ترجمة: أحمد زكي
هذه
المقالة معدلة من الفصل الثامن لكتاب مايكل فرشوفسكي نحو مقبرة مفتوحة:
أزمة المجتمع الإسرائيلي (مونثلي ريفيو، 2004)، التي تستعرض منظور لأحد
المنشقين الإسرائيليين الهامين الذي نادرا ما اتيحت له فرصة استماع في
الولايات المتحدة. فرشوفسكي هو المؤسس المشارك ومدير مركز المعلومات
البديلة في القدس وناشط معادي للصهيونية معروف. هو أيضا مؤلف كتاب
إسرائيل – فلسطين: التحدي الثنائي القومية (تكستويل، 2001) والمذكرات
الحائزة على الجوائز، على الحدود (سوف يظهر للنشر قريبا من دار ساوث اند).
باغتيال
رئيس الوزراء إسحاق رابين في الرابع من نوفمبر 1995، انتهت مرحلة طويلة من
الصراحة النسبية، والليبرالية، ومحاولات السلام والعلاقات الطبيعية مع
العالم العربي. باغتيال رابين لم يقبض اليمين الإسرائيلي فقط على
السلطة – بما فيها السلطة داخل حزب العمل – ولكنه ثبت أيضا المسمار الأخير
في نعش نوع مؤكد كانت سوف تكون عليه إسرائيل. فرطت إسرائيل في نوع
معين من البلاد كانت سوف تكونها، بقيمها الخاصة و، في النهاية، إطار عمل
دستوري ومجموعة من المؤسسات. كيف تمت هذه التحولات نحو إسرائيل
الجديدة؟
قامت
اللجنة المركزية للانتخابات بتصفية قائمة حزبية وعضوين عربيين في الكنيست
قبل حتى أن يسأل بعض المثقفين الإسرائيليين، والصحفيين والخبراء
القانونيين أنفسهم هل ما زالت إسرائيل هي الديموقراطية المحدودة التي كانت
منذ تأسست الدولة. حقيقة أن كلا من حاييم باران ويوري أفنيري يسألان
السؤال ويجيبان بـ ’لا‘؛ هي حقيقة ذات مغزى. كلا منهما ما زالا يريا
أنفسهما لسنين كصهيونيين ووطنيين إسرائيليين. باران هو ما تسميه
إسرائيل "الأمير": ابن أحد الرواد والزعماء الأوائل في البلاد؛ افنيري بطل
حرب 1948، عضو كنيست سابق وصحفي شهير. إننا بذلك نستمع إلى المشاعر
التي تنطلق من قلب نخبة إسرائيل القديمة التي اعتقدت أن ما قد خلقته أثناء
العقود الأولى يختفي، ربما للأحسن. كما يكتب افنيري:
ليبرمان،
الزعيم الأرثوذكسي ايفي ايتمان وزعماء الليكود الآخرين هم في طليعة
الطابور الخامس الذي يلقي بحصاره حول الديموقراطية الإسرائيلية.
بدأوا بتعليم أتباعهم ارتكاب العنف ضد المواطنين العرب واستبعادهم من
النظام السياسي. الآن هم يتكلمون عن حذف "اليسار المتطرف". هل
يشك أحد أن مطلبهم التالي سوف يكون حذف اليسار بأكمله، سواء كان معتدلا"
أم "وطنيا"؟ ثم، بالالتزام بكل الأمثلة التاريخية، سوف يأتي الدور
على "الليبراليين" في الليكود. هل أنا من ينفخ في بوق النذير؟
ليس صحيحا. أهارون باراك رئيس المحكمة التشريعية العليا قام توا
بمقارنة الحالة الراهنة في إسرائيل، في حضور الرئيس الإسرائيلي، بألمانيا
النازية. قال باراك، وهو شخصيا من الذين بقوا بعد الهولوكست: لو كان
يمكن لها أن تحدث في بلد كنط وبيتهوفن، يمكن لها أن تحدث في كل
مكان. إذا لم ندافع عن الديموقراطية، لن تدافع هي عنا"!
خرج أنصار ليبرمان لتحطيم الديموقراطية التي بنيناها وخلقوا
الفاشية. (http://www.gush-shalom.org/)
الديموقراطية المزيفة
إبان
السنوات الثلاث الماضيات، رأينا علامات عديدة على اختفاء أكثر الأعراف
الديموقراطية أساسية. العرب المتهمون بعلاقات مع الإرهاب انتزعوا
منهم مواطنتهم الإسرائيلية. العرب من أعضاء الكنيست جردوهم من
حصانتهم البرلمانية. الآراء، والبرامج السياسية والقوانين العنصرية
العلنية – خصوصا المشاريع التي استهدفت التطهير العرقي في المناطق المحتلة
وفي إسرائيل نفسها – اكتسبت الشرعية.
هذا
التطور استطاع أن يتم بسرعة، دون أن يقود إلى أزمة كبرى، لأن إسرائيل كان
لديها دائما مفهوم ذاتي الحساسية للديموقراطية. الديموقراطية
بالنسبة للإسرائيليين كانت مقيدة دائما بأمرين: هيمنة الأغلبية على
الأقلية باستخدام وسيلة الانتخابات وتصرفات الفرع التنفيذي كان مؤسسا
دائما على القوانين التي تقرها الأغلبية البرلمانية (تقارير الـ AIC الخاصة، شتاء 1986).
وهذا بالأحرى مفهوم هزيل بشكل واضح عن الديموقراطية، الذي يتجاهل
بشكل كامل مفهوم الحقوق. على عكس ما كان يدعى دائما، حقيقة أن
إسرائيل لم تمتلك أبدا في أي وقت دستورا ليست مسئولية الأحزاب الدينية
بمفردها. السبب الحقيقي هو أن السياسيين الصهاينة لم يكونوا أبدا
قادرين على كتابة دستور ديموقراطي حقيقي، يكفل مساواة كل المواطنين
وحقوقهم الأصيلة بالاستقلال عن إرادة الأغلبية. تم تعريف إسرائيل
دائما ليس فقط على أنها دولة يهودية (ودولة ديموقراطية، طبقا لصيغة جوفاء)
ولكن أيضا كبلد يعيش في حالة طوارئ بسبب عقود عديدة من الحرب. تضرب
حالة الطوارئ هذه بجذورها بشكل عميق في الثقافة السياسية الإسرائيلية
للدرجة التي لا يستطيع السلام مع مصر ولا السلام مع الأردن ولا الإعلان
المشترك للمبادئ مع الفلسطينيين أن يضعها محل تساؤل.
نستطيع
أن نذهب بشكل أعمق في هذه المشكلة الديموقراطية في إسرائيل. التحول
المفاجئ والمتسرع في عام 1948 دون أي مرحلة انتقال من منظمات الاستطيان
اليهودية إلى هيكل الدولة جعل من الصعب على إسرائيل أن تقرر "أعراف
الحكم". أعراف الحكم هي بحكم تعريفها تختلف عن الأعراف التي
تستخدمها المنظمات التي لها طبيعة سياسية عسكرية، والتي لا تتقيد بأي
منظومة محددة بوضوح من القوانين. (يعرف الفلسطينيون شيئا ما عن ذلك
بحكم خبرتهم الذاتية اليوم. إنهم يجدون من الصعوبة بمكان أن ينتقلوا
من الطريقة التي أنشأتها منظمة التحرير الفلسطينية إلى الطريقة التي سوف
تتبعها السلطة الفلسطينية، بوصفها شبه دولة منتخبة من المفترض أن تقر
مجموعة أعراف ديموقراطية). بعد خمسين سنة من الاستقلال، سلوك دولة
إسرائيل وسلوك طبقتها السياسية يكشف عن درجة من الانزلاق بين الدولة،
والأحزاب الحاكمة والسياسيين، وبين إطار العمل التشريعي الملزم والمصالح
التي لا يمكن احتواءها في هذا الإطار من العمل. الفساد هو أحد
الأمثلة، طبعا. ولكن هناك أيضا الممارسات السياسية والعسكرية التي
تنتهك القانون ولكن يراها الفرع التنفيذي ضرورية، مثل استخدام التعذيب
والإعدامات خارج الإطار القانوني.
تلجأ
دولة إسرائيل إلى آليتين من أجل تخفيف هذه التناقضات. الأولى هي
الإنكار على طول الخط، والذي يؤدي إلى شيزوفرنيا محققة. ولقد شهدنا
هذه الآلية في الواقع الفعلي في مجال الخدمات الاستخباراتية، والشرطة،
والأكاذيب المنهجية للنيابة العامة حول استخدام التعذيب؛ أكاذيبهم في
المحاكم التي تؤدي في نهاية الأمر إلى أزمة مؤسسية جدية وتشكيل لجنة تحقيق
وطنية. النموذج الآخر: إنكار وجود الترسانة النووية الإسرائيلية قد
منع وجود أشكال للحماية منها. طبقا للخبراء الدوليين نتج عن هذا
عديد من الحوادث الفنية وجعل من مفاعلات إسرائيل النووية الأكثر خطورة في
العالم على غرار مفاعل تشيرنوبل.
الآلية
الثانية هي استخدام تشريعات تفصل على مقاس الأشخاص. وهو ما يحدث إذا
كان القانون (في الواقع "قانون أساسي") يتطلب من المرشح لمنصب رئيس
الوزراء أن يكون عضوا بالكنيست، ولكن بنيامين نتنياهو، الذي يريد أن
يترشح، ليس في الكنيست؟ تم تعديل القانون الأساسي حتى يسمح لنتنياهو
ان يترشح. مثال آخر: وزير سابق في السجن بسبب الفساد، يتم شحن حملة
كبير من أجل إطلاق سراحه، ويتم إقرار قانون يسمح لأشخاص بعينهم إطلاق
سراحهم بعد قضائهم لنصف المدة. آخر: قانون أساسي يقيد حجم الحكومة
بسبعة عشر وزيرا، ولكن ايهود باراك، من أجل الحصول على أوسع ائتلاف ممكن،
وعد حوالي ثلاثين سياسيا بحقائب وزارية، وتغير القانون الأساسي.
حيث أن
القوانين – خاصة القوانين ذات الطبيعة الدستورية – يمكن تغييرها من أجل
تلبية مصالح فردية أو احتياجات اللحظة، لماذا لا نتخطى فقط عملية وضع
القوانين بالمرة؟ شاؤول موفاز، الرئيس السابق لقيادة الجيش العليا،
أعلن ترشيحه للكنيست العام الماضي برغم أن "فترة السكون" التي يتطلبها
القانون بين تقاعده والانتخابات كانت لم تنته بعد. حجة موفاز أمام
لجنة الانتخابات كانت صريحة بشكل يثير الابتسام: لو كان قد انتبه لذلك،
فقضية تغيير القانون ما كانت ستشكل مشكلة. السبب الوحيد وراء عدم
تغيير القانون كان هو السهو الصريح. لذا دعنا نتظاهر إنه قد تغير
ونكف عن تضييع الوقت.
مرونة
القوانين هي أحد النواتج الثانوية لغياب مفهوم الحقوق في الديموقراطية
الإسرائيلية. حتى عندما يرد ذكر الحقوق بشكل واضح تماما، كما في
القوانين الأساسية المقررة منذ سنوات الفترة الليبرالية، فهي دائما
مشروطة: "بشرط عدم وجود قانون قائم يعارض ذلك"، أو "ما عدا حالة الطوارئ"،
أو "إذا لم يتعارض ذلك مع الطبيعة اليهودية لدولة إسرائيل".
باختصار، الحقوق الأساسية موجودة – مثل مبادئ مساواة النوع والمساواة بين
المواطنين من معتقدات مختلفة – إذا لم يقرر البرلمان بشكل ديموقراطي،
هكذا، بأغلبية برلمانية بسيطة، انتهاكها.
في
إسرائيل، لا يمتلك أحد حقوقا بمجرد أنه مواطن. الحقوق – الحصانة
البرلمانية لأعضاء الكنيست العرب؛ الحق في الترشيح من أجل منصب في الحكومة
لو فشل في الالتقاء مع معايير سياسية أو أيديولوجية ما (والتي يمكن أن
تتغير عندما تقرر الأغلبية البرلمانية ذلك)؛ الوجود القانوني لحزب برنامجه
ينادي بأفكار "الدولة اليهودية" و"الدولة الديموقراطية" المتناقضة بشكل
متبادل؛ مواطنة العرب الذين من المفترض أن لديهم روابط مع "الإرهاب"، الخ
– يمكن إلغاءها بتصويت الأغلبية. وما الذي يمكن أن يكون أكثر طبيعية
من اتخاذ حزب عضو الكنيست أفيجدور ليبرمان الخطوة التالية واقتراحهم في
برنامجهم الانتخابي نزع جنسية الإسرائيليين الذين يسيئون لسمعتها، بشكل
واضح ذاكرين الجنود والضباط المتمردين، وعضو الكنيست السابق يوري افنيري
والمحامية ليا تسميل؟
عندما
يخلق بلدا ما حدودا يوسعها باستمرار منتهكا لأحكام القانون الدولي؛ عندما
تكون الغاية، التي هي دولة إسرائيل، تبرر دائما الوسائل؛ ثم لا يجب أن
نندهش عندما يكون احترام إسرائيل لقوانينها الخاصة ينتهي دائما لأن يكون
أمرا صعب المنال بشكل مرعب. المواطنون المعتادين يتبعون منوال
قادتهم، الذين يطبقون داخليا نفس الروح التي لا تلتزم بالقانون كما
يطبقونها بشكل منهجي في العلاقات الدولية. الحصانة التي تستمتع بها
إسرائيل داخل المجتمع الدولي ليست هي فقط إنكار العدالة من أجل ضحايا
اعتداءها المستمر؛ ولكنها أيضا أحد الأسباب وراء انحطاط المجتمع
الإسرائيلي الداخلي. "ولكن لماذا يجب أن أكون أنا الفرد الوحيد في
هذا البلد الذي يجب أن يطيع القانون؟" هكذا يتساءل لاعب كرة الراكيت على
شاطئ حيفا.
طبقة
سياسية جديدة
هذا أن
الثقافة السياسية في إسرائيل وممارساتها حملت لأعوام تماثلا قليلا لما بات
مفهوما بشكل عام بواسطة الديموقراطية إنه لا يوقف الانحلال الحالي بأي
درجة أو يقلل من الرعب الذي يسببه. وهو ما يشرحه المثال الذي حدث
مؤخرا. منذ خمسة وعشرين عاما اضطر إسحاق رابين للاستقالة كرئيس
للوزراء بسبب حساب بنكي يحتوي على عدة آلاف قليلة من الدولارات فتحته
زوجته في واشنطن عندما كان سفيرا هناك. في ذلك الوقت لم يعتبر اسحق
رابين نفسه ولا الطبقة السياسية ولا الرأي العام رئيس الوزراء الشاب
شهيدا؛ كان عليه أن يتخلى عن منصبه كأمر طبيعي لأنه خرق القانون. في
العام الماضي، على العكس، أدي تحقيق بوليسي إلى كشف تورط اريل شارون في
فضيحة فساد تتضمن عديد من مئات الملايين من الدولارات. ساعتها لم
يفكر ارييل شارون ولو للحظة في الاستقالة وفقط؛ بل قاد هجوما مضادا،
يسانده فيه كامل اليمين الإسرائيلي، متهما مكتب النائب العام والبوليس
بأنهم يشكلون عصبة مع "اليساريين". وأضاف شارون أن القانون كان غير
ملائما ويجب تعديله.
مثال
آخر: منذ خمسة سنوات، بعد محاكمة طالت لمدة عشر سنوات، محكمة مقاطعة القدس
أصدرت حكما على وزير الداخلية السابق وزعيم حزب شاس آري ديري بأربع سنوات
حبسا بسبب الفساد. المحكمة العليا أيدت الحكم. مئات الآلاف من
الناس تظاهروا في الشوارع لشهور يدعون براءته ومطالبين بحل المحكمة
العليا. "ديري برئ" كتابة كنت تستطيع قراءتها على كل جدار في
إسرائيل وعند تبادل الأنخاب. صوت الكنيست على قانون خاص من أجل
إطلاق سراحه. إعلان براءة ديري لم يستند إلى تفسير مختلف للأدلة
والقرائن والشهادات، ولكن استند على حجتين غير قانونيتين: "انتم [اليسار]
حكمتم بإدانته لأنكم تكرهون شاس واليهود من أصل عربي [ديري يهودي مغربي
الأصل]"، و "والباقون كلهم يأخذون رشاوى، أيضا". ما يقلق على
نحو خاص هو أن جزء ملموس من الطبقة السياسية، خصوصا الأحزاب اليمينية
والدينية، انضموا إلى الحملة الشعبية ضد شرعية النظام القضائي
نفسها. أثناء السنوات العشر الماضية، تغيرت تركيبة هذه الطبقة
السياسية الحاكمة بشكل كامل.
في
القلب من هذا التغيير كان الانقلاب العسكري المحقق. بشكل معترف به،
لعب الجيش دائما دورا سياسيا هاما في إسرائيل، أحد هذه الأدوار باسم الجيش
نفسه والثاني من خلال الضباط الكبار الذين أعيد تدويرهم مرة أخرى
كسياسيين. عندما اضطر بن جوريون إلى الاستقالة في خمسينيات القرن
الماضي، استخدم الجيش عدة مرات، خصوصا رئيس القيادة العليا، موشى دايان،
لإجبار رئيس الوزراء ليفي اشكول على تشكيل أول حكومة وحدة وطنية، تضمنت
مناحم بيجين وديان كوزير دفاع.
من
ساعتها وحتى اغتيال رابين، بقيت القيادة العليا تحت سيطرة الحكومة والتزمت
بقراراتها. الفرضية تم طرحها مرارا في السنوات الأخيرة وهي أن هناك
تيار يميني متطرف ومنظم داخل الجيش وداخل أجهزة الأمن المتنوعة، ويعارض
هذا التيار عملية أوسلو ويقوم بمبادرات عدة لتخريبها، عن طريق وفوق كل شيء
الهجمات الاستفزازية. هذه الفرضية لم يتم إثباتها أبدا. ولكن
بدون شك أصبح الجيش الحضانة الملائمة لتيار يميني قوي، في مقدمتهم الجنرال
بيران والرؤساء المتتابعين للقيادة العليا، شاؤول موفاز وموشيه
يعالون. استعمل هذا التيار نفوذه للتأثير على عدة حكومات وقراراتها.
منذ
1996 وما بعدها، أصبح الجيش سلطة فريدة في حقوقها الخاصة في علاقتها
بالحكومة. اعترف بيريز بسيادتها الخاصة، ودعمها نتنياهو، وايهود
باراك – يظل اسمه يتردد مرارا – جعل من الجيش حزبه السياسي الحقيقي.
كبار الضباط يحضرون اجتماعات الوزارة؛ الاستخبارات العسكرية تلفق
"المعلومات"؛ يبرر الجيش المبادرات السياسية والعسكرية ويكتب
النصوص. الجنرال موشيه يعالون كان الأول الذي يطلق على السلطة
الفلسطينية أنها منظمة إرهابية، وزودنا "بالدليل"، وصنع السيناريو الذي
يتم تنفيذه من نهاية عام 2000 لتدميرها. منذ 1996 بدأ يطلق الضباط
الكبار التصريحات السياسية، وينذرون الحكومة عندما يعتبرونها غير حازمة
بما يكفي لتنفيذ حملة التهدئة حتى نهايتها المرسومة، ومخاطبين الرأي العام
مباشرة من أجل "شرح" خطورة الوضع بالنسبة لهم. هذا هو انقلاب عسكري
فعلي، يذكرنا بانقلاب ديجول في 1958 في جانب أنه تم باتفاق ودعم من
القيادة السياسية المنتخبة بشكل ديموقراطي. لقد أصبحت عملية مستمرة
من خلال انتقاء الضباط الأعلى في قيادة الحزب السياسية، وعلى رأس أهم
الوزارات.
ولكن
التغيير الذي حدث في طبيعة القيادة السياسية لدولة إسرائيل يمضي وراء
الثقل المادي لقيادة الجيش العليا. الدور الرئيسي للأحزاب الدينية
الأصولية من جانب ودور الأحزاب الروسية من جانب آخر يجب التشديد
عليه. هاتان القوتان السياسيتان الاثنتان تمثلان وتعطيان صوتا
للتيارات في المجتمع الإسرائيلي التي ترى في المرجعية الى الديموقراطية،
وحكم القانون، وفصل السلطات، والحريات المدنية أنهم لا يعنون شيئا على
الإطلاق. "تشكيل المحكمة العليا يجب أن يتغير لأنها لا تضع في
اعتبارها ما يريده الرأي العام"، هذا ما قاله عضو الكنيست المتعصب هندل
بعد أن أعلن القاضي أهلية عزمي بشارة وأحمد الطيبي – معا مع زعيم عصابة
الفاشيست باروخ ميرتسل – للتقدم للترشيح من أجل انتخابات الكنيست.
بعدها بدقائق قلائل عبر عضو في الكنيست من أصل روسي عن دهشته من أن نفس
هذه المحكمة رفضت قبول ترشيح الجنرال موفاز للكنيست "لأسباب فنية بحتة" –
وهي أن القانون يحظر ذلك بوضوح، (إذاعة الجيش الإسرائيلي في 9 يناير،
2003).
قانون
الدولة لا يمثل شيئا في حساب الأحزاب الدينية؛ بالنسبة لهم القانون الإلهي
هو فقط الشرعية. بالنسبة للأحزاب الروسية، الديموقراطية والحريات
الفردية هي رفاهية زائدة عن الحاجة وهي السبب الأول فيما يعتبرونه ضعف
إسرائيل المعنوي والسياسي الرئيسي. كلا التياران يشتركان في عنصرية
ضد العرب لا نهاية لها. الاختلاف الوحيد بينهما هو كراهية الروس
واحتقارهم للمتدينين. وهذا نقر بأنه ليس شيئا هينا في الوقت الذي
تدفع فيه القوى الدينية الأمور لإنشاء سلطة شبه كهنوتية بدلا من "الدولة
اليهودية الديموقراطية".
أيديولوجية
جديدة لنظام جديد
الخطأ
في تقدير وزن هذه التيارات الصريحة في عدائها للديموقراطية داخل إسرائيل
سوف يكون خطأ كبير. حتى بالنسبة لأعدادهم هم يقدرون بأكثر من الربع
من أعضاء الكنيست وتقريبا النصف من الوزراء في الحكومة الحالية. على
الجانب الأيديولوجي النظرة العالمية الصهيونية العلمانية، "اليهودية
الديموقراطية" القديمة بقيمها التحررية هي في تراجع كامل، بينما المناظرات
والأيديولوجية يتخذان موقفا يعيد تشكيل كامل الثقافة الإسرائيلية.
الأيديولوجية الجديدة تجمع أربعة عناصر أساسية وتركبهما معا: عسكرة قومية
بشكل أو بآخر تجتمع بأصولية دينية؛ يصدر عنهما العنصرية؛ روح قاسية مشبعة
بالمسيانية؛ وإرادة ترحب بوضع كل عرف ديموقراطي محل تساؤل. ضعهم
معا، تساعد هذه العناصر على تشكيل بارانويا معممة، تقود الإسرائيليين إلى
النظر إلى كامل العالم على أنه خطر وجودي للبقاء اليهودي في الشرق الأوسط
وفي كل مكان آخر.
أول
تأثير وأكثرها شرا بلا شك لهذه الأيديولوجية الجديدة هو القبول بحالة
الحصار الداخلي واعتياد الموت. يبدو أن الإسرائيليين قد اعتادوا
الانتشار الواسع للجيش والبوليس والآلاف من قوات الحرس الخاص في مداخل كل
المنشآت العامة – والمطاعم، والسوبرماركت، والمدارس والمخازن – دون أي ظل
لتحفظ، كما لو أن ذلك هو طريقة طبيعية للمعيشة بالنسبة للأفراد
والأمم. في بعض الأحيان يبدو الناس كما لو أنهم يقبلون هذه الحالة
من الأمور بمتعة، كما لو أن المجتمع يجد أن من الأسهل الحياة مع هذه
الحقيقة بدلا من الحياة الطبيعية اعتمادا على ما يطلق عليه اليمين "خطر
السلام".
بل أن
الأسوأ، أن مجموع الخسائر المدنية والعسكرية الكبير يراه الناس أحيانا
كأمر لا مفر منه. يبدو المجتمع كما لو أنه تعود على ذلك بسرعة
مدهشة، بحيث يطيق حكومة أثبتت عجزها عن ضمان الأمن لمواطنيها
أنفسهم. نوريب بيليد، التي فقدت ابنتها في حادث هجومي في القدس،
استعارت هذه العبارة "مملكة الموت" من ديلان توماس لنبذ هذه الاعتياد
الشرير لموت الأبرياء.
خليط
العدوانية القومية واتخاذ دور الضحية في نفس الوقت ينتج مستوى من العنف
داخل المجتمع الإسرائيلي من الصعب قياسه من الخارج. ولكن يكفي
الاستماع إلى ما يذاع من جلسات الكنيست لتعرف معنى ذلك. أحد أعضاء
الكنيست وعد بأن أعضاء الكنيست العرب سوف يقفون أمام فرقة تنفيذ الإعدام
رميا بالرصاص؛ ووصف آخر زملاءه من أعضاء الحزب الصهيوني ميرتس كـ
"خونة". يبقى أن نرى من سوف يتقدم بأكثر مقترحات القوانين دمار
مستهدفا ليس فقط "الإرهابيين" ولكن أيضا أي شكل من أشكال الانشقاق داخل
إسرائيل. المحكمة العليا، وسائل الإعلام، ولكن أيضا على الأغلب
البوليس ومكتب النائب العام، يتعرضون بشكل منتظم للاستهجان كمعادين لليهود
أو حتى كـ "مافيا اليسار". الاحترام المتبادل، والحد الأدني من
التمدين وخصوصا الانتماء للأعراف الديموقراطية كلها غير قائمة.
الأعراف الديموقراطية على وجه الخصوص ينظر إليها كرواسب مؤذية من نظام مضى
زمانه سوف يستبدل بدولة سلطوية سوف تجهز أخيرا لتتخذ التدابير المطلوبة
لضمان أمن إسرائيل والشخصية اليهودية.
هذا
العنف والنبذ لمتطلبات الديموقراطية من المسئولين المنتخبين في إسرائيل
يقف كنموذج أمام مواطنيها. لقد ذكرت توا ما تقوله الشعارات على
الجدران والملصقات على السيارات. هي لا تهاجم العرب فقط ولكنها
تهاجم أيضا أي شيء يتصورونه على أنه عدو كامن، من "عصابة أوسلو" التي يجب
تقديمها لمحاكمة عسكرية إلى "وسائل الإعلام المعادية"، بالطريقة التي تجرأ
بها القاضي اهارون باراك ورئيس البوليس لفتح تحقيق في الفساد المحتمل
لعائلة شارون. الرفض للسماح للناس أن يبقوا على قيد الحياة الذي
يعبر عنه الإسرائيليين أكثر فأكثر بشكل علني عندما يصل الأمر إلى العرب –
سواء أكانوا سكان المناطق المحتلة أم مواطنون إسرائيليون – امتد الآن
ليشمل الإسرائيليين أنفسهم الذين يرفضون ركوب الموجة مع الآخرين أو الذين
مجرد أنهم يودون العيش بطريقتهم الطبيعية في مجتمع ديموقراطي
علماني. عندما يخلي القانون الطريق لخليط من الضمائر النقية والقوة
كأساس للعلاقات بين البشر الآخرين، إذا، فهو الطرف الوحيد المفتقد عندما
تحتاج الحريات إلى الحماية في مجتمع المرء نفسه. إنها الحقيقة
القديمة التي يتعلمها الليبراليون الإسرائيليون الآن بثمن قاسي.
العنف
لا يظهر فقط في السياسة داخل إسرائيل ولكنه يظهر أيضا في التعاملات
اليومية داخل البيوت والشوارع. الافتقاد للتمدين الذي كان دائما أحد
اسباب فخر المجتمع الإسرائيلي قد تبدل إلى حماقة رخيصة. بينما كان
الإسرائيليون مشهورين في السابق بعدم قدرتهم على قول كلمات مثل "من فضلك"،
"عفوا"، "شكرا"، اليوم هم جاهزون ماديا على الاشتباك مع بعض الأشخاص الذين
يزاحمونهم في السير؛ ومنذ أن كان لديهم بنادق ومسدسات يحتفظون بها، مثل
هذه الحوادث أحيانا سوف تنتهي إلى مأساة. الأطباء النفسيون
والأخصائيون الاجتماعيون يحذرون باستمرار من مثل هذا التصعيد للعنف، ولكن
يبدو أن تحذيراتهم لن تجعل الأمر مختلفا. المجتمع بأكمله مريض، مريض
لحد مرعب.
اليسار
يستسلم
تدهور
المجتمع هذا وأعرافه الداخلية للسلوك تقلق المعتدلين في إسرائيل حتى أكثر
مما تسببه الحالة السياسية. معظم المعتدلين، بعيدا عن النهوض
لمواجهة ذلك، يبدو أنهم قرروا الاستسلام.
أثناء
عشاء ليلة الجمعة في بيوت الطبقات المتوسطة الحديث هو خليط من التأنيب
واليأس، مع نوبات من الاشمئزاز الأبوي على كل الناس الذين يقودون بلادهم
إلى الكارثة: وهم يعنون اليهود "السفارديم"، والروس، والأرثوذكس، وليس
اليهود الحقيقيين من أمثالهم. وجد هؤلاء الناس في مقابلة/ اعترافات
موشيه نسيم (الدب تيدي الكردي) حول نشوة اجتياحه بالبلدوزر لمنازل
الفلسطينيين في جنين، أمرا لذيذا. لقد تناسوا المسئولية التي تقع
على كاهل رؤسائه الضباط، معظمهم كانوا من "الإسرائيليين الأخيار" مثلهم.
في
البداية أحفاد هؤلاء الذين يسميهم المؤرخ توم سيجيف "الإسرائيليين
الأوائل" كانوا غاضبين من الفلسطينيين لأنهم تجرأوا ورفضوا عرضهم السخي
للسلام. الآن هم غاضبون من الإسرائيليين الآخرين لأنهم استقدموا
اليمين والأرثوذكس إلى السلطة. كالمعتاد، ليس لديهم أي إحساس
بمسئوليتهم هم؛ انهم يلوكون الكلام فقط حول جحود زملائهم المواطنين الأقل
مرتبة. مظاهرات اليسار، ضد الخراب في المناطق المحتلة وضد النمو
المتزايد لسطوة الدولة، انتهت الى لا شيء مثل البالونة المنفوخة التي
تنفجر. فقد اليسار إرادة القتال منذ زمن طويل، في الحقيقة منذ الوقت
الذي اغتيل فيه رابين، من أجل بقاء رؤيته الخاصة للمجتمع، وحتى من أجل
بقاء اسرائيل كأمة.
كثير
ممن هم في جانب اليسار مدركون تماما أن بقاء اسرائيل ذاته هو في
خطر. إنهم يرسلون بأطفالهم الى الخارج، يشترون ممتلكات في أوروبا،
ويحاولون الحصول على جواز سفر آخر. قسم الرياضيات المرموق في
الجامعة العبرية بالقدس، والذي اعتاد الفخر بأساتذة الرياضيات لديه، أصبح
عاجزا لمدة تصل إلى عامين الآن في ملء أماكن شاغرة لديه، لأن حتى طلبة
الدكتوراة الإسرائيليين يفضلون استكمال مستقبلهم المهني في جامعات أقل
مكانة أمريكية أو أوروبية.
كان
هناك وقت اشتهر فيه اليسار الصهيوني بتهمة "اقصف ثم ابكي بعدها".
اليوم نستطيع القول أنه يقصف ثم يشكو مشفقا على نفسه. أبعد ما يكون
عن القتال من أجل المجتمع الذي حلم به كل هذا الزمان الطويل السابق، هو
ينكب على نفسه مكتئبا. إنه يتهم العالم كله، الفلسطينيين أولا وقبل
كل شيء وبعد كل شيء، كونهم مسئولين عن مصيره التعس، ويحلمون بمستقبل أكثر
طبيعية في أوربا أو الولايات المتحدة.
أقلية
صغيرة فقط تستمر في القتال، قتال من أجل كلا من حقوق الشعب الفلسطيني ومن
أجل إيقاف تحويل إسرائيل إلى دولة أصولية تتخلى عن آخر ادعاءاتها
الديموقراطية. هل ستكون هذه البقية من الناس قادرة على وقف اندفاع
المجتمع الإسرائيلي نحو الدمار، ووقف تهشم البلاد في حائط الكراهية المحيط
بالعالم والذي يبنيه الإسرائيليون بأيديهم نفسها؟ علاقات القوى غير
مشجعة، والوقت قصير.