التاريخ المنسوخ وإستراتيجية الاعداد الفكري والثقافي للشعوب

بقلم : باسم العبيدي

26 اكتوبر 2005.

في حاضرنا القائم الذي هو جزء من الماضي القريب إختلفت الوسائل والاليات في التعبئة والاعداد لبناء ثقافة المواجهة ,  والتاريخ كان ومازال النقطة الرئيسية في تحشيد الجماهير وقلب موازين المجتمع العقائدي نحو إستراتيجية المواجهة والهدف المرسوم لها . وبما أن التاريخ هو أحد الأركان الرئيسية في بلورة ثقافة الشعوب وترسيخ كياناتها على الخارطة الجغرافية , والذي يعتبر متجانسا كليا مع جغرافية المكان ,  لـذلـك فإن التاريخ هو الزمان القائم على برهان وثيقة المكان  , والتاريخ بدون جغرافية كنسمة عـابـرة والجغرافية بدون تاريخ كأرض قاحلـة .

ومن هذا المنطلق نشير الى ان التاريخ في حاضرنا اليوم أصبح جزءاً رئيسياً من قواعد لعبة الهيمنة وبرنامج إستقطاع الاراضي ونهب ثروات البلدان وفرض الشرائع والدساتير ومن ثم صياغتها ونحتها على مسلة القانون الدولي كأحكام أصولية في مجلس الامن . ولاعتبارات تصنيف التاريخ , فقد شكل لدينا تاريخ الانسان وتاريخ الجيوش وتاريخ الفنون وتاريخ العقائد والاديان ومن ثم تاريخ الانتماء وتاريخ الارض . وعلى ضوء برنامج العولمه نشأ لدينا تاريخ الشيعه وتاريخ السنه وتاريخ الاكراد ومن يدري ربما غدا سوف يكون لدينا تاريخ الامازيغ والسواحلية والاقباط والاحباش وماعليك سوى ان تجد جغرافية لها ومن ثم تدعوها كما تشاء كأمبراطورية ( ؟.......) , وهكذا تنشأ حضارات التاريخ الحديثه على تاريخ الشعوب والامم العريقه لتمزيق الهويه القومية ومن ثم الهوية الدينية فيما بعد لتحقيق برنامج العولمه والتدجيـن الثقـافــي .

هكذا إستخدمت هذه المادة العلمية في حاضرنا المعاصر الذي هو جزء من التاريخ الحديث كأداة إستراتيجية لتحقيق مأرب أستعمارية , فحين ينسف تمثال ابو جعفر المنصور في العراق في منطقة المنصور في العاصمة العراقية بغداد , فإنة لايشكل قيمة مادية كبيرة بـقـدر ما هي  قيمة معنوية ورمزية , حيث أن أبو جعفر المنصور هو أحـد خلفـاء الـدولـه العـربيـة الاسـلاميـة ومـؤسس مـدينـة بـغـداد التـاريخيـة  والتـي تجسـد مركـز وحضـارة وتـراث الدولة العربية الاسلامية وطابع الانتماء لها . ولا يخفى علينا أيضاً  الدورالخبيث التي لعبته الايادي الخفية ومأربها في هذا الاجرام , التي ماهي إلا رسالة الى  العالم العربي والاسلامي , وماهي الا مرحلة لصياغة مفاهيم التاريخ المنسوخ بعد تجريد التاريخ الاصلي لبناء إمبراطورية التاريخ سواء كان التاريخ العرقي أو التاريخ الطائفي , وربما هو ليس بالنموذج الجديد على برنامج استراتيجيات التهميش والتجريد لهويات الشعوب كما حدث التهميش لثقافة الهنود الحمر في أمركيا الشمالية والسكان الاصلين في أستراليا والافارقة في جنوب أفريقيا . كما أن التاريخ لعب دورا في صياغة ثقافة الدولة وهويتها القومية كذلك اللغة التي  تعتبر مفتاح ومدخل  لقراءة التاريخ . فعندما يكتب التاريخ باللغة الانكليزية ويعمم على إعتبارات أنها لغة دولية ويقرأها أبناءنا المغتربين من الجالية العربية أو من الجاليات الاسوية أو الاوربية أو الافريقية  لغرض الدراسة ,  فانها تفرض عليهم كمنهج ونصوص ضمن خطة برامج علمية وتربوية في المؤسسات التعليمية , حينذاك يقرأ الطالب (تاريخ زراعة شجرة الزيتون وصناعة زيت الزيتون قبل  6000 سنة في أرض اليهود وان اليهود هم من اكتشفها حينما كانوا سكان  تلك المناطق في  جبل الخليل) كما هو مذكور في نصوص المناهج التربوية التي لدى الغرب الاوربي , ونشير هنا الى كل البلدان التي تعتبر اللغة الانكليزية اللغة الرسمية لها  كما جاء في هذا النص التالي :-

A 6000-year-old history
Olive trees generally thrive in a lime-stone rich, dry, stony soil that is well exposed to the sun. These conditions are found in most of the countryside around the cities of Galilee and indeed tradition has it that the famous Mount of Olives faces Jerusalem. Ancient Judaic farmers considered that it took ten years before good harvest could be expected, and thirty years before maximum harvest could be reached the Jews only began to eat olives and use olive oil after they became a settled people .the cultivation of their olive tree is long lived .can reach 12 meter’s in height and produce 120 kilos of olives. Which meant at least 25 litter’s of the olive oil in those days.

هذا ماجاءة في النص المنهجي لبرامج التربية والتعليم للدول المذكورة أنفاً , ويمكنكم الاطلاع على التاريخ الاصلي المدون وسوف نلاحظ عمليات النسخ والتزيف .

إذا قبلنا فكرة منشأ وإكتشاف الزيتون في فلسطين كفرضية غير ثابته لان تاريخ إكتشافه وصناعة الزيت منه يعود الى سوريا كما ثبت في الوثائق القديمة المدونه , فإننا سوف نجد أن من كان يسكن فلسطين قبل 6000 سنة هم قبائل الكنعانيون الذين كان أحد ملوكهم هو من اليبوسين الذي جاءت تسميتهم من مدينة يبوس  والتي هي في حاضرنا اليوم  تسمى  مدينة القدس الشريف وكان ملكها إسمة ( مليك صادق ) ويعود نسبه الى إيليا بن أرم بن سام بن نوح علية السلام ,  ويطلق علية ملك السلام الذي جاءت منه تسمية أورشليم من سلام وشالوم قبل أن يغتصبها بني إسرائيل . أما تاريخ الزيتون فيعود في واقع الامر الى سوريا حيث وجدت جرات من زيت الزيتون في موقع مملكة ايبلا الاثرية (4000) سنة قبل الميلاد وقد أجمع العلماء على أن سوريا هي أول من عرف زراعة الزيتون  كما  وصل إنتاج زيت الزيتون أنذاك الى مايقارب (700) طن , وكان يستخدم في التبادل التجاري بين مصر وميناء ( أوغاريت ) الاثري على الساحل السوري والتي انتشرت فيما بعد الى بلدان حوض البحر المتوسط والى جميع أنحاء العالم .

إن من يقرأ مثل هذا النص التاريخي المنسوخ المذكور أعلاه وباللغة الانكليزية ,  يمكن أن يصدق ما جاءة ذكرة , ويمكن ان ينشأ جيل يؤمن بقضية إسرائيل ككيان تاريخي من خلال التوثيق المنسوخ بأشجار الزيتون كوسيلة للاقناع والاثبات , وخاصة عند تلك الجاليات التي لاتملك تلك الخلفية الثقافية عن تلك البلدان ما خلف الحدود والمحيطات وحقائق التاريخ الحقيقي بكل تفاصيلها سواء كانت إجتماعية أو أقتصادية أو سياسية أوفنية أو أدبية ومراجعها الحقيقية . إن الاداة  الدعائية الثقافية (الاعلامية) هي أحد مقومات الخلود والتوثيق , وإحياء التراث والتاريخ للامم والشعوب . وقد إختلفت الوسائل الدعائية الاعلامية لتحقيق فكرة تقويم التاريخ على أسس عملية  الترويج عنها في كل المنتديات والمناسبات بل وحتى في تفاصيل حياتنا اليوميه الخاصة وحتى في منازلنا بدون أن نشعر بهذا المختزل  لهذة الافكار وخاصة عندما يغيب الادراك والوعي عن ساحة المجتمع الاستهلاكي .

لذلك فإن الترويج عن  التاريخ  وتقويمة موضوع بالغ الاهمية ,  والتعبير عنه ضرورة ملحة  في كل مجالات الحياة ولابد منها ليس فقط على المستوى الاقليمي العربي بل على صعيد  الساحة الدولية والعالمية , والتعبير عنه من خلال القصة والفن والمسرح والاعلان التجاري للمواد الغذائية الاستهلاكية وفي كل اللغات العالمية الحية لترسيخ التاريخ والثقافة العربية الاسلامية . ويا حبذا أن يدركها القائمون على تلك المؤسسات التجارية الاعلامية والمبادرة بصياغة الاعلان التجاري الذي يجسد المنتجات التجارية بالتراث والتاريخ العربي والاسلامي  كماركة عالمية سواء كانت مقروءة او مصورة قبل أن يصدق العالم فكرة التاريخ المنسوخ الدخيل يوما من الايام , وقبل أن نكتشف يوما من الايام أن عقارب الساعة تدور في الاتجاه المعاكس . 

باسم العبيدي، كاتب عربي عراقي مقيم في استراليا مناهض للحرب والعدوان الامريكي على العراق

كفاية - من نحن - انضم إلينا - المصادر - الإصدارات - التقارير - الأرشيف