بفضل بوش،

رمضان في سوريا تسوده الكآبة

فرح حسن

15 أكتوبر 2005.

في أوائل أكتوبر، بدأ أكثر من مليار من المسلمين في أنحاء العالم الامتناع عن الأكل والشرب والتدخين والجماع الجنسي من الفجر حتى غروب الشمس صوما لرمضان، أكثر الشهور الإسلامية قداسة.  شهدت مظاهر الفرح التي تلازم شهر رمضان في سوريا العام الماضي.  وأتذكر هذه اللحظة الجماعية المدهشة التي تكسر فيها العائلات المسلمة من كل الطبقات صيامها عند غروب الشمس مرة واحدة.  معظم الناس تنهي مساء يومها بالذهاب إلى المساجد المزدحمة من أجل صلوات التراويح.  خلال هذه الأيام الثلاثين، تنافس المياه شراب الأمبروسيا في مذاقه المنعش، ولا شيء أكثر بركة من قضم التمرة المسكرة التي جففتها الشمس.

حدث هذا قبل اغتيال يوم عيد الفالنتاين لرئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، الذي أدى مصرعه إلى تصاعد حملة الولايات المتحدة لزعزعة استقرار نظام الرئيس بشار الأسد.  في أكتوبر الماضي، شعر الأصدقاء في دمشق بالتفاؤل عندما أحسوا أن الرئيس جورج بوش سوف يخسر انتخابات الرئاسة لفترة ثانية. تمنى المرء حتى أن كيري المنتصر سوف يمنح المنطقة "بعض الراحة من حرب أخرى ذات صناعة أمريكية ويمنح أيضا طريقا مفتوحة لتحسين العلاقات السورية الأمريكية".

عندما أعلن الراديو انتصار الرئيس بوش، قال لي أحد أصحاب حوانيت العاديات في الحي القديم بدمشق، "عودي لنا بسرعة.  قد لا نكون هنا، إذا ما شق بوش طريقه إلينا".  كان يطلق نصف نكتة.  هذا العام، سوف يكون رمضان قاسيا في دمشق – وفي بغداد، وكابول وطهران وسائر المدن الإسلامية الكبرى.  الفلسطينيون - المسلمين وغير المسلمين – الذين يحيون في المعسكرات العفنة عبر الشرق الأوسط كله، بما فيهم حوالي 500 الف لاجئ في سوريا، سوف يشهدون رمضان آخر يمضي وهم ما زالوا لاجئين بدلا من مواطنين يعيشون على أرض بلادهم.

لا الشعوب التي تعاني ولا الحقائق القاسية تمتلك وزنا عند زمرة بوش.  سوف يقدم المحقق العام للأمم المتحدة ديتليف ميليس تقريرا كاملا لمجلس الأمن في نهاية أكتوبر.  فعليا، تظل واشنطن واثقة من أن ميليس سوف يورط بعض من كبار المسئولين في دمشق في قضية مقتل الحريري.  واحد من هؤلاء الذين تتأكد واشنطن أن ميليس سوف يوجه لهم الاتهام بالاسم أخرج نفسه من هذه الورطة.  في الثاني عشر من أكتوبر، انتحر وزير الداخلية السوري غازي كنعان في مكتبه بدمشق.  محققو الأمم المتحدة كانوا قد قاموا باستجواب هذا العلوي البارز، الذي كان قد ترأس الاستخبارات العسكرية السورية في لبنان من 1982 حتى 2002.  كيف سيؤثر هذا الرحيل الدموي على عملية الاستقصاء التي تقوم بها الأمم المتحدة وعلى استقرار حكومة الرئيس الأسد؟  التكهنات تدور حول ما هي التدابير العقابية الجديدة التي سوف تتخذها الولايات المتحدة ضد سوريا الواقعة تحت عقوبات فعلا منذ زمن – بغض النظر عما يقوله تقرير ميليس.

تحافظ إدارة بوش على نبضها التبشيري – على الأقل كرطانة خطابية – لإعادة هيكلة الشرق الأوسط، رغم الصعوبات الهائلة التي يصادفها الجيش الأمريكي في العراق وأفغانستان، دون أن نذكر الهجمة المدمرة للطبيعة على ساحل الخليج.  بوش نفسه يبدو متغافلا عن حقيقة أنه تحت الراية العالية لنشر الحرية والديموقراطية ومحاربة الإرهاب، أنه قد نشر حربة الموت ذات الرأسين من عدم الاستقرار الكوكبي والعسكرة. سياسته أحادية الجانب ومسلك القوات الأمريكية لم تكسب العديد من القلوب والعقول بين المسلمين والعرب الذين أنهكتهم الحروب على السواء.

أمينة سر بوش ووكيل وزارة الخارجية كارين هيوز رقصت رقصة أهل تكساس ذات الخطوتين في السعودية ومصر وتركيا في سبتمبر الماضي في جولة من خمسة أيام بهدف إصلاح صورة الولايات المتحدة في العالم الإسلامي.  ولكن قوالب كلماتها المحفوظة لم تستطع إطفاء السخط الملموس على توجهات السياسة الأمريكية.  حتى الجمهور المنتقى لها بعناية مسبقا خرج غير مقتنع بتحليل هيوز الرقيق والسطحي كقشرة البصل عن مشاكل الشرق الأوسط: "حتى نستمر بالسلام، أحيانا تعتقد بلادي أن الحرب ضرورية".

أثناء لقاء في اسطنبول، الناشطة الكردية فاطمة نيفين فرغون ذكرت السيدة هيوز بالتالي، "الحروب تقضي تماما على حقوق المرأة، ويأتي الفقر بعد الحرب – وتدفع النساء الثمن" (واشنطن بوست، 29 سبتمبر 2005).

في 30 سبتمبر، وزيرة الخارجية كوندوليسا رايس دافعت عن استخدام إدارة بوش للقوة العسكرية للتقدم بقضية الديموقراطية بوصفها "الضمان الوحيد للاستقرار الحقيقي والأمن الدائم".  وبشكل لافت للنظر عاب عن ملاحظات رايس عن "الاستقرار الحقيقي" تفاصيل خطط الولايات المتحدة نحو تحقيق الأمن الاقتصادي.  لم تخاطب رايس أيضا التزام الولايات المتحدة بخفض الفقر الكوكبي بمقدار النصف بحلول عام 2015.

فعليا، تقرير التنمية الصادر عن الأمم المتحدة لعام 2005 أشار إلى استراتيجية الولايات المتحدة "العسكرية المتطورة زيادة عن الحد، واستراتيجية الأمن الإنساني المتخلفة زيادة عن اللازم" (الاندبندنت، 8 سبتمبر 2005).  قال التقرير، "من منظور لمفاهيم أعرض عن الأمن الإنساني، هناك خطر أن تتمكن الحرب على الإرهاب على تهميش الكفاح ضد الفقر، وضد الأوبئة الصحية، والتحديات الأخرى، عن طريق تحويل الموارد المالية الضئيلة أصلا عن مواجهة مثل هذه القضايا المتعلقة بعدم الأمان". (ص 169).

لقد ساعدت وسائل الإعلام حملة بوش المستمرة ضد سوريا وحرضتها عليها (المصطلح الطبي: خلل الوسواس القهري بضرب سوريا) عن طريق تزويده بعناوين مملة مثل "سوريا تزداد عزلة" و"الولايات المتحدة في انتظار ’تغيير دمشق لسلوكها‘".  الروايات والعناوين الواجب كتابتها يجب أن تركز على مخرجات تقرير التنمية البشرية، التي تزودنا بإطار عمل من أجل فهم كيف تروج الإمبريالية لعدم الأمان في الشرق الأوسط.  تهدد واشنطن سوريا بأكثر ما تشتبك معها.  بعد كل ذلك، يمثل النظام هدفا سهلا يمكن اصطياده "كثمرة دانية قطوفها" مكونة من 18 مليون نسمة، بترسانة سلاح نووي صفر، ومعدل بطالة يبلغ 20%.

تبدو الولايات المتحدة غير مهتمة بأمنها الحقيقي نفسه وتهتم بعمق بإتباع نصوص مكتوبة فاسدة.  بشكل متوقع، وكرد على ادعاءات واشنطن التي لا تتوقف ضد دمشق، أوقفت الحكومة السورية التعاون الأمني والاستخباراتي مع الولايات المتحدة.  ولكن هذا التحرك في أواخر مايو 2005 تسبب فقط في إطلاق مسيرة تحول مفاجئ تماما في السياسة الأمريكية السورية.

العكس تماما!  في 12 سبتمبر، حذر السفير الأمريكي في العراق زلماي خليل زادة سوريا بوقاحة وفجر واضح، "كل الاختيارات مطروحة على المائدة".  هذه المائدة التي تشبه موائد بيت العرائس، التي ربما قد شيدتها شركة بكتل أو أحد شركاتها التابعة، موضوع عليها خيار وحيد – خيار غير دبلوماسي، يحتضن مزيد من العقوبات التجارية، وقطع العلاقات الدبلوماسية والعمل العسكري.

الوزيرة رايس ومسئولون أمريكيون آخرون شرحوا مرارا أن الولايات المتحدة ليس في نيتها "تغيير نظام" في سوريا كما كان الأمر في العراق، ولكنها مشغولة فقط "بتغيير مسلك النظام".  تصريح كوندوليسا رايس ردد صدى لعبارات سابقة، "الدفاع الذاتي المسبق"، تلك العبارات التي استخدمتها الإدارة لتخفيف وقع كلمة "الحرب الاستباقية"، التي طنطنت بها في حرب العراق.  وسائل الإعلام، بدلا من التساؤل عن كيف تستطيع الولايات المتحدة التبرير مرة أخرى للتدخل في شئون دولة أخرى ذات سيادة، خصوصا عندما لا يتوافر نية هجوم سوري عليها، تستمر وسائل الإعلام في المحافظة على صمت مطبق جعل قضية بوش ضد سوريا بلا تفنيد.

فعليا، عصابات التلفزيون والصحافة المطبوعة القادرة والغير ملمة بأي معلومات عن القضية قادت "المناقشات" حول سوريا طوال العام الماضي.  ادعاءاتهم التي بلا أساس كانت: سوريا الأمة المنبوذة التي أمرت بقتل الحريري قد ساهمت في العنف الطائفي بالعراق؛ وقد استنفدت واشنطن كل الحلول الدبلوماسية حتى تصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وسوريا حول لبنان والعراق، وهكذا أصبح اتخاذ تدابير أكثر شدة مع دمشق ضروريا.

في حلقة الثالث من اكتوبر لبرنامج تلفزيون فوكس "عامل أورايلي"، بيل أورايلي الحانق بطريقة ميئوس من شفائه منها، محرضا بات روبرتسون على هيوجو شافيز، اقترح تهديد حياة بشار الأسد من أجل ترقية الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط: "نستطيع انتزاع الحياة منه، ولسوف ننتزعها إذا لم يخلصنا".

ماكس بوت، كاتب العمود الصحفي في صحيفة لوس انجيليس تايمز عرض عرضا إجراميا مساو للتعامل مع سوريا: "ضربات قصف جوي، غارات كوماندوز، دعم متزايد للمنشقين على الأسد، كل ذلك قد يساعد الرجل القوي البعثي الوحيد الباقي في العالم على يركز عقله".  عندما أشار بوت للمنشقين، هل كان يعني فريد غادري المقيم في واشنطن العاصمة، رئيس حزب الإصلاح السوري الذي لا يمتلك دعما شعبيا في دمشق، أو عم بشار العم رفعت الذي هو أيضا نفس الشيء لا يحظى بشعبية في دمشق، والمنفي عام 1983، بعد محاولة فاشلة لإسقاط أخيه حافظ والاستيلاء على السلطة؟

في السادس من أكتوبر، أخبر الرئيس بوش الوقف الوطني للديموقراطية أن سوريا وإيران لديهما "تاريخا طويل من التآمر مع الإرهابيين".  وللمفارقة، منح بوش أيضا فرصة أخرى للرؤساء "العصاة"، وليس فقط بشار الأسد، ولكن أحمدنجادي، وكاسترو وشافيز، حتى يميلوا إلى صف المعايير المزدوجة لدى بوش في محاربة الإرهاب.  "الولايات المتحدة لا تميز بين هؤلاء الذين يقومون بالعمليات الإرهابية وهؤلاء الذين يقدمون لهم الدعم والملجأ، لأنهم مذنبون بشكل متساوي بالإرهاب والقتل".

ولكن بوش ميز بينهم.  استمرت إدارته في حماية "اسامة بن لادن أمريكا اللاتينية" من المثول أمام العدالة، الإرهابي الذي تدربه الاستخبارات الأمريكية المركزية والمناهض لكاسترو لويس بوسادا كاريليس.  في 1976، نظم بوسادا قصف طائرة الركاب الكوبية التي كانت تحمل مسافرين من فنزويلا، مما قتل 73 راكبا.  أصدر قاضي محاكمة المهاجرين في تكساس في 27 سبتمبر حكما باسقاط ترحيل بوسادا لفنزويلا، على أرضية احتمال تعرضه للتعذيب هناك.  وزارة الخارجية، مع ذلك، لم تضم فنزويلا إلى قائمة الأمم التي تمارس التعذيب بشكل روتيني.

الحوار المتشدد والسلوك الغير متماسك يشعل النزاع الدائر بين سوريا والولايات المتحدة.  والغائب بشكل جدير بالملاحظة من التقارير المكتوبة ومقالات الرأي الانتقائية هو الخبر القائل بأن سوريا قد زودت واشنطن عام 2002 بمعلومات أنقذت أرواح الأمريكيين من الهلاك عن طريق منع هجوم إرهابي على الأسطول الأمريكي في البحرين.

بدلا من ذلك يتجاهل الصحفيون تحركات سوريا الايجابية و"يقيمون" عملية الإصلاح الجارية في ذلك البلد.  وكان الأسد قد قطع وعدا، منذ أن تبوأ السلطة عام 2000، بالإشراف على إصلاحات واسعة المدى بشكل إجرائي وملموس، ولكن معدل الإصلاح ومحتواه الذي تضمن ما يزيد عن 1200 قانون وأمر رئاسي صدروا أثناء السنوات الخمس الماضية، بما فيها المؤتمر العاشر لحزب البعث في يونيو (البعض رحب بالتطورات التي تضمنت خلق قانون للتعدد الحزبي – رغم استمرار حظر الأحزاب العرقية والدينية – وطرد أعضاء من الحرس القديم في يوم واحد) وهو ما يظل موضوعا لاهتمام النشطاء، والإصلاحيين في البعث، والرأي العام.

سواء أكان بوش سوف يقرر تطبيق مزيد من العقوبات حتى يعزل سوريا بشكل كامل، مستخدما "خيار أسلوب التعامل مع ليبيا" أو يشن ضربة عسكرية (وهي الفكرة التي عارضتها رايس في لقاء مع مسئولين أمريكيين كبار في أوائل أكتوبر)، كلاهما سوف يلقي بظله على السياسة الداخلية في سوريا – وعلى الشعب السوري.

في 21 يوليو 2005، سألت الدكتور سامي مبيض المحلل السياسي السوري في دمشق أن يقيم الجدل الحالي في واشنطن، المقسومة بين هؤلاء الذين يقفون في صف أن العقوبات، والعزلة و/أو التهديد باستخدام القوة فقط سوف يدفع كل ذلك السوريين إلى "تغيير سلوكهم"، في مقابل زمرة أصغر يقودها عضو هيئة الأمن القومي السابق فلينت ليفيريت، التي تدافع عن اشتباك مشروط (مستخدمين العصا والجزرة).  "لا يدخر الأمريكيون كثير من المصداقية نحو سوريا بعد غزو العراق"، كانت هذه هي إجابة مبيض.  "هناك وسط النخبة من الكتاب والنشطاء الذين قد قالوا أنهم لا يكترثون ببعض الضغوط من الولايات المتحدة إذا كانت تلك الضغوط ستشكل وسيلة تساعد على الإسراع بخطوات الإصلاح".  ومع ذلك، خسرت واشنطن فرصة ذهبية: لقد صمتت عندما قبض على أعضاء من منتدى الأتاسي [مجموعة نقاشية ديموقراطية] في [24 مايو 2005؛ وقد أفرجت السلطات السورية عن ثمانية منهم بعد ستة أيام، ثم أغلقت المنتدى في أوائل أغسطس]، وهو ما كان صفعة شديدة على وجه هؤلاء الذين اعتقدوا أن الولايات المتحدة تلتزم بترويج حقوق الإنسان في سوريا".

تجاهلت وسائل الإعلام الأمريكية أخبار أكتوبر الماضي بأن مفاوضي الاتحاد الاوروبي وسوريا قد شرعوا في مفاوضات حول اتفاقية الشراكة التي يشتهيها الجانبان.  هذا الاتفاق ولد الأمل بين الإصلاحيين في البلاد ونشطاء المجتمع المدني، الذين يرونها كأداة ضغط فعالة للدفع في اتجاه تحقيق مزيد من التقدم في المجالات الاقتصادية والسياسية.  فعليا، الاتفاقية تمنح دمشق سبل أعظم للوصول إلى أسواق الاتحاد الأوروبي في مقابل تحقيق تقدم في مجال حقوق الإنسان والرقابة على الأسلحة النووية.  ومع ذلك، منذ بدء التحقيق الجاري في قضية مقتل الحريري، استطاعت إدارة الرئيس بوش استخدام مجموعات الضغط لفرملة تصديق الاتحاد الأوروبي على معاهدة التجارة.  كشف احد الدبلوماسيين الأوروبيين أن الأمريكيين يشددون على عدم رغبتهم في عمل أي "إشارات ايجابية" نحو سوريا (رويترز، 5 يونيو 2005).

مثلا، في 25 ابريل 2005، أبرأ مفتش الأسلحة تشارلز دولفر من مجموعة الاستقصاء العراقية ساحة السوريين.  في تقرير المجموعة النهائي، لم يجد المحللون "أي برنامج سياسي كبير، ولا مسئولين في الاستخبارات يعترفون بمعلومات مباشرة" بأن أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها صدام قد انتقلت إلى سوريا (دانا بريست، واشنطن بوست، 26 ابريل 2005).

في اليوم التالي، نشرت النيويورك تايمز تقريرا يقول ان وكيل وزارة الخارجية للرقابة على الأسلحة، جون بولتون قد "بالغ" في التهديدات الناشئة من "محاولات سوريا في الحصول على أسلحة غير تقليدية"، طبقا لمعلومات سربها ضابط سابق في الاستخبارات.  إلا أن أعضاء الكونجرس، الذين أصدروا قانونا بفرض عقوبات على سوريا بسبب هذه الاتهامات اشتمل عليها قانون محاسبة سوريا في نوفمبر 2003، ظلوا صامتين بشكل درامي، حيث أنهم ووسائل الإعلام قد انشغلوا كثيرا بموضوع مجهودات سوريا في مناهضة الإرهاب.  في 30 ابريل نفس وزارة الخارجية التي وضعت سوريا في "القائمة الإرهابية" صرحت بأن: "الحكومة السورية قد تعاونت بقدر ملموس مع الولايات المتحدة والحكومات الاجنبية الأخرى ضد القاعدة، وطالبان، والمنظمات الإرهابية والإرهابيين الأفراد" (تقرير "أنماط الإرهاب العالمي").

اكتشف السوريون أنه مع واشنطن لا تمضي الأفعال السيئة دون عقاب.  استثار مقتل الحريري ضغطا دوليا وسارع بالانسحاب السوري الكامل من لبنان في 26 ابريل، كما طالبت الولايات المتحدة وصادقت الأمم المتحدة.  ثم في الخامس من مايو، كافأ الرئيس بوش سوريا بتجديد العقوبات التجارية لمدة سنة واحدة ضد دمشق التي تشمل حظر صادرات الولايات المتحدة لسوريا، ومنع الطيران السوري من الدخول إلى أو الخروج من المناطق الأمريكية وتجميد العلاقات مع البنك التجاري السوري.  لم تقيم وسائل الإعلام فعالية قانون محاسبة سوريا ولم تحقق في شرعية إعادة فرض عقوبات على سوريا، حتى بعد أن تنصل النظام من التهم نفسها التي عرضته للمساءلة: دعم التمرد في العراق، وإخفاء أسلحة الدمار الشامل العراقية، واحتلال لبنان.

رغم الوقائع، ما زال المسئولون الأمريكيون يلومون سوريا بسبب تورطها في العراق.  تدعي الولايات المتحدة أن دمشق قد سمحت للمحاربين الأجانب بالتسلل إلى العراق بواسطة انعدام رقابتها القوية لحدودها المفتوحة من جانبها، التي تمتد 376 ميلا مع العراق.  في العامين الماضيين، مع ذلك، زادت سوريا من أعداد حرس الحدود من مجرد 100 إلى 10 آلاف وقد أسرت حوالي 1500 شخص كانوا يريدون التسلل عبر الحدود.  طبقا لجيمس دينسلو الباحث في تشاتهام هاوس، "قلب الانتفاضة عراقي".  نقل دينسلو نص تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ومقره واشنطن بأن "هناك 550 محاربا سوريا في الانتفاضة المكونة من 30 الف محارب" ("حالة التعاون عبر الحدود"، 24 سبتمبر 2005، "تعليق سوريا").

لاحظ دينسلو أيضا، "في مؤتمر أخير بالأردن فيما يتعلق بأمن الحدود العراقية، اعترض دونالد رمسفلد شخصيا على حضور وفدا سوريا.  على المستوى التكتيكي، هناك غياب تام للاتصالات بين حرس الحدود السوريين والأمريكيين/ العراقيين".  في السابع من اكتوبر أجرت صحيفة الحياة مقابلة مع الرئيس بشار الأسد الذي كرر طلب بلاده بإغلاق حدودها مع العراق أمام الميليشيا.  "ليس لديهم [الأمريكان] حرسا على الحدود، لا يوجد أميركي ولا عراقي واحد على جانبهم من الحدود.  لا نستطيع السيطرة على الحدود من جانب واحد".

الاتهامات الأمريكية وضعت بشار الأسد في وضع الدفاع.  ولكن ذلك يجب ألا يمنع كتاب التقارير من التساؤل: من يستفيد أكثر من الظروف الحالية؟  بعد شهر واحد من غزو الأمريكيين للعراق، دعا السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة دانيل عيالون في 28 ابريل 2003 إلى "تغيير للنظام" يجب أن يتم في إيران وسوريا باستخدام العقوبات الاقتصادية والعزلة الدبلوماسية و"الضغوط النفسية".  قال عيالون أن الإطاحة بنظام صدام حسين لم يكن "كافيا".  "ما زلنا نواجه تهديدات خطيرة بنفس القوة تصدر عن سوريا وتصدر عن إيران". (رويترز، 28 ابريل 2003).  هل يبدو كل ذلك طبيعي؟

قبل غزو العراق بزمن طويل، المحافظون الجدد ريتشارد بيرل، ودوجلاس فايس وديفيد ورسمر كتبوا تقريرا عام 1996، "خرق نظيف: استراتيجية جديدة لتأمين السلطان".  نصح التقرير إسرائيل "بصياغة بيئتها الاستراتيجية بواسطة إضعاف واحتواء وحتى دفع سوريا للتراجع".  المسئولون في البيت الأبيض، وهم يظهرون إيمانهم لنص هذه السياسة، ناقشوا آفاق تغيير النظام في سوريا مع نظرائهم الإسرائيليين، وكتبوا تقريرا في هآرتز عدد 4 أكتوبر، وحتى تساءلوا فيه عمن كانوا يعتقدون أنهم قد يحلون مكان الأسد العلماني دون التسبب في أي قلاقل إقليمية.

وعلى نفس الخط بشكل متزامن، وزير الدفاع الإسرائيلي شاؤول موفاز استفاد من حالة سوريا الضعيفة عندما أعلن في 27 سبتمبر أن مرتفعات الجولان السورية المحتلة "سوف تبقى في يد إسرائيل للأبد".  لم تقرأ وسائل الإعلام والمسئولون الأمريكيون لوزير الدفاع حرفا من قرار مجلس الأمن رقم 479 (لعام 1981)، الذي أطلق على ضم إسرائيل لمرتفعات الجولان "لاغيا وكأنه لم يكن ودون أي أثر قانوني دولي".

سوريا تريد الاستقرار.  ورغم أن حزب البعث قد وفر بعض الاستقرار، فهو لم يتعامل بشكل كاف مع مؤشرات الفقر والبطالة المرتفعة.  مصالح الولايات المتحدة سوف تستفيد بالعمل مع سوريا على أساس أهداف أمنية واقعية في المنطقة، مثل رؤية عراق مستقر، ومكافحة الإرهاب، وخلق منطقة خالية من السلاح النووي والتفاوض حول سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط.  بدلا من ذلك، إدارة بوش تختار الوقوف مع سياسة مناهضة لسوريا غير بناءة تتبناها إسرائيل وحلفاءها من المحافظين الجدد في واشنطن.

أي مناخ يبحث عن تجديد روحي أثناء رمضان!  ربما يمسك بشار الأسد بهذه اللحظة المكشوفة ليخطو خارج مقره الرئاسي وأن يتحدث إلى السوريين المؤيدين والمعارضين على السواء في الشوارع – وخارج المساجد والكنائس.  مثل هذا السلوك قد يظهر للسوريين قوته على أنه قوة نشطة وأنه سوف يساعد على تقديم قتلة الحريري للعدالة.

استعراض الزعامة المطلوب بشدة قد يساعد سوريا على الظهور من هذه المحنة أكثر التزاما بمسارها في الإصلاح الداخلي والتقدم بالأمن في الشرق الأوسط.  إذا تم شيء آخر، قد يتطلع السوريون حينئذ إلى الاحتفال بأكثر من رمضان كأمة ذات سيادة.

يمكنك الاتصال بفرح حسن على: FHuisClos1944@aol.com

كفاية - من نحن - انضم إلينا - المصادر - الإصدارات - التقارير - الأرشيف