ربما تختلف مصر وإسرائيل أحيانا،
بل مصر والولايات المتحدة الأمريكية، لكن الأمر المؤكد أن هناك علاقات
إستراتيجية تربط سياسات، وتضبط علاقات كلا من مصر وإسرائيل في إطار رعاية
المصالح الأمريكية في المنطقة…
رغم ذلك، يتفجر الرأي العام
المصري إزاء كل بادرة تعاون مصري ـ إسرائيلي، متجاهلا، ومتناسيا، اتفاقيات
السلام الموقعة بين البلدين منذ أكثر من ربع قرن.
في الأسابيع القليلة الماضية،
تكدر الرأي العام المصري عدة مرات…
مرة عندما قتل الجنود
الإسرائيليون ثلاثة من جنود الشرطة المصرية في رفح المصرية. ومرة أخرى
عندما أطلق سراح الجاسوس عزام عزام وتسليمه لإسرائيل، والثالثة، بتوقيع
اتفاقية المناطق الحرة المؤهلة (الكويز).
وفي المرات الثلاث، لم تتجاوب
السلطات المصرية مع الغضب الشعبي.. في المرة الأولى، تسامحت معه, وفي
الثانية أنكرت أنها كانت واقعة تحت ضغط وهي تسلم عزام عزام
لإسرائيل، وفي المرة الثالثة، بالغت في المكاسب التي ستحصل عليها من جراء
الكويز.
وعلي الرغم من أن غضب الرأى العام
ينطلق من إدراك حقيقة الطبيعة السياسية والاستراتيجية التي تحكم العلاقات
المصرية- الإسرائيلية … والتي تتجاوز المكاسب الاقتصادية
الضيقة.. إلا أن الدوائر الرسمية تصر علي مناقشة القضية في تلك
الأطر الاقتصادية المحدودة دون الخوض في الأبعاد السياسية...
لذلك لابد من مناقشة
اتفاقيات ( الكويز) في إطار التقارب السياسي المصري- الإسرائيلي الذي يتم
في الأشهر القليلة الماضية، بضغوط شديدة من واشنطن، ليس بغرض تحسين
العلاقات بين القاهرة وتل أبيب فحسب، ولكن أيضا، لكي تلعب القاهرة دورا في
دفع البلدان العربية لتحسين علاقاتها بإسرائيل.
في المقابل، تجري مباحثات عالية
المستوى بين القاهرة وتل أبيب للتوصل إلي اتفاق لتعزيز ترتيبات الأمن علي
الحدود المشتركة. وفي أكتوبر الماضي، وافق المسئولون الإسرائيليون علي
زيادة القوات المصرية في سيناء، خاصة في المنطقة المتاخمة للحدود، دونما
الحاجة إلي تعديل اتفاقية كامب ديفيد، ولا زالت المباحثات جارية لزيادة
عدد القوات المسلحة ورفع مستوى تسليحها.
وفي نوفمبر الماضي، قتلت القوات
الإسرائيلية ثلاثة من جنود الشرطة المصريين في الجزء المصري من رفح، وقبلت
مصر اعتذار "شارون" ووعده بعدم تكرار هذا الحدث. فرغم فظاعة هذا الاعتداء
إلا أنه لم يفسد مساعي تحسين العلاقات.. بل أن هذا الحادث، لم يمنع
السلطات المصرية من الإعلان عن أنها تثق في رغبة "شارون" في التوصل إلي
سلام، رغم أنها كانت تكرر علي مدار السنوات الماضية أن " شارون " لا يرغب
في أى "سلام".
في هذا الإطار، كشف " شالوم"،
وزير الخارجية الإسرائيلي، في حديثه أمام الكنيست في منتصف ديسمبر، عن
سياسة إسرائيل الراهنة بقوله: نسعى لعزل أى دولة عربية أو إسلامية
راديكالية، مثل إيران وسوريا، لكننا نحسن علاقاتنا مع عدد من البلدان
العربية والإسلامية الأخرى، ونناقش معها علاقاتنا الإقليمية والاقتصادية
"..
مؤشر أخر جديد في مسيرة تحسين
العلاقات المصرية – الإسرائيلية، تبدت في إطلاق مصر
لسراح عزام عزام وتسليمه لإسرائيل، في مقابل ذلك إطلاق إسرائيل سراح
الطلاب المصريين الستة. فضلا عن ذلك، تشير بعض المصادر إلي أن إسرائيل
ستفرج قريبا عن 120 مصريا في سجونها، تعبيرا عن الامتنان لمصر، وتأكيدا
لمناخ تحسين العلاقات.
من ناحية أخرى، وفي نفس الإطار،
تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لبناء منطقة الشرق الأوسط للتجارة الحرة،
من أجل السيطرة علي المواقع التجارية والاستراتيجية الهامة في المنطقة
بهدف الإضرار بالقوى المنافسة في الاتحاد الأوروبي.
من أجل ذلك، تعقد الولايات
المتحدة سلسلة من الاتفاقيات الثنائية لإنشاء مناطق للتجارة الحرة في
الشرق الأوسط، لدمج إسرائيل في اقتصاديات المنطقة من جانب، ودمج الجميع في
السوق العالمي. الخطوة الأولي في هذه العملية … إنشاء مناطق مؤهلة صناعيا (كويز)
من أجل تشجيع التجارة البينية مع إسرائيل، ومناطق حرة، يسمح لها بالنفاذ
إلي السوق الأمريكي، شرط مساهمة إسرائيل في مدخلات إنتاج هذه المناطق..
بالفعل، وقعت الولايات المتحدة 13
اتفاقية من هذا النوع المعروف ( بالكويز) مع الأردن لتشجيع التجارة مع
إسرائيل، في عام 1999. وبعد عامين، تم إنشاء منطقة تجارة حرة أمريكية – أردنية. وارتفعت قيمة التبادل
التجاري بين البلدين من 31 مليون دولار عام 1999 إلي 674 مليون عام 2003.
بالمثل، تسعى مصر للحصول علي
مكاسب مادية نظير رعايتها للمصالح الأمريكية، كما تسعى إسرائيل للنفاذ إلي
اقتصاديات المنطقة والاندماج بها، وتسعى أمريكا لربط اقتصاديات بالسوق
العالمي وفقا للمصالح الأمريكية...
في هذا الإطار، استقبلت مصر وفدا
من رجال أعمال إسرائيليين التقي بمسئولين حكوميين، وببعض أصحاب مصانع
النسيج، وكانت الأولي من نوعها من خمس سنوات.
كما تشير الإحصاءات الرسمية
المصرية إلى أن قيمة التجارة بين مصر و إسرائيل ارتفعت في النصف الأول من
هذا العام إلى 9.5 مليون دولار أمريكي، بزيادة 4 مليون عن قيمتها في النصف
الأول من العام الماضي 2003. وميل الميزان التجاري لصالح مصر.
وجاءت أخيرا، الاتفاقية الموقعة
بين أمريكا ومصر وإسرائيل لإقامة سبع مناطق صناعية مؤهلة، تتوقع منها مصر
أن تقفز بصادراتها من هذه المناطق إلي الولايات المتحدة، شرط أن يكون
المكون الإسرائيلي في الإنتاج 11.5 % علي الأقل، وألا تزيد نسبة القيمة
المضافة المصرية علي السلع المنتجة عن 35%.
بالطبع، سيربح البعض من الإنتاج
والتصدير للسوق الأمريكي. وهو الأمر الذي تؤكده الحكومة المصرية، وتركز
عليه، وتهلل له، لكن الرأي العام منشغل بمشروعية هذا الكسب، الذي يوطد
العلاقات مع إسرائيل ويدمجها في المنطقة.