القرن الواحد والعشرون

احمد الشافعي

9 سبتمبر 2005

دخل القرن الواحد والعشرون وقد أتم الستين عاما . من شـرفته في حيّ القلعة في بيت قديم تربّى فيه طفلا ويافعا ورجلا ؛ نظر خلفه إلى بدايات القرن الماضي(القرن العشرين) فابتسم وانتشى ، رأي علي قمته الشيخ محمد عبده والشيخ الجليل عبد العزيز البشري ، وأحمد لطفي السيد وطه حسين والشيخ علي عبد الرازق ومصطفى كامل والمفدى محمد بك فريد وسعد زغلول وطلعت حرب ومحمود مختار العظيم ومثلهم عشرات وعشرات من العلماء والكتاب والشـعراء

ترى الفنون أشكالا وألوانا. وإذا نظرت إلى القطر العراقي استقبلك باشا ودودا العمالقة الشعراء : الجواهريّ والبياتي ونازك الملائكة وبدر شاكر السياب .وفي الطرف الآخر من الوطن العربي ، يشجيك أبو القسم الشابيّ  حين يجلجل صوته برائعته : إذا الشعب يوما أراد الحياة ؛ فيحرك قلوب الوطنين . يزلزلون أركان المجتمع إذا كتبوا وإذا خطبوا الزمن يصغي ويعي وينقل الأثير .. نفوا وشردوا ودخلوا سجون الوطن . ملئوا كلّ فراغ الكون . مرهوبو الجانب . يحسب لهم المستعمر ألف حساب ؛ لأنهم لا يتنازلون إذا فاوضوا لا يساومون ولا يباعون

لا يسعك إلاّ أن تقف إجلالا وتعظيما لأساتذة الجامعة الأجلاّء الذين عاشوا في محراب العلم لا يتجارون ولا يبخلون على أحد بعلمهم وخبراتهم . لايسطون على أبحاث غيرهم .. صوت مسموع في كلّ جامعات العالم وفي المحافل الدولية قمم وهامات سامقة إذا سقط منهم أحد بسبب التخويف أو الإغراء ربما تفاجئه المنية بغتة لأن ضميره لم يحتمل السقوط والمهانة  …

أما اليوم في قرننا الواحد والعشرين حدث ولا حرج عليكلا تجد شيئا سوى لصوص بنوك ولصوص سلطة ومناصب بالجملة اضمحلت الآداب والفنون والعلوم ، واختفى الشرفاء وتواروا خجلا ؛ لأن الفقر عقرهم ومن أسف وخجل لا ترى لجامعاتنا مكانا بين خمسمائة جامعة ، فهي خارج التقييم ولا يصلح معها إصلاح أو تقويم القائمين عليها لا يهمهم إلاّ إرضاء السلطان وحاشيته فانصرفوا عن البحث العلمي إلى البحث عن عقد عمل في بلاد الزفت والقار ، ومن لم يسعده زمانه في الفوز بالجنة الموعودة ، قام بطبع المذكرات ، والكتيبات لجمع الأموال من جيوب الطلبة والطالبات ووصل الأمر إلى الاعتداء على المقدسات الاجتماعية وعلى القيم والمثل العليا ؛ فغابت القدوة وساد عدم الانتماء للوطن نفوس الشباب .

مشاريع فاشلة صرف عليها مليارات الجنيهات ، وأخرى في طريقها إلى الفشل ، وخطط عشوائية في كل مناحي الحياة وأصبحت الفهلوة والنفاق سمة مميزة لعصرنا الحزين ، وبيعت الأوطان للصهيونية والعم سام ، وأصبح طلب الموت خلاصا مما نحن فيه ، فشنق عامل مسكين نفسه على كوبري فيصل لأنه لم يستطع الحصول على عمل يوفر منه أدنى ضروريات الحياة لأسرته ..

حسبي الله .. ولا حول ولا قوة إلا بزلزال لا يبقي ولا يذر وطوفان يقتلع كل اللصوص من كراسيهم ويلقي بهم في مجاري التاريخ .

ستون في المائة تحت خط مستوى الفقر ، وآخرون يتقاضون مرتبات بالملايين ، وقروض تمنح بالملايين لأصحاب الحظوة ، والمحسوبية والرشوة بأنواعها المعروفة وغير المعروفة تنخر نخر السوس في عظام المجتمع ، دون حياء أو وخزة ضمير

ضمائر ميتة ، وجلود سميكة في سمك جلد الفيل ، لا يؤثر فيها شيئ   ألا يوقظ ضمائرهم الميتة مرضى السرطان والفشل الكلوي وتليف أكباد المصريين  ملايين من الثكالى والحزانا لايجدون علاجا فيموتون لا يشفي غليلنا إلا إذا رأينا أعناقهم تتدلى على أعواد المشانق أنظر أمامك هل ترى من خلاص

أحمــــد الشـــافعي: باحث لغوي . موجه بالمعاش . قاص وكاتب

من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - كفاية