إيران: ضربة الإمبريالية الثانية

ايجاز أحمد

فرونت لاين؛ 10 أكتوبر 2005.

لعبت إيران كارت الدبلوماسية الذي تمتلكه بذكاء وحصافة.  على حافة لقاء وكالة الطاقة النووية الدولية (IAEA) في فيينا يوم 24 سبتمبر، أذاعت السلطات العليا الإيرانية أنه إذا البلاد التي تحصل على الغاز والبترول من إيران ما صوتت ضدها، فلسوف تتعرض هذه البلاد لتدابير انتقامية من إيران. وعندما صوتت الهند مع الترويكا الأوروبية التي كانت تتصدى للأمر نيابة عن الولايات المتحدة، سار السفير الإيراني حتى مكان زميله الهندي وأخبره أن صفقة الغاز التي قيمتها 20 مليار دولار بين الهند وإيران قد تم إلغاءها.  طفت هذه الأنباء على سطح كل وسائل الإعلام في الهند.  بعد 24 ساعة من الجهود الدبلوماسية الشاقة، أعلنت إيران ببساطة أن الصفقة ما زالت قائمة.

وصلت الرسالة.  حتى لو لم يكن لأسباب أخلاقية أو حتى لإنقاذ روح التضامن لحركة عدم الانحياز، سوف يكون من الأفضل بالنسبة للهند أن تضع في حساباتها مصالحها الخاصة واحتياجاتها من الطاقة عندما يحين موعد التصويت القادم، في نوفمبر أو فيما بعد.  وإما!

تتخذ هيئة وكالة الطاقة النووية الدولية قراراتها بالإجماع، وفي مرتين فقط في السابق، اتخذت الوكالة قرارها بالتصويت.  وعند اقتراب موعد هذا اللقاء بالذات، أصبح واضحا أن لن يكون هناك أي إجماع مهما كان. إلا انه قد بات واضحا أن الغرب لديه ما يكفي من الأصوات لأعضاء طيعين ليصبح في استطاعته تمرير القرار الذي يرغبون فيه بأغلبية مريحة.  إلا أن الاختلافات كانت اختلافات كيفية وحاسمة.  كان دفاع إيران يقوم على أساس أن المطالب المتصاعدة "الخارجة عن الشرعية" للترويكا الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) وللولايات المتحدة، من خلال وكالة الطافة الدولية وخلفها، هي جزء من الإرغام الإمبريالي لبلاد العالم الثالث الأضعف.  كما أشار سيد حارث فرادراجان في مقالة فخمة باللغة الهندية، تحتاج الولايات المتحدة بشدة إلى الصوت الهندي لأن تصويت البلاد الصغيرة الضعيفة مثل الإكوادور وسنغافورة مع الترويكا الأوروبية يصنع اختلافا صغيرا مع حجة إيران، ولكن البلاد القوية مثل الهند التي تخرج عن الصف في تصويت دول عدم الانحياز وتصوت مع الغرب يهدم حجة إيران بالكامل.  خنوع إيران للضغط الأمريكي أجبر إيران على بداية التحدث إليها بلغة القوة الخاصة بها.

(مقالات سيد حارث المبكرة في سلسلة من ثلاث مقالات بالهندية، (سبتمبر 21-22) هي أفضل تلخيص لأزمة إيران النووية من المتاح في أي مكان، وقراءتها يعفينا من ذكر نفس التفاصيل مرة أخرى).

إيران هي البلد الرئيسي في محور الشر الشهير الذي قدمه بوش (العراق، وايران، وكوريا الشمالية) وهي الجائزة الكبرى في الحرب الحالية الدائرة في غرب آسيا.  لو كان غزو أفغانستان البلد المنهار الصغير هو مقدمة الغزو للعراق، احتلال العراق الغني بالبترول، الذي كان هو الآخر منهارا تماما بشكل ملموس قل بسبب 12 عام من العقوبات الاقتصادية مجتمعة مع التمرد الداخلي والقصف الجوي الذي لم ينقطع، هذا الاحتلال نفسه يتم تصويره على أنه تمهيد لإخضاع إيران.  التطورات خلال العامين المنصرمين، مع ذلك، جعلت من مسألة الإخضاع السريع لإيران أمر أكثر صعوبة شكل لا يمكن قياسه، ولكن أيضا، وبشكل متناقض، مسألة إخضاع إيران هي مسألة ملحة بالنسبة لاستراتيجية الولايات المتحدة ليس فقط استراتيجيتها الإقليمية ولكن أيضا في بعدها الكوكبي.  التشتت الذي عليه السلطة الأمريكية في أفغانستان والانهيار الأكثر حسما لسلطتها في العراق قد دعم هذا الانهيار بشكل عظيم الموقف الإقليمي لإيران، للمدى الذي تعتمد فيه الولايات المتحدة على التعاون الإيراني الأمريكي الحصيف لاستقرار الإدارة اليمينية الحاكمة للشيعة والأكراد في العراق والمحافظة على مناخ من السلم في جنوب شرق أفغانستان. على المدى القصير، هجوم شامل كاسح على إيران يبدو الآن أقل ترجيحا منه منذ عامين.

ومع ذلك، في مسار صاعد آخر مختلف، تلك المبادرات التي كانت تجري لبعض الوقت قد نضجت بما يكفي طوال العامين الماضيين حتى تظهر إيران كدولاب افتراضي سوف يدور لمدة العقد القادم أو ما يقرب ذلك، من اجل ما باتت تراه الصين وروسيا كمحطة أمنية للطاقة في آسيا لا يمكن الاستغناء عنها، وحتى يمكن بواسطتها اختراق السيطرة الغربية على الإمدادات العالمية للطاقة وتأمين الثورة الصناعية العظمى في آسيا.  إخضاع إيران، الذي كان دائما أمرا جوهريا في اعتبار محور الولايات المتحدة-إسرائيل، أصبح على قدر عظيم من الأهمية بسبب، وحتى نلخصها في عبارات: لو ذهبت إيران ذهبت محطة تأمين الطاقة لآسيا.  ولإيران كل مبرراتها عندما تشير إلى أن المعركة حول إيران هي في الحقيقة معركة من أجل تأمين السيادة الآسيوية ضد التوسع الإمبريالي.  الأمريكيون هم على حق تماما: إيران هي أكثر أهمية بكثير جدا قل من العراق وسوريا.  تحتاج الولايات المتحدة بشدة، بعد أن أيقنت أنها لا تستطيع الغزو فورا، إلى اختراق إيران بطرق أخرى.  السلاح الذي تمتلكه في يدها الآن، هو العقوبات الدولية وإشراف الأنظمة والتخريب، من النوع الذي اخترق العراق سابقا.  هذا ما كان مطروحا في لقاء فيينا.

إنهم يحتاجون إلى ورقة التوت التي توفرها قرارات هيئة وكالة الطاقة.  بعد ذلك، ربما لن يكونوا في حاجة حتى إلى الذهاب إلى مجلس الأمن، خوفا من الفيتو الروسي والصيني، أو بتجاهل مجلس الأمن فعليا كما تجاهلوه عندما وصلت الأمور إلى غزو العراق.  الجماعات الأمريكية الأوروبية المرموقة عقدت اجتماعاتها فعلا، وأوصت بأن يتكفل حلف الناتو أو المنظمات والتحالفات الشبيهة، بتنفيذ العقوبات بأي شكل في حالة عدم إمكان الاعتماد على مجلس الأمن في تنفيذها.  لسنوات عدة تقول الولايات المتحدة في كل مرة أن أشياء مثل اتفاقية جنيف وميثاق الأمم المتحدة قد أصبحوا عقبات في هذه المرحلة من "الحرب على الإرهاب" وأن "الغرب" عليه أن يتصرف بشكل جماعي وبشكل يستبق الأحداث لتأمين مصالحه الخاصة.

اختيار الهند مثير للدهشة كثيرا.  تستطيع الهند أن تلحق بالصين وايران وروسيا؛  وتستطيع المساعدة في إنشاء نوع جديد من عدم الانحياز يلائم زماننا؛ وتستطيع ضمان مصالحها الخاصة الاقتصادية ومستقبل صناعاتها، وأن تصبح جزءا من مسيرة آسيا الكبرى للأمام.  أو، تستطيع أن تكون تابع ذليل للولايات المتحدة تحت ستار من الدخان اسمه التحالف، والشراكة الاستراتيجية، والتعاون النووي المدني، وهكذا دواليك.  في 24 سبتمبر تصرفت الهند كتابع ذليل للولايات المتحدة.  ولم يكن لديها ما يضطرها لذلك.

وبينما انتهكت الهند إجماع دول عدم الانحياز وانضمت على العكس إلى الولايات المتحدة والترويكا الأوروبية في إخضاع إيران إلى نظام لا ينتهي من الإشراف، والتهديد بالعقوبات والعمل العسكري المحتمل في المستقبل، من الأفضل أن نتذكر أن برنامج تطوير الطاقة النووية في إيران كان في الأصل منحة من الولايات المتحدة إلى الشاه الذي كان قد أعاده الأمريكيون إلى العرش بعد انقلاب 1953 الذي دبرته وكالة الاستخبارات الأمريكية.  أعقب ذلك الانقلاب تأسيس الاستخبارات الامريكية المركزية للسافاك، واحد من أكثر أجهزة الأمن والاستخبارات سوءا ووحشية في العالم، كما أنشأوا حكما للإرهاب ضد الشيوعيين والوطنيين العلمانيين معا، والذي مهد الطريق للمؤسسة الكهنوتية حتى تظهر كالمعارضة الوحيدة المرئية والباقية والحيوية ضد الملكية.

أمريكا الحرب الباردة تحت ايزنهاور وايران الملكية تحت الشاه وقعتا اتفاقية للتعاون النووي في 1957.  طوال العقدين التاليين، وحتى الثورة الإسلامية، زودت الولايات المتحدة إيران ليس فقط بالمعونة الفنية والتدريب ولكن أيضا زودتها بأول مفاعل نووي للتجارب، وزودتها باليورانيوم والبلوتونيوم المخصب مع المواد الانشطارية.  لم يطلب من الشاه أبدا توفير أي ضمانات، ولا حتى التزامات شفاهية، بألا تستخدم هذه التكنولوجيا لتطوير أسلحة نووية.  حتى رغم ذلك، دون توقع قيام الثورة الإسلامية، صادقت إدارة فورد في منتصف السبعينات على بيع ثمانية مفاعلات نووية (دون وقود نووي) ثم أنهت إجراءات بيع أجهزة الليزر ذات القدرات المعروفة على تخصيب اليورانيوم.  لم يرفع احد حجة، من الحجج الشائعة الآن، بأن احتياطيات إيران الكبيرة من الغاز الطبيعي والبترول، لا تجعلها تحتاج إلى الطاقة النووية من أجل الاستخدامات المدنية.  احتمال أن الشاه قد يتحول فعليا إلى تطوير أسلحة نووية في سعيه إلى تحقيق أحلامه الإمبراطورية التي صورها له جنون العظمة، هذا الاحتمال قد تم شطبه فعلا لأنه كان حليفا مخلصا وصديقا لإسرائيل.

قرارات وأحكام الرئيس جيرالد فورد كان يقوم بها ثلاثة من أعضاء إدارته: دونالد رامسفلد، الذي كان حينئذ، والذي هو الآن، وزير الدفاع؛ وديك تشيني، كبير هيئة مستشاري فورد حينئذ ونائب الرئيس في إدارة بوش الآن؛ وبول وولفوفيتز، الذي كان يرأس حينئذ قسم منع انتشار السلاح النووي لوكالة الرقابة ونزع السلاح.  رامسفلد، صديقا للشاه فيما قبل الثورة الإسلامية، وبالطبع، عاد للظهور كصديق لصدام حسين عندما بدأت الولايات المتحدة في غواية العراق بغزو إيران بعد الثورة.  نفس هذه العصابة قامت بعد ذلك بغزو العراق والآن تريد غزو إيران أيضا.  المفارقة في ذلك هي أن كل هذه المفاعلات والمعدات المتعلقة بها لتخصيب اليورانيوم قد تم منحها للشاه، الذي رفض توقيع اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية، والنظام الإسلامي الذي وقع المعاهدة وبهذا خضع تطوعيا للتفتيش الدولي، مطلوب منه الآن التنازل عن، هكذا حرفيا، الحقوق التي تعطيها معاهدة عدم انتشار السلاح النووي نفسها لموقعيها وسوف يتعرض النظام الإسلامي على الأرجح لعقوبات اقتصادية وسياسية في المستقبل المنظور.

مسلك الهند الخاص في كل هذه المسألة مسلك متناقض ظاهريا في أفضل الأحوال.  لم توقع الهند على معاهدة عدم انتشار السلاح النووي على أرضية أن المعاهدة نفسها معاهدة تمييزية، وهكذا تجنبت الهند التفتيش الدولي وتحت سلطة حزب بهاراتيا جاناتا، شرعت بشكل سري لأن تصبح "قوة نووية"، أي، تجري تجارب وتقوم بتصنيع الأسلحة النووية.  البلدان الآخران اللذان قاما بنفس الشيء هما إسرائيل وباكستان – وهي صحبة ليس من اللطف أن تحتفظ بها.  وعلى عكس هذا السقوط الذي حدث، ألح رئيس الوزراء مانموهان سينغ نفسه على زميله الإيراني في اتصال تليفوني قبل التصويت الأخير في فيينا، أن تتعاون "إيران" بالوفاء بالتزاماتها تجاه المطالب المطروحة عليها.  بكلمات أخرى، أصرت الهند على ’الشفافية‘ في مسلك إيران في القضايا النووية تلك الشفافية التي لم تتعاطاها الهند أبدا أو تمنحها ادنى اهتمام؛ فقد ألحت على إيران أن تلتزم بالمعاهدة التي تراها الهند نفسها على أنها معاهدة غير منصفة؛ وقد ألحت الهند على إيران على الاستجابة للمطالب التي تجاوزت لمدى بعيد جدا شروط المعاهدة نفسها تلك المعاهدة التي كانت بكلمات الممثلين الإيرانيين الدقيقة "غير قانونية".  باختصار، رئيس الوزراء طلب من إيران الخضوع للمطالب الجائرة التي تطالب بها بشكل أحادي الترويكا الأوروبية بالنيابة عن الولايات المتحدة، والتي لم يوافق عليها الإيرانيون والتي لم تكن قاعدة في القانون الدولي.  الهند، وقد اتخذت هذا الطرح على أعلى المستويات في الحكومة، شرعت منطقيا لخرق صفوف دول عدم الانحياز وصوتت في صالح القرار الذي دفعت الترويكا الأوروبية في اتجاه اتخاذه في ظل توجيه الولايات المتحدة.

التوضيحات الخارجة من وزارة الخارجية هي على أحسن وضع توضيحات محيرة. يقولون لنا أن الهند كانت "صوتا شرطيا".  حسنا، في الواقع، لا يوجد مثل هذا الأمر المسمى بالصوت "الشرطي".  بين "نعم" و"لا" هناك فقط الاستنكاف عن التصويت؛  نحن قلنا "نعم".  أعطوا لنا قائمة من الاعتراضات التي أبدتها الحكومة الهندية، ولكن الامتداد المنطقي لكل مثل هذه الاعتراضات الخطيرة كان أن نقول "لا" كما فعلت فنزويلا ذلك بكل شرف، أو على الأقل، أن نمتنع عن التصويت، كما فعلت باكستان ذلك على الأقل.  الكتلة السوداء، وقد تصرفت بطريقة ممجوجة أكثر من باكستان، والمشهورة بعمالتها وتبعيتها للولايات المتحدة، لجأت إلى حجج أكثر كذبا وتلفيقا: لقد قمنا بحوار مع كل البلاد الأوروبية الهامة، رئيس الوزراء تشاور بنفسه مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك، وحصلت الهند على "تنازلات عظيمة" من الترويكا الأوروبية لإغرائها بعدم الإصرار على تحويل الملف الإيراني مباشرة إلى مجلس الأمن، وتستطيع الهند بعد كل ذلك ألا تصوت مع هؤلاء الذين قدموا لها التنازلات وهكذا.  كلام فارغ.  الهند صوتت حتى تقول أن إيران "لم تلتزم" بقواعد معاهدة عدم انتشار السلاح النووي، وبهذا الحق في التصويت لديها، أصبح في الإمكان تحويل الملف الإيراني إلى مجلس الأمن مباشرة في نوفمبر هذا العام، لو رغبت الولايات المتحدة وأوروبا ذلك.  ستة أسابيع؟  والهند غيرت رأيها من أجل ذلك؟  و، بذلك عدم التنازل الحقير لم تخرق الهند فقط صفوف حلفاءها دول عدم الانحياز ولكنها أيضا أهدرت المبادئ الأساسية للتوكيل الممنوح لحكومتها داخليا: بأنها سوف تفعل ما تستطيعه لحماية حقوق إيران في ظل معاهدة عدم انتشار السلاح النووي ولضمان أن المسائل سوف يتم التعامل معها من داخل إطار عمل وكالة الطاقة النووية الدولية وتقاليدها المرعية باتخاذ القرار بواسطة الإجماع؟

أي شخص معتاد حتى مع ما يسمى "بالمفاوضات" يعرف أن الترويكا الأوروبية لم تتزحزح أبدا عن مواقفها لأن إجابتها الجاهزة على كل اقتراح ايراني أو عرض مضاد كان دائما هو نفسه: "سوف لن يقبل الأمريكيون ذلك"!  الترويكا الأوروبية لم تكن تتفاوض؛ إنها تضغط على إيران، وتضغط على الكل وغيرهم، بما تطالب وتهدد به الولايات المتحدة بأن تحول ملفها إلى مجلس الأمن إذا لم تنصاع إيران إلى ما هو مطلوب.  ويعرف كل شخص أن إيران قد أغلقت منشآتها في أصفهان بشكل طوعي، وكخطوة لبناء الثقة، وهي تتوقع رد جميل في المقابل، ثم أعادت فتحه، كرد فعل ثأري، بعد أن انتظرت الاستجابة لعدة أشهر ولم تحصل على مكافأتها الموعودة – ما تلقته فعلا مطالب أخرى متصاعدة.  ولا بد أن الهند قد علمت أن إيران لا تستطيع قبول المطالب التي يلحون عليها بها، وأن القرار الذي صوتت عليه، بإرادتها لإنزال العقاب على إيران، سوف يؤدي إلى تشدد المواقف: "تهديدات ينتج عنها مزيد من التهديدات"، كما قال الموفد الإيراني.

ماذا كانت المطالب التي تفرض على إيران، وفي أي سياق؟ هنا، نعود إلى حالة محمد البرادعي الغريبة، محمد البرادعي رئيس هيئة وكالة الطاقة النووية الدولية، الذي كان رأس الرمح في عمليات التفتيش على إيران ليلعب نفس الدور الذي كان يلعبه هانز بليكس منذ سنوات وعدة شهور مما أدى إلى غزو العراق: نفس نمط التفتيش ثم مزيد من التفتيش، نفس الفشل في العثور على أي شيء يشير إلى برامج تسلح نووي، نفس النمط في تصعيد المطالب، إلى ما لا نهاية – ونفس النمط من الخطاب المزدوج.

التهمة الموجه لإيران بامتلاك برنامج سلاح نووي مستمرة منذ سنوات.  فور إعلان "الحرب على الإرهاب"، تم وضع إيران في مرتبة ضمن ثلاث بلاد (جمعا مع العراق وكوريا الشمالية) ليشكلوا "محور الشر" – مع تنويعات من بلاد أخرى – ليبيا وسوريا وكوبا وهكذا – يدخلون مرة ويخرجون مرة من "الصف الثاني".  إبان الوقت الذي كان جورج بوش يلقي خطاب الاتحاد في يناير، أصبحت هذه التهمة هي الموضوع المتكرر في كتابات المحافظين الجدد وتم تكرارها في ذلك الخطاب.  ديك تشيني، نائب الرئيس حينئذ، صنع منها شيئا مألوفا في صيغ السياسة الأمريكية.  في عام 2003، بعد الغزو والاحتلال السريع للعراق، وقبل ارتفاع حدة المقاومة العراقية وتحول الورطة الأمريكية التالية لها هناك إلى شئ واضح للعيان، كان هناك خوفا ملموسا بأن هدف المحافظين الجدد المعلن "ببغداد أولا، ثم دمشق وطهران والرياض" أصبح هدفا يسعون إلى تحقيقه بتصميم عظيم ونشاط.  في تلك اللحظة المطولة من الشك والريبة أن خلق البرادعي أول ظهور له في طهران، كواحد من المبعوثين الكثيرين الذين يقنعون إيران بالخضوع من نفسها للتفتيش الدولي من أجل تجنب العمل الإسرائيلي-الأمريكي الأحادي الجانب.  بقرار أثار نزاع داخلي، وقعت إيران معاهدة منع انتشار السلاح النووي بنهاية العام.

هؤلاء الذين عارضوا القرار كانت حجتهم نفس الحجة الدائمة لدى الهنود، حرفيا بأن تلك المعاهدة هي معاهدة تمييزية وأن لدى إيران الحق السيادي في تقرير الاحتياجات الأمنية واحتياجات الطاقة الآن وفي المستقبل؛ وقد أصبح هناك ميلا شعبيا أيضا لهذه الحجة خصوصا وأن إسرائيل، العدو الرئيسي الذي يبعد فقط 600 ميل عنهم، تمتلك ترسانة نووية هائلة بما فيها الصواريخ البعيدة المدى التي تحملها الغواصات، وصواريخ أخرى متقدمة طويلة المدى بالإضافة إلى عدد وافر من الطائرات الأمريكية من طراز (F-15)، القادرة على حمل رؤوس نووية، لذا يجب على إيران على الأقل أن الاحتفاظ بخيار التطوير الفعلي للسلاح النووي.  وقد دعوا، كامل المؤسسة في طهران، لتأسيس منطقة خالية من السلاح النووي عبر غرب آسيا حيث كل البلاد، بما فيها إسرائيل، سوف تتخلى عن السلاح النووي وتفتح نفسها أمام التفتيش النووي.  هذه المناطق موجودة فعلا في أمريكا اللاتينية، وأفريقيا وجنوب شرق آسيا، وقد انضمت إيران إلى مصر وسوريا والأردن في الدعوة لذلك.  هذه الدعوة وجدت قوة دافعة كافية لتتجسد في شكل مسودة قرار طرح على مجلس الأمن في ديسمبر 2003، ولكنهم سحبوه حينئذ بسبب تهديد الولايات المتحدة باستخدام الفيتو ضده.

وهذا أيضا جدير بأن نذكره: لم يصدر رد فعل واحد مما يسمى "المجتمع الدولي" على نداء إيران من اجل غرب آسيا خال من الأسلحة النووية لأن الولايات المتحدة، كحامي لإسرائيل وترسانتها النووية، لن تسمح بذلك، والأعضاء الآخرين في مجلس الأمن، بما فيهم الترويكا الأوروبية، لن يضغطوا من أجل ذلك، بفضل تورطهم مع الحلف الأمريكي-الإسرائيلي.  الصحيفة الهندية نشرت حديثا مقالة افتتاحية اشترك في كتابتها وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا وألمانيا بالإضافة إلى رئيس الجهاز الامني الأوروبي، الذين قالوا أن "الهدف بخلق منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط" هو "قضية نؤمن بها بكل عمق".  حسنا، ماذا عن إسرائيل؟  لماذا لا يذهب هؤلاء الرجال المهذبون والسيد البرادعي إلى هناك إلى تل أبيب؟  وفوق ذلك، لا تعترف إسرائيل أبدا بامتلاكها سلاحا نوويا ولكن الصحف الغربية تصف إسرائيل بشكل روتيني على إنها سادس قوة نووية في العالم، بامتلاكها لحوالي 200 رأس نووي.  البرادعي نفسه قد قال أن وكالته "تعمل على فرضية" أن إسرائيل قوة نووية، وقد عرضت هيئة الإذاعة البريطانية مؤخرا برنامجا يظهر أن بريطانيا نفسها قد زودت إسرائيل بالماء الثقيل المستخدم في إنتاج السلاح النووي الإسرائيلي.

على أي حال، هؤلاء الذين كانوا في صف توقيع اتفاقية منع انتشار السلاح النووي في إيران كانت يحتجون بأنه حيث أن إيران ليس لديها برنامج لانتاج الأسلحة النووية، توقيع الاتفاقية وفتح المنشآت الإيرانية أمام فرق التفتيش سوف يكسب إيران أرضية معنوية كبيرة ولسوف يشتري على الأقل الوقت حتى تصبح نوايا الولايات المتحدة وقدراتها أوضح بعد احتلال العراق.  وهكذا حدث أن البرادعي ورجاله قدموا إلى إيران وانتشروا في مواقع متعددة.

وسرعان بعدما بدأ البرادعي جولاته التفتيشية أن بدأ يحتج بأن الشروط القائمة حاليا في معاهدة منع انتشار السلاح النووي لا تعطيه السلطة للتفتيش بدقة كافية، وأن مثل هذه الجولات التفتيشية المقيدة لن تجعله قادرا على الوصول إلى استنتاجات محددة ويجب أن توقع إيران لذلك بروتوكولا إضافيا أكثر تهاونا أمام التدخل – وهو ما قامت به إيران بعد بعض التلاسن والنقاش الصاخب – حتى تظهر نيتها الطيبة وكتدبير لبناء الثقة، مع التحفظ بأ، هذا القبول المشروط لهيئة تحكيم موسعة هو أمر مؤقت ولا يكتسب وضعا قانونيا دائما.  الترويكا الأوروبية، مدفوعة بواسطة الولايات المتحدة، تصر الآن على أن البروتوكول الذي وقعته إيران كعلامة لبناء الثقة فقط ولوقت محدود فقط يجب أن تصدق عليه إيران كعمل ملزم قانونا.

كلما مضى التفتيش إلى مدى أبعد، كلما وجدوا أشياء أقل.  كان حقيقيا بكل تأكيد أن إيران ترددت في الكشف عن كل أسرارها، كما كانت ستفعل كل دولة، ووفرت المعلومات فقط عندما وجهوا لها الأسئلة المباشرة عنها وللمدى الذي يذهب إليه الاستفسار.  صور الخصوم ذلك على أنه نقص في "الشفافية" لدى إيران كما لو كانت الولايات المتحدة أو بريطانيا او فرنسا أو الهند بالنسبة لهذا الأمر سوف تكشف بلا حرص كل معلوماتها السرية حول مفاعلاتها النووية، ومصانع السلاح، وتواريخ التوريدات، وهكذا.  ومع ذلك، الحقيقة الحاسمة هي أنه بعد شهور وشهور من التفتيش لم يسفر عنه أي معلومات تدين برنامج ايران النووي، لذلك في حديث يوم 3 اكتوبر 2004، قال البرادعي صراحة أن "ايران ليس لديها برنامج أسلحة".  وكما لو كان قول ذلك مرة واحدة ليس كافيا، أضاف البرادعي بعد ذلك، وبشكل أكثر وضوحا: "ليس لدى ايران برنامج تسليح نووي، ولكني شخصيا لن أندفع الى استنتاجات قبل أن تتضح كل الحقائق. لذا أنا لا أرى شيئا يمكن أن يطلق عليه أنه خطر داهم.  لم أر برنامج تسليح نووي في إيران.  ما رأيته هو أن إيران تحاول الوصول الى تكنولوجيا التخصيب النووي، وبذلك ليس هناك خطر من إيران".

ما قاله البرادعي تاليا لذلك، في حواره العلني مع قناة الجزيرة، كان حادا ومتفجرا: "اكتشافاتنا في العراق أثبتت أن الوكالة كانت على صواب لأننا لم نجد شيء يشير الى وجود أسلحة نووية في العراق... لو أردنا أن نأخذ درسا مما حدث في العراق، يجب ألا نندفع قبل أن نتحقق من كل الحقائق، وهذا ما نريد فعله مع إيران".

كان ذلك من عام مضى بالضبط، وظهر من تلك الملاحظات أن البرادعي كان يستعد لمنح إيران شهادة صريحة كافية لتخفيف الضغط الأمريكي الأوروبي عليها.  ثم بدأت تحدث أمور غريبة.  أعربت الولايات المتحدة بالطبع عن عدم سرورها من ذلك وأشاعته.  من المعروف جيدا أن فترة رئاسة البرادعي الثانية للوكالة كانت سوف تنتهي عام 2005، والولايات المتحدة، الغاضبة من نعومة ملاحظاته، كانت سوف تعارض فترة رئاسة ثالثة له، بالضبط، كما في حالة كل التعاون الذي أبداه كوفي عنان السكرتير العام للأمم المتحدة معها ومع ذلك انقلبت الولايات المتحدة عليه ورفضت التجديد له بعد أن قال عنان أنه طبقا لبنود ميثاق الأمم المتحدة الغزو الأمريكي للعراق غير قانوني.  البرادعي أيضا الآن أصبح بطة عرجاء.  يبدو أنه استجاب لهذه الضغوط الأمريكية بتصعيد مطالبه من إيران.  ولبعض الأحيان أثناء هذا الصيف الحالي كان هناك ثرثرة غير مفسرة في نيويورك تقول أن الولايات المتحدة كانت مستعدة لإسقاط اعتراضها عليه.  ثم جاء تقريره في الثالث من سبتمبر الذي رص فيه بعناد قائمة من المناطق التي لم تبد فيها إيران تعاونا وطالب بأن تمتد "شفافية" ايران الى مدى أبعد من المتطلبات الرسمية لاتفاقية الضمانات والبروتوكولات الإضافية وأن تتضمن حق الوصول الى الأفراد والوثائق المتعلقة بالتوريدات، ومعدات الاستخدام المزدوج، ومعامل السلاح التي يمتلكها الجيش ومراكز الأبحاث العسكرية كذلك ومناطق التطوير".

اتساع مدى هذه المطالب تنقطع له الأنفاس. سلطة تفتيش تمثل وكالة مخصوصة كانت تطالب حقوق لا تخولها بروتوكولات الوكالة نفسها لها، ولا شروط معاهدة منع انتشار السلاح النووي، والاتفاقيات المتنوعة والبروتوكولات التي وقعتها إيران لإبداء نواياها الطيبة كخطوة طوعية لبناء الثقة.  وكانت اللغة غير طبيعية: "الوصول إلى أفراد" دون تحديد من هم هؤلاء الأشخاص.  أي وكل "فرد" في الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟  أي ورش سلاح ومراكز بحث تتبع الجيش ومواقع تطوير؟  ليس لإيران الاحتفاظ بأي سر على الإطلاق.  الدليل الموثق موجود ليبرهن على أن فرق التفتيش في العراق ضمت عملاء استخبارات سرية استخدموا التفتيش كغطاء لجمع معلومات كل أنواع المعلومات المتعلقة بالدفاع وتمرير تلك المعلومات إلى الإسرائيليين والولايات المتحدة.  هل تكرر اللعبة نفسها في إيران الآن؟

الأمر الثاني، وربما الجانب الأكثر إثارة للانتباه من هذه المطالب، كان أن بعضها يظهر للمرة الثانية، كإنذار نهائي، في قرار الترويكا الأوروبية في لقاء 24 سبتمبر التي صوتت الهند من أجله أيضا.  كان البرادعي يزود اجتماع الهيئة ذلك وقراراته باللغة التي تصاغ بها المطالب بغزارة حتى يدفع إيران إلى رفضها – "غير قانونية وغير منطقية"، وهو الوصف الذي أطلقه عليها المندوب الإيراني.  إيران كانت مدفوعة حينئذ إلى الثأر بعدم الخضوع لهذه المطالب الإضافية، وكان المحتمل أن تصدر "تهديدات" منها، وهكذا تمهد الطريق إلى اتهامها "بعدم الاستجابة" حتى تصبح أكثر عدوانية.  على أية حال، حصل البرادعي على ولايته الثالثة، بإجماع الأصوات، بعد يومين أثنين من اللقاء الحاسم.  استخرج السادة منه ما كانوا يريدونه ثم أعادوا استخدامه مرة أخرى.

هل البرادعي رجل غير شريف؟  لا يعرف المرء ببساطة إجابة على ذلك.  النظرة الخيرة في ذلك، وهو ما يبدو من على السطح، تبدو أنه موظف الخدمة العامة الدولية الكلاسيكي، المتورط في التصرفات التي تسعى لإحداث التوازن التي تقوم بها البيروقراطية والتي تقف به في وضع مستحيل.  لو قاد البرادعي فريق تفتيشه من داخل القواعد التي تتيحها المعاهدات والبروتوكولات، وفي النهاية، يعلن أن إيران بريئة، سوف تسقط الولايات المتحدة ببساطة هذه الاكتشافات، وتعلن أنه ما يزال الكثير لم يخضع للتفتيش، وتدعي معرفة أعلى، وتشرع في القيام بما تشتهيه أولا.  لو استمر البرادعي، من ناحية أخرى، في تصعيد مطالبه، لإظهار أن التفتيش ما زال مستمرا، سوف يوقف الإيرانيون مسار العملية عند نقطة معينة، إن آجلا أم عاجلا، وتقوى مسألة "عدم التوافق"، حتى لو أن إيران ترفض فقط عدم الخضوع للمطالب التي ليس لها أساس قانوني أو حتى عرف عام في كيفية استمرار لعبة الدبلوماسية.  في كلا الحالتين، ليس هناك برهانا واحدا على أن إيران تحاول صنع أسلحة نووية، وما يكتشفه البرادعي الآن أو ما لم يكتشفه ليس له إلا أقل القليل بالكيفية التي تجري على أساسها اللعبة.  هانز بليكس، رئيس مفتشي السلاح في العراق، ظل يقول أنه لم يكتشف شيئا ولكن، شاكيا من أن صدام حسين لا يستجيب بالسرعة الكافية، ظل أيضا يزود الولايات المتحدة بذخيرة الاتهام "بعدم الإذعان".  الآن، عندما أصبحت كلماته لا تساوي كثيرا، غالبا ما نجد بليكس على شاشات التلفزيون السويدي يشجب الغزو الأمريكي للعراق.  فيما يخص إيران يبدو أن البرادعي من المقدر له أن يلعب نفس الدور الذي لعبه بليكس.

من المحتمل أن الترويكا الأوروبية والولايات المتحدة من خلف هؤلاء الموظفين سوف يتلكأون في تحويل الملف الإيراني الى مجلس الأمن من أجل اتخاذ عقوبات سياسية واقتصادية خوفا من استخدام روسيا والصين لحق الفيتو ضد هذا القرار.  بشكل ظاهر، لا يعول الإيرانيون أنفسهم على مثل هذا الفيتو.  يضع الدستور الإيراني العلاقات الخارجية بأكملها بين أيدي المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، ووزير خارجية إيران السابق، على أكبر ولاياتي، الذي يعمل الآن كمستشار للقائد الأعلى الحالي، آية الله على خامنيئي، من المشهور أنه في صف الرأي القائل بأنه بدلا من تحمل عبء الاعتراض على قرار تقدمه بقوة كلا من الولايات المتحدة والترويكا الأوروبية بشكل مشترك سوف تحاول كلا من روسيا والصين على الأرجح تخفيف قسوة شروط العقوبات وقد ينجحا في تخفيفه فقط.  والشيء السار أيضا، مع ذلك، هو أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجتمعين قد يتجاوزا مجلس الأمن بالكامل ويحاولا فرض العقوبات بشكل مشترك من خلال آلية تجمعهما هما الاثنين ويجندان البلاد الأخرى في مختلف أنحاء العالم لفرض شروط نظام العقوبات التي يريانها، مع تفهم أن التوليفة الأورو- امريكية لديها كثير من الصخب الذي تستطيع به كسب تعاون أغلبية البلاد في النظام الكوكبي الحالي.

الخيار الأخير تم تطويره بواسطة جماعة مكونة من المسئولين الكبار السابقين والحاليين في الولايات المتحدة وأوروبا، تتضمن شتروب تلبوت، وهو خبير هندي مجرب.  هذا الخيار هو أيضا أكثر احتمالا، لأن الأساس الوحيد في القانون الدولي لتحويل ملف ايران الى مجلس الأمن هو "عدم التزامها بشروط معاهدة انتشار السلاح النووي" نفسها، والتي كانت ايران احد الدول الموقعة عليها.  بالنسبة لبقية الأمر، لم يتطلب مجلس الأمن لهذا الحد التفتيش ولا الشروط التي يعمل فريق التفتيش من خلالها.  النقطة اللازمة هنا هي المادة الرابعة من معاهدة الحد من انتشار السلاح النووي التي تعطي لأي دولة موقعة "الحق الذي لا يستلب في تطوير وإجراء الأبحاث وانتاج واستخدام الطاقة النووية للإغراض السلمية"، وان تحصل على التكنولوجيا الخاصة بذلك من أي بلد.  الكثر من اللغط حدث من الولايات المتحدة والترويكا الأوروبية ووسائل الإعلام لديهم فيما يخص تخصيب إيران "لليورانيوم".  الحقيقة هي أن المستويات الدنيا من التخصيب هي فعلا ضرورية للوظائف العادية للمفاعلات ولإنتاج الطاقة النووية من أجل الأغراض السلمية، وفقط المستويات العليا من التخصيب هي التي يمكنها انتاج اليورانيوم المطلوب لصنع السلاح النووي.  طرح إيران لمناقصات من أجل تخصيب الوقود النووي هكذا هو في إطار "حقها الذي لا يستلب منها".  وقد طرحت ايران عدة صيغ معقولة للإشراف الدولي على مستويات تخصيب الوقود النووي لديها، بما فيها فكرة الاستثمار لمجموعة شركات غربية في مجال المنشآت النووية الإيرانية، ولكن دون أي مجيب.

وهكذا، هل سوف تكون هناك عقوبات ضد إيران، من خلال أو من خارج إطار مجلس الأمن؟  هذا السؤال مرتبط بالسؤال الأكثر جوهرية: ماذا تريد الولايات المتحدة؟  بالأحرى: ما هي أهداف السياسات والاستراتيجيات طويلة الأمد لدى إدارة بوش فيما يتعلق بإيران، وماذا تستطيع الولايات المتحدة بشكل واقعي أن تأمل في تحقيقه حاليا؟  هناك سؤالين مختلفين ولسوف نتناول أساسا أول هذين السؤالين هنا ولسوف نأتي لتعقيدات الوضع الحالي في مقالة أخرى.

لا توجد شكوك في حقيقة أن الرؤية الكوكبية للمحافظين الجدد، وفي سياسات إدارة بوش القائمة على تلك الرؤية – لا نتكلم عن الحسابات الإسرائيلية التي يمثلها التيار الأساسي لمفكري المحافظين الجدد – إيران كانت دائما الجائزة الكبرى.  جولات الألاعيب الباهرة التي كانت تدور في واشنطن لسنوات عدة هي: "كل فرد يريد الذهاب إلى بغداد ولكن الرجل الحقيقي يريد الذهاب إلى طهران".  كانت إيران محور دولاب الإمبراطورية الأمريكية في غرب آسيا المسلم حتى عام 1978، التي خسرتها لسقوطها في أيدي الثورة الإسلامية؛ وغزو ايران سوف يكون أيضا نوعا من الاسترداد.  بمصطلحات الموارد، احتياطيات ايران من النفط يقال أنها الثانية بعد السعودية، وبضمها إلى احتياطيات الغاز – يقال أنها بفارق كبير هي الأكبر في العالم – إنها القلب من قوة الهيدروكربون.  بالمعنى المباشر، معظم نفط إيران يذهب إلى الصين والعقوبات ضد ايران تقطع طريق الإمداد هذا، بعيدا عن توقعات تدمير شبكة تأمين الطاقة الآسيوية المرتقبة.  بشكل استراتيجي، سيطرة ايران على مضيق هرمز تعطيها ميزة فريدة للسيطرة على طريق مرور ناقلات البترول الضخمة في الخليج ككل.  سياسيا، إيران التي تمتعت بالسلام منذ نهاية الحرب العراقية الايرانية في الثمانينات، ولذا لديها الوقت لتجديد أسلحة قواتها المسلحة واستقرارها المالي، هي القوة المضادة المحتملة والحقيقية الوحيدة في مواجهة إسرائيل في المنطقة، وخصوصا إذا ما استطاعت تطوير أسلحة نووية؛ بينما ومصر قد تم تحييدها والعراق وقد سقط، غزو إيران سوف يترك إسرائيل حرة تفعل ما تريد، لعشرات السنوات القادمة، دون أي خصم له وزن.

خيال الغزو قد اتخذ عدة أشكال.  أحد أنواعه كان هو أن استعراض كاسح للقوة في العراق سوف يجعل طغمة رجال الدين الحاكمة في ايران ترتعد وتبحث عن ملجأ؛ واحتلال سوريا سوف يمضي كالسكين في العجين وحزب الله في لبنان، المفترض أنهم مجرد عملاء في أيدي الإيرانيين وألعوبة في أيدي السوريين، سوف يتفتت؛ جمهورية ديموقراطية على النمط الغربي ويسيطر عليها الشيعة في العراق سوف تكون إلهاما للحركة الديموقراطية ذات التوجهات الغربية والمعادية لرجال الدين في إيران التي سوف تكون بدورها على أهبة الاستعداد للإطاحة بالاستبداد الإسلامي؛ سوف تلعب الأقلية الأذرية في إيران نفس الدور الذي لعبته الأقلية الكردية في العراق، لصالح الولايات المتحدة؛ مجاهدو خلق الذين يعسكرون في العراق منذ زمن، تحت حكم صدام حسين أولا، ثم يرعاهم الأمريكان حاليا، سوف يرسلون لتمهيد الأرض للقوات الخاصة الأمريكية، لجمع معلومات استخباراتية وللمساعدة على إلهاب انتفاضة جماهيرية؛ جماعات المنفيين الإيرانيين المتعددة، بما فيها الجماعات المؤيدة للعرش، والتي كانت تحتضنها الولايات المتحدة على الأرض الأمريكية، سوف تطير الى داخل إيران، كما طارت جماعات المنفى العراقية ورجال أحمد جلبي؛ هجوم خاطف اسرائيلي امريكي سوف يؤمن البلاد، ويهدئها في التوقيت المناسب، لمدة عام أو عامين.  بكلمات أخرى، السيناريو الذي أعدوه للعراق سوف يكرر في إيران أيضا، لو استطاعوا تمهيد السبيل لذلك.

نعرف أن خطط هجوم على ايران – اسرائيلي أو أمريكي أو بشكل أكثر تشجيعا اسرائيلي بغطاء أمريكي – قد كانت معدة للتنفيذ للحظات.  في 4 يناير 2002، بعد احتلال الولايات المتحدة لأفغانستان، كتب بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل الأسبق مقالة في الجيرزساليم بوست: "أسقطت القوة الأمريكية سلطة نظام طالبان في أفغانستان، وانهارت شبكات تنظيم القاعدة هناك على عروشها.  يجب أن تتحرك الولايات المتحدة الآن بشكل مماثل ضد أنظمة إرهابية أخرى – إيران والعراق وسوريا وديكتاتورية عرفات وبعض الأنظمة القليلة الأخرى".  في 5 فبراير 2002، قبل غزو العراق بوقت كاف، كتبت التايمز اللندنية أنه طبقا لآرييل شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي، "ايران هي "محور الإرهاب في العالم"، وفور ما يحسم الصراع في العراق، فهو [شارون] سوف يندفع نحو إيران لتصبح المهمة على رأس "قائمة المهمات الواجبة النفاذ"... إنه يرى إيران "وراء كل إرهاب في كل مكان في العالم" وتهديد مباشر لأمن إسرائيل".  النيويورك تايمز عدد 16 فبراير 2002، كتب تقريرا عن قول نائب الرئيس ديك تشيني، كما لو كان ينقل قرائنه عن شارون: "هناك رغبة عارمة من جانب الشعب الإيراني لاستعادة وإعادة تأسيس علاقات مع الولايات المتحدة والغرب.  وبنفس الشعار، تبدو الحكومة ملتزمة، مثلا، بمحاولة تدمير مسيرة السلام في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.  لقد رأينا نماذج عديدة لدعمهم النشيط للإرهاب، وعلى حد قول الرئيس في خطاب حالة الاتحاد الليلة، نماذج على جهودهم التي لا تتوقف لتطوير أسلحة للدمار الشامل".  هذه الاتهامات الثلاث – عدم قبول التفوق الإسرائيلي، ودعم ’الإرهاب‘، و"اسلحة الدمار الشامل" أصبحت أيقونة في التصريحات الرسمية طوال الأشهر المتعددة التالية.

في مايو 2003، مجلس النواب الأمريكي مرر قرارا خول، بالفعل، سلطات "بالهجوم الاستباقي على إيران"، قرار مر بموافقة 367 الى 3، مؤشرا على وحدة كاملة للهدف بين الديموقراطيين والجمهوريين.

التنافس على مؤهلات عليا في لعبة كراهية ايران بين الجمهوريين والديموقراطيين ظهر بشكل واضح عندما اتهمت سوزان رايس، وهي واحدة من مستشاري الأمن القومي لجون كيري، المرشح الديموقراطي في انتخابات الرئاسة، بوش "بالوقوف جانبا بينما يتقدم البرنامج النووي الإيراني للتسليح".  في سبتمبر 2003، خرجت تقارير عن وكالة رويترز وصحيفة هآرتز الإسرائيلية، بأن خطط الولايات المتحدة لبيع اعداد هائلة من القنابل التي تطلق من الجو لإسرائيل، تتضمن 500 قنبلة "bunker buster " القادرة على اختراق المنشآت النووية الإيرانية تحت الأرض. طبقا لكاتب العمود الصحفي ويليام أركين في الواشنطن بوست، الخطة الاستراتيجية الأمريكية (المعروفة رسميا باسم كوبلان 8022-02) اكتملت في نوفمبر 2003، وتخول سلطة "ضربة استباقية وهجومية وقدرات ضد إيران وكوريا الشمالية".

أنا أنقل هذه التقارير الإخبارية القليلة بين عامي 2002-2003 هنا لأظهر كم من الوقت مضى وفكرة غزو إيران تلعب بالخيال.  سوف أقفز الى الفترة التي مضت بينهما والآن، ما عدا القول بأنه طوال عام 2004كانت هناك تنبؤات عظيمة، في كل أنحاء الكوكب عن هجوم اسرائيلي وشيك على ايران: كيف نقلت اسرائيل غواصاتها النووية الى الخليج، كيف أن اسرائيل انتهت من بناء ألعاب حربية استعدادا لهجوم مفاجئ على المنشآت النووية الإيرانية، وهكذا.  في صيف 2005، كان بوش على التلفزيون الإسرائيلي، يقول أن الولايات المتحدة ربما تضرب إيران بنفسها وهي تفهم تماما احتياجات اسرائيل الأمنية الخاصة لو قامت هي بالهجوم على إيران.  في نفس الوقت، بدت مصادر مستقلة تقترح أن حربا منخفضة الحدة مع أيران قد بدأت توا، مع ضروب من رحلات تجسس جوية أمريكية تزدحم بها سماء إيران، واختراق جماعات ايرانية عميلة للحدود الإيرانية للعمل بالداخل، وربما حتى بعض القوات الأمريكية الخاصة تعتدي أحيانا على المناطق النائية، وهكذا.

الآن، من المحتمل أن بعض من كل ذلك هو حرب نفسية، لاستثارة الخوف في إيران وهكذا يخففون المواقف الإيرانية لصالح تنازلات أكبر لصالح الولايات المتحدة، ليس فقط في مجال الطاقة النووية، التي هي في حد ذاتها ليست ذات وزن، ولكن في المسألة الأكثر أهمية والأكثر تعقيدا وهي مسألة النفوذ الإيراني على العراق، وسوريا وجنوب لبنان والبحرين والولايات الشرقية من السعودية، دون الحديث عن المقاطعات الجنوبية الشرقية لأفغانستان.  بكلمات أخرى، قد تكون إيران غير مواجهة باحتمالات الغزو ولكن قد تكون بين شقي الرحى التهديد بالتخريب الداخلي المتصاعد والإحالة المنذرة لملفها الى مجلس الأمن لفرض عقوبات عليها.  مع الوضع في الاعتبار السجل التاريخي كله للتخطيط العدواني الأمريكي والعناد والمثابرة الإسرائيلية، فالعلامات البادية فادحة للدرجة التي تكفي توني بن، الشخصية المحبوبة بأكثر ما يمكن في حزب العمال البريطاني، أن يكتب: "التخطيط لحرب جديدة يأخذ تماما نفس الشكل الذي حدث في 2002.  أولا يخبروننا أن ايران تشكل تهديدا عسكريا لانها قد تكون عاكفة على تطوير أسلحة دمار شامل.  ويطمئنونا بأن الرئيس يأمل في أن تنجح الدبلوماسية من خلال المفاوضات الأوروبية التي تدور لبضعة أشهر...  هذا هو نفس الشيء الذي أخبرونا به عندما كان هانز بليكس في بغداد يحادث صدام حسين ممثلا للأمم المتحدة، ولكننا نعرف الآن، من مذكرة داوننج ستريت التي تسربت منذ عدة أشهر، أن القرار بغزو العراق كان قد أتخذ قبل ذلك بزمن طويل".

بمعنى من المعاني، لا يجب علينا حتى أن ننتظر لهذا النوع من المذكرات حتى يظهر على السطح بعد الحرب ويخبروننا كم كان تخطيطهم للحرب كان مبكرا.  لدينا العديد من الوثائق التي تخبرنا أن الاستعداد لغزو إيران – بنصوص متعددة وأهداف متعددة – يمضي على الأقل منذ ثلاث سنوات، وليس فقط مجرد تصورات ولكن بمعنى استعدادات عسكرية حقيقية: ألعاب حربية، اتخاذ مواقع للرجال والمواد على طول الطريق من أذربيجان الى مياة الخليج، دون الحديث عن المناطق العراقية نفسها، أو المفاوضات باستخدام المجال الجوي التركي لهذا الخصوص.  ولهذا الحد، الغزو الفعلي لإيران قد أخذ يراوح في مكانه بسبب انقلاب مقياس المقاومة العراقية، والفوضى الداخلية للقوات المسلحة الأمريكية، وقدرة إيران الخاصة على حشد قوات هائلة ضد الولايات المتحدة في العراق، وأفغانستان ولبنان.  إنه من هذا المنظور لا يتم اخضاع ايران الى ساخنة ولكن الى حرب طويلة باردة، في شكل عقوبات اقتصادية للنظام وتخريب داخلي، وربما بالنسبة للولايات المتحدة ذلك هو الاختيار الأكثر عملية في الوقت الحالي.

  

كفاية - من نحن - انضم إلينا - المصادر - الإصدارات - التقارير - الأرشيف