الزحف المقدس في مظاهرات "لا تتنحى"

عرض لكتاب شريف يونس الجديد والمنشور في المصري اليوم.

سامر سليمان

18 ابريل 2005

من أهم أسباب انهيار النظم السياسية هو تعرضها لهزيمة عسكرية من دولة أخرى. لأن هزيمة الدولة واحتلال جزء من أراضيها هو بمثابة فشل في تحقيق وظيفة من أهم وظائف النظم السياسية وهو إدارة الدولة بما يحافظ على استقلال البلد وسلامة أراضيه. وعلى ذلك فإن خروج "جماهير" شعب ما للمطالبة ببقاء نظام عرض البلاد لهزيمة عسكرية من النوع الثقيل، ولضياع جزء هام من أراضيه هو مفارقة تستدعي التأمل والتفكير والدراسة لأجل التفسير.

هذا ما حاول أن يقوم به  شريف يونس، مدرس التاريخ بجامعة حلوان، في كتابه الأخير "الزحف المقدس" الذي صدر عن دار ميريت للنشر، والذي يتعرض بالتحليل لأسباب خروج الناس في مظاهرات حاشدة في يومي التاسع والعاشر من يونيو 1967 لرفض تنحي الرئيس عبد الناصر عن السلطة. لقد دار جدل كثير من قبل حول هذه الأحداث، ولكن السؤال الأساسي المطروح في الجدل لم يكن هو السؤال الأهم.

فالجدل كان ينصب على مدى عفوية المظاهرات. ففي الوقت الذي أكد فيه منتقدو النظام الناصري على أن المظاهرات كانت مدبرة من أجهزة الدولة، أصر الناصريون وغيرهم على أنها كانت عفوية، أي أنها من فعل أفراد عاديين قرروا بإرادتهم الحرة أن يتمسكوا بالزعيم.

والسؤال بهذه الصيغة يفترض أن المظاهرات "العفوية" هي تعبير عن الوعي السياسي الحقيقي الذي يعبر عن "نبض الجماهير"، وأن عدم وجود مؤسسات منظمة لها هو دليل على نقائها وصدق مطالبها. وهذا غير صحيح على الإطلاق لأن حرية الناس تكون محكومة بالاختيارات المطروحة أمامهم.

خلاصة كتاب شريف يونس إذن هو أن الناس التي خرجت في هذه المظاهرات لم  يكن لديها إلا خيار وحيد: الخروج للمطالبة ببقاء عبد الناصر. وإذا كان الناس قد تصرفوا هكذا فذلك ليس من محض الصدفة، ولكنه نتاج عمل دؤوب لنظام سياسي امتلك أجهزة أيديولوجية طاغية.

كيف استطاع عبد الناصر المهزوم عسكرياً أن يحتفظ بالسلطة وأن يجلس على مقعد الحكم مرفوعاً على أعناق الجماهير؟ لتفسير ذلك يعود شريف يونس للوراء قليلاً  من أجل دراسة الخطاب السياسي الناصري الذي يميل الكاتب إلى تقدير الحرفية التي صنعته. هذه الحرفية التي تجلت في أعلى درجاتها في خطاب التنحي الذي أمضى كاتب مصر الأسطوري حسنين هيكل ثماني ساعات في كتابته، والذي أدخل عليه عبد الناصر بعض التعديلات التي يكاد الكاتب يعترف أنها عبقرية. وهذا التقدير لحرفية الخطاب السياسي لنظام عبد الناصر يجعل من نقد يونس للناصرية نقداً عميقاً وخلاقاً.

فلكي تنتقل من مواجهة خصمك بالنقد بدلاً من القذف، يجب أن تعطيه حقه من التقدير. وأهم تقدير يمكنك أن تعطيه لخصمك هو أن تستمع لخطابه باهتمام. الكثير من الانتقادات للناصرية تقوم على تحقير هذا النظام, وهو الأمر الذي يجعلها انتقادات غير ناجزة وغير خلاقة رغم حدتها الظاهرة، لأنها لكي تتجاوز الخطاب الذي تنتقده يجب أن تكشف بوضوح عن تناقضاته.

الكتاب إذن يدرس الخطاب الأيديولوجي للناصرية وكيف نجح في النهاية في خلق عبادة ناصر.

يوضح الكاتب ما يسميه بالنظرية اللاهوتية في الحكم. كان عبد الناصر يحتكر الحكم لأنه المعبر عن أمنيات ورغبات الشعب، بل هو روح هذا الشعب. أمنيات ورغبات الشعب تظل في مستوى اللاوعي حتى يكتشفها الزعيم فيقوم بتحقيقها.

والطبيعة اللاهوتية لتلك النظرية تتبدى من العلاقة الخفية التي تربط الشعب بالزعيم. فالنظرية لا تحدد مؤسسات بعينها يستطيع الرئيس بواسطتها أن يستشعر أمنيات الناس. وهذه الطريقة في الرؤية ترفع مرتبة رئيس الجمهورية من موظف عام يختاره الناس لأنهم يعتقدون في كفاءته إلى روح الشعب التي لا يمكن للشعب أن يعيش بدونها.

هكذا يورد يونس بعض المقاطع من الخطاب الإيديولوجي الناصري، مثل ما قاله محمد التابعي الكاتب الصحفي الشهير عن الاستفتاء على رئيس الجمهورية "استفتاء للشعب... امتحان للشعب. امتحان يكشف فيه الشعب عن حقيقة معدنه.. وأصالته.. وهل هو شعب نافذ البصيرة صادق الحكم بعيد النظر.. يعرف لجمال عبد الناصر قدره وقيمته.."

والعبارة لا تحتاج لكثير من التعليق، فالشعب هنا هو المستفتي عليه وليس رئيس الجمهورية. ومثل هذا الخطاب لا يمكن التعامل معه بوصفه نفاق رخيص لكتاب انتهازيين. فالمسألة تتعدى ذلك بكثير. المسألة تتعدى كون هذا الخطاب نابع من قناعات حقيقية لكتابه أم خوفاً من السلطة أو طمعاً فيها. المهم هنا هو تأثير هذا الخطاب الذي كان يردده الآلاف من المثقفين والكتاب من خلال الإعلام الذي سيطر عليه النظام الناصري بشكل شبه مطلق في هذه المرحلة.

يعتقد الكاتب أن هذا الخطاب قد حقق نجاحاً كبيراً في خلق عبادة عبد الناصر، الأمر الذي يفسر الخروج الكبير للناس من أجل رفض تنحي عبد الناصر.

والحقيقة أن خروج الناس للمطالبة ببقاء الرئيس لم يكن فقط نتاج العلاقة الأبوية الفريدة بين الزعيم الأب وأبناءه من الشعب. لقد قبل الناس الاختيار الأفضل المطروح أمامهم. فبين بقاء عبد الناصر وتولي زكريا محي الدين للرئاسة، كما اقترح ناصر في خطابه، اختار الشعب البديل الأول.

فبالإضافة إلى رفعة مكانة الزعيم بالمقارنة بزملائه من الضباط الأحرار، لم يكن محيي الدين يحظى بشعبية بسبب توليه مسئولية وزارة الداخلية ثم رئاسة الوزراء، وهي مسئوليات لا تساعد من شغلها على تحقيق شعبية في الشارع، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن وزارة محي الدين جاءت لتطبيق إجراءات اقتصادية تقشفية بعد فشل الخطة الخمسية الأولى.

خروج الناس للتظاهر والمطالبة ببقاء الزعيم كان البديل الوحيد أمامهم. ولكن هذا الخروج دشن أول حجر في عقد جديد بين الشعب والرئيس عبد الناصر، يتولي فيه الرئيس الحكم لأن الناس قد قررت ذلك، وعبرت عن هذا القرار. لا يهم هنا كثيراً ما إذا كان عبد الناصر كان ينوي فعلاً الاستقالة أم أنه كان ينتظر خروج الناس لإبقائه. لأن خروج الناس كان هو الشرط الوحيد لبقائه في الحكم. ربما يكون عبد الناصر قد راهن على ذلك، ولكن المؤكد أن الناس هم الذين أبقوه في الحكم.

وهذا ما اتضح فيما بعد عندما بدأت مبادرات الناس لمعارضة السلطة تتوالي، مثل مظاهرات الاحتجاج ضد الأحكام المخففة التي حصل عليها قيادات سلاح الطيران المتهمين بالتسبب في الهزيمة. لقد لمس الكاتب ذلك سريعاً. ربما كان من المفيد أن يستفيض في شرح المغزى الإيجابي الكبير لهذه المظاهرات التي كانت تؤذن بميلاد جديد للشعب المصري.

يستحق هذا الكتاب مناقشة هادئة ورصينة لأنه يسير في النقد البناء والخلاق للناصرية، ذلك النقد الذي يهدف ليس إلى التحقير والتشهير ولكن إلى الفهم والنقد من أجل تجاوز هذا التراث السياسي الذي لا يمكن إنجاز التحول الديمقراطي في مصر بدون الحوار والاشتباك معه.

 

كفاية - من نحن - انضم إلينا - المصادر - الإصدارات - التقارير - الأرشيف