اربعة كيلوجرامات من
التفاح بخمسة شيكلات. حنجرة البائع الجوال خشنة، رغم أنه يستخدم مكبر
للصوت. السعر منخفض للغاية ومع ذلك لا يوجد مشترون. هكذا كان يمشي في
حواري وأزقة معسكر اللاجئين – معلنا عن بضاعته من على مصطبة معدنية فوق
جراره القديم، بينما تصرصر عجلاته وهي تصعد به تلا متهالكة تكاد تنقلب
به. لا يوقفه أحد، لا أحد يشتري أربعة كيلوجرمات من التفاح مقابل خمسة
شيكلات.
فلاح يبيع بضاعته من أحد
القرى المجاورة يحاول بيعها لقاء قروش قليلة، يأخذ قسطا قليلا من
الراحة كلما تسنى له ذلك، يوقف جراره ويحملق في الشوارع الخالية التي
تعاني من الانهاك. هذا المعسكر منهك للغاية. مستنفذ في المعارك،
مستنفذ بالفواجع، مستنفذ بالدمار، مستنفذ بإعادة التأهيل، بالاحتلال.
لا يوجد هنا بيت واحد ليس به عويل؛ كل شقة سكنية مجددة تحمل "تذكارا".
رغم أن كل الأبنية في المعسكر التي دمرت في الغزو الذي نسميه عملية
الدرع الواقي قد أعيد بناؤها – احدهم قد دمر مرة أخرى – وواجهة هذه
الأبنية كريمية اللون قد كستهم بمظهر جذاب، فلا يستطيع المرء أن يخطئ:
هناك تعب رهيب يحيط بالمكان.
الرجل المتعب المتجول،
الآتي من لا مكان والذاهب الى لا مكان داخل المعسكر المضروب والمسجون،
هو الآن أكثر تعبا وكدا في أيام الصيام هذه، والتي سوف تنتهي بنهاية
الاسبوع القادم مع بداية عيد الفطر. عندئذ سوف يشتري الأطفال ثيابا
جديدة، وللحظة سوف يحاول السكان أن يضفوا على معسكر التعاسة هذا مظهرا
احتفاليا. ولكن فقط للحظات. حتى ذلك الوقت سوف ينتقلون من أمسية
يتناولون فيها طعام الإفطار الى أمسية أخرى، بين ساعات الصيام الطويلة،
من مشرق الشمس الى مغربها، شهر كامل دون طعام، دون ماء شرب – وأساسا
دون تدخين.
جمال زبيدة، عضو لجنة
المعسكر، يكسر صيامه بكوب ماء وسيجارة، ثم يتناول سيجارة أخرى، وأخرى،
ثم طبق حساء وبعدها وجبة الطعام. يظل ساهرا حتى الصباح، يدخن حتى
الموت، علبتان من السجائر في الليل أثناء رمضان بدلا من الأربعة علب
التي اعتاد تدخينها في الأيام العادية. أثناء أيام حظر التجوال
والفقر، اعتاد أن يقوم بلف سجائره؛ وأثناء فترات "الرفاهية" الاقتصادية
اعتاد أن يدخن السجائر الفرنسية من نوع جولواز، في سياق الحرب ضد
الإمبريالية الأمريكية. الآن هو يدخن سجائر فلسطينية الصنع.
زبيدة، الماركسي السابق،
بدأ يصوم منذ أربع سنوات. وهو يذهب أيضا الى المسجد في رمضان. "الأمر
مثل الزلزال، عندما يغرق كل شيء"، هكذا يتحدث في لحظة شاعرية، على غير
طبيعته الغير شاعرية، متذكرا سقوط الشيوعية وغزو قوات الدفاع
الإسرائيلي في نفس الوقت وفي نفس واحد. زبيدة، الأريستوقراطي الذي
عانى طويلا والبطل الذي تعرض للاعتقال الإداري ست مرات، مر بتجربة هدم
منزله مرتين. فقد زبيدة العديد من أعضاء عائلته أثناء الغزو، وجر
أجسادهم الى مدافن مؤقتة فقيرة في باحات المنازل – متذكرا عمله كحفار
قبور في إسرائيل. لا يؤمن زبيدة بالله، ولكنه يؤم المساجد هذا الشهر.
رمضان كريم. مثل جمار هاتيما توفا (التهنئة بيوم عيد الكيبور).
وصياما مريحا مقبولا.
هذا العام، أتى رمضان
بالخريف معه، وسماء جنين غطتها السحب العالية. تبعثر الحافلات الصغيرة
عشرات الأطفال من المدرسة في رحلة واحدة، وسوق الفاكهة تملأه البضائع
وخال من الناس. مصادفة، يمكنك رؤية رجلا مسلحا يسير بسرعة، وتبتلعه
سريعا أحد الأبنية. على حافة المعسكر يقف هيكل مبنى: أصدر جيش الدفاع
الإسرائيلي أوامره بأن يتوقف بناء المسجد الجديد هنا، لأن التبرعات
المخصصة لبنائه جاءت من إيران؛ واعتقلوا البناءين من أجل استجوابهم.
الاحتلال في كل مكان، في حياتهم، في موتهم، وفي صلواتهم.
يغادرون البلدة كل يوم
من أجل الصلاة في المسجد الأقصى بالقدس. يسمح لمن هم فوق الخامسة
والأربعين فقط بالدخول. تغادر حافلات الحجاج المعسكر في الخامسة صباحا
وتعود بهم حوالي الثامنة مساءا، بسبب الحواجز على الطريق. مدافن الذين
سقطوا في المعسكر تم تمهيدها مؤخرا، والآن يبدو المكان حتى كأنه مدافن
عسكرية، بنمط واحد لشواهد القبور الحجرية ومنظر المساحات بين الصفوف.
كل يوم، قرب المساء،
تأتي عائلات من سقطوا الى هذا المكان في رمضان. علم فلسطين، علم كتائب
شهداء الأقصى، علم حماس يرفرف في نسيم الخريف. الجهاد الإسلامي، الذي
زادت قوته داخل المعسكر خلال السنوات الأخيرة، لم يرفع لنفسه علما.
حارس الجبانة، ذلك البدين الذي يرقد على الأرض بين شواهد القبور، ابنه
الآن في السجن؛ والابن الآخر جرح أثناء الغزو. في الشهر القادم، سوف
تفتح مدرسة للبنات مجاورة للجبانة، وهي بناية جذابة بأبواب زرقاء
وملاعب في المقدمة. ساحات اللعب لهؤلاء الأطفال سوف تكون هذه الجبانة،
الملآنة بالناس أبدا ويمكن رؤيتها من خلال نوافذ قاعات الدرس.
إذا كان هناك أي نظام
يعمل بطريقة ما كما ينبغي له أن يكون تحت الاحتلال فهو نظام التعليم.
مظهر الأطفال الفقراء متأنقين في زيهم المدرسي، بحقائبهم المدرسية على
ظهورهم، أحيانا يسيرون لكيلومترات بسبب الحصار الطويل، هو مظهر يبعث
على الحزن والهم. بالنسبة لآباء كثيرين، تعليم أبناءهم هو أهم شيء.
في الواقع المقبض الذي تحيا فيه أرواحهم، هذا هو شعاع الضوء الوحيد.
هنا نهاية امتحان القبول يحتفل به بإقامة الحفلات، والرسوب في هذه
الامتحانات مصحوب بحزن يحطم القلوب. من الأولاد الأربعة الذين كتبنا
عنهم هنا في مايو، والذين دخلوا امتحانات هذا العام واحد منهم فقط
نجح. وواحد آخر يعمل الآن في خدمة الشرطة الفلسطينية في أريحا. ما
زال الأطفال الأربع أحياء، حمدا لله.
صور الشهيد الأخير،
للأسبوع الماضي، معلقة على الجدران في المعسكر: سمير السعدي، للذكرى
المباركة. إمساكية جديدة توزع مجانا: صورة الأخوان اللذان سقطا أمين
وماهر الكمال تزينها.
د يتجول في الحواري
الضيقة حاملا بندقية هجومية ماركة جاليلون على كتفه ومسدس في جرابه.
لقد ورث المسدس من أخيه الذي قتل؛ ثمن البندقية الجاليلون في المعسكر
قد تبلغ مبلغا يساوي 50 الف شيكل. الرصاصة تساوي 3 شيكلات، ولا يوجد
نقص في البضاعة. أدين أخ آخر له اليوم في المحكمة العسكرية. ما يلي
هو قرار الإدانة الذي وصل اليوم بالفاكس: الأخ متهم "بعضوية جمعية غير
شرعية، وحيازة أسلحة دون ترخيص من القائد العسكري او من في سلطته،
ويقوم بتصنيع القنابل دون ترخيص، ويمارس ممارسات عسكرية دون إذن، وقام
بمحاولة إطلاق النار على رجل ثأرا لموت أمه [التي قتلت في الغزو –
جدعون ليفي]، واطلق الرصاص على شخص، وهي تهمة التآمر بقصد الموت
العمدي". طالب المدعي العام بعقوبة السجن 25 عاما. هدية العيد للسيد
د.
هدم البيت وأعيد بناءه،
بأرضية سيراميك وتم تأثيثه بأفضل ذوق في جنين. حوائط البيت مطلية
بدهان من المينا بألوان باستيلية هادئة. أنفقت العائلة 12 ألف دينار
أردني في تجديد منزلهم، وهو ما يفوق المقاييس المعيارية للبناء التي
تضعها الأونروا (هيئة غوث اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم
المتحدة)، التي أعادت بناء المعسكر بأموال من واحد من أمراء الخليج.
ربة المنزل، الأرملة شريفة ذات الـ 37 عاما، إمرأة حيوية وقوية التي
فقدت في الأعوام الأخيرة زوجا وأخوين في المعارك، بينما أخ آخر محكوم
عليه بالسجن 15 عاما، توزع كثير من الابتسامات الخاطفة العصبية حولها.
"الأطفال هنا كلهم يعرفون أن أباهم قد ذهب إلى الجنة. سألني ابني لو
أن أبوه سوف يعود ومتى، وقد أخبرته أننا كلنا سوف نذهب إليه في يوم من
الأيام".
بهاء الدين، عمره 5
سنوات بالكاد، يسأل الكثير عن أبيه – بأكثر مما تفعل أخته، الأكبر بما
يكفي في السن لتتعرف على أبوها. حتى الآن، عندما تخرج صورة أبوها من
خزانة الملابس، يرتدي الزي العسكري ويسدد فوهة بندقيته، لا تفارق عيون
الولد الصورة أبدا. في الصورة الأخرى، البوستر الذي صدر لذكراه، كان
الأب ممددا توا على نقالة، ميتا. هدم بيت الأسرة في عملية الدرع
الواقي، بعد سنة تقريبا من وفاة الأب، وقد انتقلوا إلى شقة بالإيجار
لمدة عامين. هذا هو أول رمضان يمر عليهم في شقتهم المجددة. كامل
محتويات بيتهم القديم قبل الهدم فقد تحت الحطام، حتى صورة فواز تسلموها
من صديق كان يحتفظ بها في منزله.
البنات الأربع صائمات،
مثل أمهن. تجمعن معا من أجل إفطار رمضان مع أبناء عمومتهن، اليتامي
السبع أبناء أخو شريفة، نضال. في بعض الأحيان يتناول هؤلاء اليتامى
الطعام في هذا البيت المصاب بالفجيعة، وأحيانا في بيت آخر. تقول شريفة
أن رمضان الحالي لا يختلف بشكل أساسي عن رمضان السابق، رغم أن "الناس
أكثر عصبية وضيقا هذا العام".
لماذا؟
تقول شريفة: "ربما بسبب
الغزو. الناس الآن بدأوا في العيش بسلام، ومن ثم تأت الذكريات. حتى
الآن نحن مشغولون بإعادة بناء بيوتنا، ورعاية أطفالنا، والآن نحن نعيش
في بيوت جديدة وبدأنا نسترجع الذكريات. الآن فقط بدأنا في التفكير
فيما قد حدث لنا. نحن نفتقد البيوت التي دمروها لنا، البيت المدمر
يأتي لنا بكثير من الذكريات. نحن نفتقد زوجي وأخوتي، والطريقة التي
كنا نعتاد الاجتماع بها في رمضان. هذا الصيف حدثت أربع زيجات هنا،
وكان هناك كثير من الناس الذين فقدوا أفراد من عائلاتهم، وقد حدث هذا
بين حفلات الزفاف وأيضا بين المنازل المجددة".
متى
كان أسعد رمضان بالنسبة لك، ومتى كان رمضان الأكثر حزنا؟
"كان كلاهما خلال عام
واحد. رمضان الماضي كنت مع زوجي، ورمضان الأول دون زوجي".
أخان وزوج موتى، وبيت دمروه. هل أصبحت أكثر تدينا، أم نأيت بنفسك عنه؟
"لقد أصبحت أكثر اقترابا
من الدين. شعرت أنني فقدت أشياء كثيرة، وأحاول أن أجدهم في الدين.
حتى تصبح أكثر قربا من الله. في الأوقات الصعبة مثل هذه الأوقات، لدى
المرء خياران: إما ينقلب المرء إلى الله، أو يبعد عنه. اخترت أن اقترب
من الله. الله يعوضني عن زوجي وعن أخوتي الذين قتلوا. كل شيء من
الله".
لذا
ألست حانقة على ما حصل لك؟
"ليس هناك أي حنق
داخلي. كل شيء من الله".
ولا
حنق على الأقل على إسرائيل؟
"اعتقد أن كل شيء من
الله، ولكن كل الناس يحنقون على عدوهم، ويكرهونه".
لذا
هل تكرهينهم أكثر الآن؟
"كيف اجيب على سؤالك
هذا؟ لقد كرهت من قبل وأكره الآن. حتى قبل أن يقتلوا زوجي وأخوتي،
كثير من ناسنا قتلوا".
عائلة شريفة هي واحدة من
عائلات اللاجئين من أم الفحم. زوجها دفن في مدفن، وأخواها دفنا في
مدفن آخر. نادرا ما تزور شريفة قبورهم. فهي لا تحب الذهاب إلى
المقابر وتعتقد أنه يكفيها أن تقرأ آيات القرآن على روحهم، في منزلها.
لم تذهب أبدا إلى إسرائيل، ما عدا زيارة واحدة العام الماضي. ولا تريد
هي أن تكون هناك. قابلت شريفة فقط الإسرائيليين الذين يرتدون الزي
العسكري.
كيف
يمكن أن يصبح العدو شيئا آخر في نظرك؟
"لو أطلقوا سراح كل
السجناء وأعطونا دولة – ربما. بهذه الطريقة لن نفكر في أن زوجي وأخواي
قد قتلا بلا طائل".
هل
فكرت مرة في أن تغادري بلدك إلى بلد آخر أكثر أمنا؟
"أبدا. طبقا لديننا،
حرام علينا أن نهرب من الحرب. هذا يحرمك من دخول الجنة. لو كان مقدرا
لك أن تموت هنا، سوف تموت هنا".
بماذا تحلمين؟
"لست إمرأة تطلب أشياء
كثيرة. فقط أن يتعلم الأولاد وينهون دراستهم".
هل
رأيت البحر مرة؟
"البحر تقصد أم المياة؟
هناك كثير من المسابح [حمامات السباحة] في جنين. ذات مرة، عندما كان
زوجي ما زال حيا، شاهدنا البحر في طبرية".
متى
كان آخر مرة بكيت؟
"أنا أبكي طول الوقت.
ليس هناك آخر مرة. ولكني لا أبك بسبب موت زوجي، ولكن بسبب أطفالي"
حماة شريفة هي التي سوف
تتولى مسئولية إعداد الطعام هذا المساء. الكرنب والسلاطة وحساء العدس،
والدجاج والحلوى. "لما لا تمكث وتتناول طعام الإفطار معنا؟"
ولكننا الإسرائيليون الذين تكرهينهم.
"لم تكن أنت الذي قتلت
زوجي".
-
تعقيب من عبد الله أبو شرخ - غزة
-
http://www.gazanet.net/