تعرفون، وطبعا آباءكم
وأجدادكم يعرفون، أن الدولة بدءا من يوليو 1952 اصدرت قوانين عديدة غيرت
بها شكل ملكية الأرض الزراعية... كان أول قرار كبير أصدرته الدولة هو
القرار الذي صدر في 9 سبتمبر 1952، بعد استيلاء الضباط على الحكم بشهر...
القانون المسمى بقانون الإصلاح الزراعي، والذي حددوا فيه الملكية
الزراعية بـ 200 فدان، ثم اصدروا قانونا آخر عام 1961 حدد الملكية بـ 100
فدان، وآخر عام 1969 حدد الملكية بـ 50 فدان.
كانت الدولة تستولى على
الأراضي التي تزيد عن هذه الحدود، وتؤجر معظمها لكم..وكنتم تدفعون إيجارا
للدولة عن الأرض التي تزرعونها كل عام... كانت الدولة تعطي جزءا من هذا
الإيجار لكبار ملاك الأرض الذين صادرت أراضيهم على سبيل التعويض.. أما
أراضي الملك وعائلته – وهي مساحات هائلة من الأفدنة - فقد استولت الدولة
عليها وعلى ايجاراتها بالكامل... كانت الدولة تسمي كبار ملاك الأرض وقتها
بالاقطاع... وكانت الدولة تحاربهم لأنهم كانوا عماد الحكم الملكي السابق
على حكم الضباط...
الدولة لم تسمح لكم وقتها
بتملك الأرض (بل احتفظت بملكيتها لنفسها – الدولة؛ هيئة الإصلاح
الزراعي)...
وبعد وفاة جمال عبد الناصر
قام رئيس الدولة الذي خلفه، أنور السادات، بإصدار قرارات تساعد
الإقطاعيين وورثتهم على استرداد الجزء الأعظم من هذه الأرض.. ولكن قوانين
الإيجارات في السبعينات لم تكن تمكن الإقطاعيين وورثتهم من طرد الفلاحين
من الأرض... لذلك عندما ألغي قانون الإيجارات القديم، في عهد رئيس الدولة
الحالي حسني مبارك، وحل محله القانون 96 الذي صدر عام 1992... أباح ذلك
القانون فرصة طرد المستأجرين من الأرض.
قام الإقطاعيون وورثتهم
برفع قضايا أمام المحاكم وتمكنوا من الحصول على أحكام بطرد بعض
الفلاحين... وكانت تلك الأرض هي الأرض المدونة في سجلات رسمية بإدارة
المساحة، أما الأراضي التي لم يستطع ورثة الإقطاعيين إثبات ملكيتهم لها..
فقد لجأوا إلى حيلة وحيل... ساعدتهم على إتمامها وتنفيذها أجهزة الدولة
البيروقراطية بسطوتها الشديدة... مثل هيئة الإصلاح الزراعي التي كانت
تنفذ القانون فيما سبق.. والجمعيات التعاونية الزراعية التي هي أجهزة
بيروقراطية حكومية تحمل اسم التعاونية فقط.. من خلال المديرين الذين
يترأسونها..
كان ولاة الأمر عند
المبدأ، يضربون مصالح كبار ملاك الأرض، وأسموهم وقتها بالاقطاعيين. كان
هؤلاء الاقطاعيين كما يعرف آباءكم وأجدادكم هم سند النظام الملكي الذي
كان قائما قبل قيام النظام الجمهوري الذي يحكمنا الآن.
ولما استتب الأمر لهم،
وحتى يستتب لهم الأمر دائما كما يحلمون، أصدروا قوانين أخرى تباعا...
كرسي الحكم تحميه القوانين ويتطلب دائما صدور قوانين... قد يكون مرة في
صالح الفلاحين وقد يكون مرة في صالح من يظلمونهم.. ولكنه دائما في صالح
من يحكم...
قديما كان ملاك الأرض
الكبار في نظر ولاة الأمر هم الإقطاعيين الاشرار الذين ظلموا الفلاح
واستعبدوه، ومنذ فترة أصبح ورثة الاقطاعيين اسمهم الآن رجال الأعمال
والقطاع الخاص ودينهم هو السوق الحر والعالم الخارجي... وهم الشركاء في
عملية التنمية... والحكومة تشجع بأمر الامريكان والغرب الرأسمالي السوق
الحر والتصدير للعالم الخارجي....
في المرتين: الأولى عندما
كان ولاة الأمر يقفون ضد الاقطاعيين (كبار ملاك الأرض)، والثانية (الآن)
وولاة الأمر يقفون مع ورثة الاقطاعيين، لم يكن الهدف سوى المحافظة على
كرسي الحكم وامتيازاته الهائلة...
وفي المرتين: أولا عندما
كافح الفلاحون من أجل أن تكون قوانين الإصلاح الزراعي قوانين إصلاح
حقيقية لصالح الفلاح سواء كان مستأجرا أم فلاحا صغيرا. تصدت لهم الدولة،
ومنعت تطور حركتهم... منعتهم من أن يكونوا يدا واحدة تدافع عن مصالحهم
التي هي مصالح ملايين من أفراد الشعب... وكانت معارك كمشيش في الستينات
وسقط الشهداء: صلاح حسين و... و.....
وفي المرة الثانية – الآن
- يتصدى فلاحو الإصلاح لهذه الهجمة التي يقوم بها ورثة الاقطاعيين
المتحالفين مع أجهزة الدولة (الاصلاح الزراعي- القضاة الموالين لهم –
أجهزة الأمن- كبار البيروقراطيين)...
فلاحو الإصلاح مرة ثانية
يقدمون الشهداء والجرحي والمعتقلين والمحتجزين..
ولكن عزيمتهم لا تلين
وإصرارهم لا ينكسر بالتمسك بحقهم في الوجود على الأرض التي يزرعونها....
قدم فلاحو الإصلاح الثمن في سراندو وفي بهوت وفي صرد وفي ميت شهالة وفي
......
استولت الدولة على أرض
الاقطاعيين وعوضتهم عنها من جيوب الفلاحين على شكل الايجارات السنوية
التي كانوا يدفعها منتفعو الاصلاح الزراعي طوال السنين... ولكن الدولة
تحول الدفة الآن وتقف مع الإقطاعيين وورثتهم من أجل الحفاظ على كرسي
الحكم، وتفتح الباب بقوانينها لورثة الاقطاعيين والفاسدين لكي يحيكوا
المؤامرات وشتى الحيل والألاعيب من أجل طرد فلاحي الإصلاح من الأرض بعد
أن دفع الفلاحون ثمنها أضعافا مضاعفة للحكومة..
الصورة واضحة، وفلاحو
الإصلاح قد أقسموا قسما ألا يتركوا أرضهم لأن حياتهم وأسباب رزقهم
فيها...
لا يطرد فلاح من أرض
يزرعها....
الحكومة استولت على أرض
الإصلاح وقبضت ثمنها وما تزال....
أرض الإصلاح ملك منتفعي
الإصلاح....
الحكومة - وليس المنتفعين
- هي التي تعوض ورثة الاقطاعيين إذا كان التعويض الذي قبضوه سابقا لا
يكفيهم.....التعويض ليس على حساب منتفعي الإصلاح هذه المرة!
واجب الدولة أن تدعم
الفلاح حتى يستمر في زراعة الأرض واشباع احتياجات الناس من الطعام...
للمزارعين (مستأجرون
وفلاحين صغار ومتوسطين) الحق في تشكيل روابطهم ونقاباتهم المستقلة وأشكال
التسويق التعاوني لمنتجاتهم، كما كفلها الدستور في مصر وكما كفلتها
المواثيق الدولية التي وقعت عليها الحكومات المصرية....
هذا هو الحق الذي يقف من
أجله منتفعو الإصلاح الزراعي...
هذا هو الحق الذي يقف من
أجله كل فلاح يزرع الأرض لخيره وخير الناس...
هذا هو الحق الذي يقف من
أجله كل صاحب ضمير على أرض بلادنا...
لتمتد الأيادي من كل أنحاء
أرض مصر... من سراندو ومن بهوت ومن ميت شهالا... ومن كمشيش ومن... حتى
تتصدى معا لهجمة الاقطاعيين وورثتهم والفاسدين في أجهزة الدولة لطرد
منتفعي الإصلاح من أرضهم.. والاستيلاء عليها!