لم يسعدني الحظ بأن أكون قريبا من حسن بيومي أو بأن أشاهد
لحظات كفاحه ونضاله الذي استمر ما يزيد على النصف قرن. كما لم أتمكن من
أن أقضي وقتا أطول أتعرف عليه وأقترب من شخصيته الجليلة كما كنت أتمنى؛
فكل الوقت الذي قضيته بقربه لم يتعد الساعات القليلة خلال الأربعة أعوام
الأخيرة. ولهذا فأنا لا أجد نفسي مؤهلا للحديث عن تاريخه وعن نضاله وعن
معاركه التي لا تنسى والتي لن يمحوها الزمن:
أولا لأنني لم أكن شاهدا عليها ولأن معرفتي بها لا تتجاوز
السماع والرواية ومهما حاولت فلن أتمكن من نقل زخمها وحدتها وحرارتها لمن
لا يعرفها وثانيا لأن حسن بيومي لم يكن أبدا ممن يتاجرون بكفاحهم و
نضالهم أو بفنهم ونتاجهم الفكري، ولم يكن ممن يسعون للشهرة ويجيدون فنون
الدعاية لأعمالهم- التي عادة ما تكون تافهة وضئيلة. لكنني- بالرغم من
عجزي عن إيفاء المناضل الكبير حقه وقصور معرفتي به- أجد من واجبي نحوه-
بل ونحو نفسي- أن أكتب عن "خبرة" الساعات القليلة التي عرفته فيها.
في المرات القليلة التي قابلته فيها؛ كانت ابتسامته الواثقة
أكثر ما يعلق في ذهني. كنت أحس أن نظرته القوية الواضحة تخترق جسمي، تكشف
كل التخاذل واليأس والقصور في داخلي وتلقي عني كل الأقنعة والأردية
المزيفة التي أخفي بها عجزي البشري. كانت نظرته تعكس دوما الطريق الذي
اختاره لنفسه طوال حياته؛ رجلا واضحا ومناضلا صلبا وثوريا لا يناله شك أو
يتسرب لنفسه يأس أو قنوط.
حسن بيومي لم يتعلم كيف يختار ألفاظه بعناية- كي لا يغضب
أحدا أو يحرج أحدا- ولم يتعلم كيف يزين الحقيقة ويغير معالمها أو كيف
يداهن ويساوم ويتراجع خطوة تلو الخطوة. ولهذا فإن هؤلاء الذين عرفوه
وأحبوه وأجلوه وزاملوه أو رافقوه طوال كفاحه أو تتلمذوا علي نضاله وفنه
يعلمون أن نظراته وكلماته الساخرة- التي قد تبدو قاسية- هي التي تكشف
الضعف في نفوسهم وتجبر الكسور في عزيمتهم.
وكم قيل لحسن بيومي من رفاقه وتلاميذه الكثيرين أن الطاقة
التي تحركهم والشعلة التي تلتهب في قلوبهم إنما تنبع منه: من كلماته وفنه
ونظراته ونضاله. لكن حسن بيومي لم يكن محبوبا من الجميع. فكم كان
الكثيرون ينفرون من كلماته التي تكشفهم وتعري زيفهم وتنازلهم وتخاذلهم.
وكم كان وضوحه وصراحته ثقيلة على نفوسهم الهشة وضمائرهم المشوهة. وكم كان
ثباته على مبادئه ورفضه لأي تنازل مهما كان صغيرا يحرج تنازلاتهم وكم كان
تاريخه النضالي الطويل يفضح زيف نضالهم وهشاشة تجربتهم ويوقد الحقد في
قلوبهم.
لكن الرجل الكبير لم يهتم أبدا بعدد الذين يحبونه أو عدد
الذين يكرهونه أو يحقدون عليه. ولم يكترث يوما لحجم "شعبيته" أو اتساع
"شهرته". ولكن يا عم حسن- كما يدعوك تلاميذك الذين كنت أتمنى أن أكون
واحدا منهم- لقد جاء إلى وداعك هؤلاء الذين أحببتهم والذين أفنيت حياتك
تدافع عنهم وتحمي مصالحهم. لقد خرج في وداعك هؤلاء البسطاء الذين لا
يظهرون على شاشات التلفزيون أو تتناولهم عناوين الصحف والذين أدركوا
بحسهم- الذي لم تزيفه أحلام الشهرة والمجد- كم كنت حريصا عليهم وكم كنت
واحدا منهم. هؤلاء هم الذين بكوك ونادوك و خرجوا برجالهم و نسائهم
وأطفالهم يعلنون حبهم واعتزازهم وفخرهم بأن رجلا مثلك عاش بينهم ومأساتهم
أنك غادرتهم.
من بين كل معاركه الكبيرة لم يسعفني الوقت إلا بمشاهدة آخر
فصول معركته الأخيرة مع المرض والموت. احتدمت هذه المعركة- التي استمرت
سنين طويلة- خلال الأسبوعين الماضيين مع دخوله رعاية الكبد في مستشفى
معهد ناصر. و رغم أن المعركة كانت قد أنهكت جسده، كانت عيناه لازالتا
تشعان حياة و كانت يده التي صافحني بها آخر مرة قوية كما عهدتها دوما و
نظرته واضحة و صريحة و مباشرة. لقد كان في غمار معركته الأخيرة.
وبينما وقف الجميع عاجزين عن مساعدته؛ امتلأ هؤلاء الذين
أحبوه بالألم كلما شاهدوه في فراشه وشاهدوا آثار المعركة الكبيرة على
وجهه وفي عينيه وتخيل الذين نافقوه والذين لم يطيقوا وضوحه وصراحته
والذين حقدوا عليه أن هذه هي النهاية وأن الرجل الكبير سرعان ما يستسلم.
لكن حسن بيومي لم يكن أبدا ممن يستسلمون. نهض حسن بيومي من غيبوبته ودفع
بنفسه من أعتاب الموت إلى الحياة وظل يقاتل ويقاتل لأنه لم يعرف معنى
التخاذل أو الانسحاب. لكن جسدك يا عم حسن كان قد أنهك، وحياتك التي لم
تسترح خلالها لحظة قد تركت آثارها عليه. خذله الجسد الذي أنهكه الكفاح
الطويل ولم يتمكن من المضي معه في هذه المعركة المضنية حتى النهاية. وسقط
حسن بيومي مثل كل الأبطال ومثل كل الشهداء على مر العصور ضحية الخذلان.
ولكن مثل كل الأبطال ذهب و هو يضرب مثالا و يقدم دليلا على قوته وعزيمته
وكفاحه.
علمني حسن بيومي في الأسبوعين الأخيرين اللذين شهدا معركته
الأخيرة أن الثورة ليست مجرد فكرة أو نظرية وأن النضال ليس خيارا تختاره
اليوم وتتركه غدا. علمني الرجل الكبير أن الثورة لابد وأن تعيش داخل
الانسان وأن تسير مع دمائه. علمني أن الثورة ليست موقفا سياسيا ولكنها
موقف من الحياة بأسرها يملي عليك أن تتعامل مع سائر معطيات الحياة
باعتبارها قابلة للنقض و التغيير ومع سائر ظروفها باعتبارها تستحق الصراع
والمقاومة ويملي عليك هذا الموقف المبدئي أنك لست مجبرا على شيء وأن
كفاحك من أجل ما تريده وما تستحقه لا يجب أن يتوقف مهما كان أعداؤك ومهما
كانت الظروف. لقد تعامل حسن بيومي مع المرض والموت بنفس المنطق الذي خاض
به كل معاركه وعاش به سائر ايام حياته مناضلا ثوريا أصيلا لا يقبل
التراجع ولا يقبل التخاذل والاستسلام. لقد رفض الموت لأنه أحب الحياة
وأحب البشر وحارب الموت لأنه عاش الثورة وعاش بالثورة. وحينما سقط؛ سقط
مثل كل الأبطال قويا مرفوع الرأس فخورا بنضاله وضاربا مثلا لكل من عرفوه
أو سمعوا عنه.
يا عم حسن- واسمح لي أن أخاطبك هكذا- لقد انطبعت معركتك
الأخيرة في ذاكرتي وشكلت نظراتك الأخيرة وعزيمتك التي لا تفتر واصرارك
الذي لا يلين درسا لن انساه ما حييت. واسمح لي أن أفخر بأني شاهدت معركتك
الأخيرة وأني عرفت واحدا من الأبطال وعاينت أسطورة من الأساطيروتعلمت في
ساعات قليلة أهم درس من أكبر رجل وأعظم مناضل وأجل انسان عرفته في حياتي.
كتب حسن بيومي في أبريل 1977:
قالت لي اللوام- أعداء و أصحابا-:
"أما يكفيك ما لايت من ظمأ.. فدعها
إن الحياة غنية.. فاترع بكأسك خمرها
وانسى تباريح الهوى والعشق واحيا
فخيانة العشاق في التاريخ..
أكثر من تواصلهم.. فدعها"
الهجر..!
كيف يكون؟
أهرب من شراييني!
أفر من الشهيق.. من الزفير!
وكيف أخلع جلدي المشدود
فوق تشكل الأعضاء
في جسدي وفي لمسي؟
مع السلامة يا عم حسن، يا بطل الأيام الملتبسة واللحظات الحرجة والأوقات
التي تتوه فيها الحقيقة إلا عن عينيك.