أثار الفوز الساحق
للإخوان المسلمين في الانتخابات التشريعية الأخيرة ردود أفعال ومناقشات
تبدأ وتنتهي بالخوف من مشروع مقبل يوشك أصحابه أن ينتزعوا السلطة في مصر
لإقامة " دولة دينية " تهدد كل ما حققته النهضة المصرية ورسخته من قيم
الديمقراطية ، ومبدأ المواطنة ، وحرية التعبير ، والوحدة الوطنية ،
والمساواة بين المسلمين والمسيحيين في الحقوق والواجبات ، وتعليم المرأة
وعملها ، ومعانى القومية ومبادئها . دولة تتوعد بالفناء الثقافة المصرية
المستنيرة .
وقد صب أغلب ذلك
النقاش في عدة اتجاهات ، الأول حين وجه الكثيرون سهامهم إلي اللحظة
الراهنة ، أعني طبيعة العملية الانتخابية وما شابها من تزوير ، والصفقات
اللئيمة التي تخللتها ، والتحالف السياسي الذي عقده الإخوان مع الحكومة ،
والعنف والرشوة ودور الأموال العربية والدولية في ذلك الفوز وغير ذلك مما
جعل الإخوان يفوزون بما انتزعوه تحت قناع ديني ، تاركين للآخرين الذهول
أو الصدمة أو الدهشة . ثم أفاق البعض وانتبه إلي خطورة ما حدث ، وإلي أن
المسألة أعمق من اللحظة الانتخابية والانتصار العابر، فوجهوا سهامهم إلي
الأسس النظرية لحركة الإخوان وتاريخهم الطويل باعتبارهم قوة سلفية كبرى
عيونها على الماضي ، قوة قادرة على دفن حاضر مصر ومستقبلها في مقابر "
الفهم الديني " لمجموعة بشرية محددة تدعي أحقيتها في تفسير الدين وفرض
تفسيرها بالقوة على كل فئات الوطن . كان هناك أيضا من ألقى باللوم الضعيف
على الحكومة ذاتها وإدارة العملية الانتخابية و تسامحها مع الإخوان
لأسباب خاصة . وكان القاسم المشترك في كل الحالات هو اتفاق الجميع على
فكرة " الجماهير المغيبة فكريا " التي فضلت أن تعطي أصواتها لمرشحي
الإخوان حتى في معاقل وقرى وقلاع المستنيرين التي كانت حكرا تاريخيا
عليهم من قبل .
لكن أحدا لم يحاول
أن يلوم نفسه – ولماذا نفعل ذلك حين تتوفر إمكانية لوم الآخرين ؟ - ولم
يحاول أحد أن يراجع حركة وعمل اليساريين والعلمانيين والليبراليين
والقوميين على مدى ربع القرن ، واختار الجميع حلا نموذجيا ، يكتفون خلاله
بالهجوم على الإخوان، أو الحكومة ، أو لوم الجماهير الخائنة " التي خذلت
حركة التقدم " . ولكن .. حين يكون هناك شعور حقيقي بالمسئولية التاريخية
، فإن أول ما تفعله الأحزاب ، والقادة ، والكتاب ، وغيرهم ، هو مراجعة
أنفسهم ، ودورهم ، وطرق عملهم، وعلاقتهم بالشارع المصري ، والناس . وليس
سرا ، أن لدينا أحزاب معارضة رسمية تحولت من أحزاب تصدر صحفا إلي صحف
تتبعها أحزاب ، وإلي منظمات لا يزيد حجم تأثيرها في الحياة الاجتماعية
والسياسية والثقافية عن حجم مقراتها وغرفها ، بل لقد نال اليساريون
والليبراليون والعلمانيون والقوميون فرصة زمنية طويلة جدا ، حصلوا خلالها
على شرعية ، ومنابر ، وصحف ، وحرية تعبير ، ومقاعد برلمانية ، لم يحظ
الإخوان بمثلها ، في الوقت الذي كانت فيه أغلب حملات الاعتقال والضربات
البوليسية موجهة على مدى زمني طويل ضد الإخوان أساسا .
فما الذي قدمناه
للجماهير المغيبة فكريا سوى مجموعة برامج على ورق تنقضها كل يوم حركة
فعلية تتحالف مع الحكومة بشكل أو بآخر ؟ . والحق أن الجماهير لم تكن
مغيبة فكريا حين أعطت أصواتها للإخوان ، لكنها تخيرت ، بعد ربع القرن ،
ما تتصور أنه قوة معارضة جذرية لسياسات الدولة في كل مجالات الصحة
والتعليم والعلاقة مع إسرائيل وأمريكا وغير ذلك . وقد اكتسب الإخوان في
أعين الناس بريقا ليس لهم من وهج الحركات الإسلامية التي تقاوم الاحتلال
في فلسطين والعراق ولبنان ، رغم أن الإخوان في الوضع المصري يمثلون شيئا
مختلفا ، لا علاقة له بتلك المقاومة ، وقد اكتسب الإخوان شعبية بوسائل
عمل مختلفة ، ودءوبة بين الناس في مختلف المواقع ، وهو ما لم نفعله نحن .
ورسخ الإخوان وجودهم بما يشبه " البرنامج " الذي يلخص كل مشكلات
المجتمع في عبارة فضفاضة واحدة : " الإسلام هو الحل " ، بينما لم يقدم
اليساريون والليبراليون والقوميون والعلمانيون برنامجا ذا شأن من أي نوع
، اللهم إلا تلك البرامج التي كتبت لكي يتم نقضها في الحركة الفعلية .
وزاد الطين بلة أن أعدادا كبيرة من مختلف التيارات الوطنية لطخت نفسها
بالتعامل مع التمويل الأجنبي بدعوى أنه " لا نضال بدون مال ". ومن الغريب
ألا نرى في كل ذلك الحقيقة الواضحة ، وهي أن تقدم الإخوان هو الوجه الآخر
لتراجع القوى المستنيرة ، وأن الأزمة ليست في تزوير الانتخابات ، ولا في
الصفقات السياسية ، لكنها داخل البيت الوطني ، الذي شهد مفارقات عجيبة في
الموقف حتى من الإخوان ، فقد تحالف البعض معهم صراحة معتبرا أن ذلك خطوة
تقدمية ، بينما اكتفى البعض بلعنهم طيلة الوقت دون أن يدرك أنه يصب الماء
في طاحونة النظام ، بالتمويه على مصدر الخطر الأول. وفي اعتقادي أن "
البيت الوطني " لم يطرح بوضوح ودأب موقفا ثابتا من الدولة صانعة الفقر ،
والبطالة ، والدعارة ، والتبعية ، ومروجة الفكر السلفي ، وراعية الجهل ،
والبؤس . ولم يطرح " البيت الوطني " بوضوح ودأب أننا بلد شبه محتل ، لا
يمكننا أن نحرك جنديا أو بندقية في أكثر من ثلث الأراضي المصرية ، أي في
سيناء ، وأن هذه الحقيقة هي التي تحكم بقية مظاهر حياتنا من تبعية سياسية
، وإهدار لكل مشاريع التنمية الاقتصادية والعلمية ، بل ومن توزيع الثروة
القومية بحيث تعيش قلة ضئيلة حياة لا يصل إليها الخيال ، بينما تموت
الغالبية العظمى جوعا في صمت ، أو تموت بالأطعمة المسرطنة التي تنشرها
الدولة برعاية رسمية من أحد وزرائها . ومع الانتخابات الأخيرة ، نجد
أنفسنا ، مرة أخرى ، نصب غضبنا على هذا الطرف أو ذاك ، دون أن نخوض في
جذر المشكلة ، ودون أية رغبة في مراجعة النفس . والناس يدركون ذلك كله ،
ويحسونه ، ويعرفون أننا لا نفعل شيئا حقيقيا ، والناس ليسوا قوة مغيبة
فكريا كما يتصور البعض ، ولو كانوا كذلك لنجحت في الانتخابات القوى
المستنيرة ! لقد تبين للناس بوضوح على مدى زمنى طويل ، ثم في الانتخابات
الرئاسية التي سبقت الانتخابات التشريعية ، أن أحزاب المعارضة لا شئ ،
وأنها عاجزة حتى عن تقديم تصور مشترك لخوض تلك الانتخابات . أما عن حركات
المعارضة الحديثة ، التي تقف خارج الأحزاب ، فإنها تكتفي بطرح مفهوم
للتغيير ، يقتصر على شكل الحكم السياسي ، ومطالبها هي انتخاب الرئيس من
بين أكثر من مرشح ، وإلغاء قانون الطوارئ ، وغير ذلك ، دون تعميق مفهوم
التغيير ليشمل الوضع الاقتصادي والوطني . ولأن مطالب حركة المعارضة
الحديثة تتعلق بتغيير الشكل ، فقد حصلت على تغييرات شكلية ، إذ تم انتخاب
الرئيس فعلا من بين أكثر من مرشح ، ويجرى الاستعداد لإلغاء قانون الطوارئ
مع إعداد قانون آخر ( هو نفسه قانون الطوارئ ) تحت مسمى آخر " قانون
مكافحة الإرهاب " . ومن حق الناس أن تتساءل : وأين الحديث عن " الطوارئ
الاقتصادية " التي يجوع الجميع في ظلها ؟ وما أهمية أن ننتخب رئيسا من
بين أكثر من مرشح إذا كان النظام باقيا كما هو بعلاقات التبعية
والاستغلال وغير ذلك ؟ وما مدى انعكاس " انتخاب الرئيس من بين أكثر من
مرشح " على حياة الناس ؟ . لقد قدمت حركات المعارضة الحديثة فهما شكليا
للأزمة ، وحصدت نتائج شكلية ، دون أن تجد خلال ذلك تأييدا حقيقيا واسعا
من الناس . وفي اعتقادي أنه إذا لم تتم مراجعة صريحة للنفس ، وللتاريخ ،
وللفرصة الزمنية الطويلة المهدرة التي حصلت عليها أطراف المعارضة الوطنية
، ولأساليب العمل ، وللموقف من النظام والاستعمار في بلد شبه محتل ، فإن
علينا أن نتأهب للحظة حلول الظلام ، حين تنطفئ المصابيح ، وتعم العتمة .
ومع كل ذلك فإنني لست متشائما ، إذ لا يمكن للحياة أن تمضي في عكس
اتجاهها ، ولا يمكن للحياة أن تتواري في كهوف الظلمة ، المشكلة كلها أنه
سيتعين على " البيت الوطني " أن يحقق ما سيحققه في مدى زمني أطول . علينا
الآن أن نجيب عن سؤال واضح : ما هو حجم مسئوليتنا نحن عما جرى؟
أحمد الخميسي . كاتب مصري
Ahmad_alkhamisi@yahoo.com