الفوضى
المستعرة في أنحاء العراق على يد واشنطن قد تسقط فقط التجسد
الإمبراطوري الأمريكي الأخير. بالنسبة للآن، مع ذلك، لا إدارة بوش،
ولا الفوضى من المرجح أن تكون أقوى من العراق.
مارك ليفاين استاذ تاريخ وثقافة الشرق الأوسط المعاصر والدراسات
الإسلامية بجامعة كاليفورنيا بإيرفين