الرهان.. الشارع أم البلطجة و الغطرسة..؟؟

دكتور / جمال علي حسن

29 مايو 2005

بعيدا عن حسابات المكسب و الخسارة لمقاطعة هذه المهزلة.. و التي يمكن أن نغرق أو تغرقنا فيها جماعات أو اتجاهات محسوبة مع النظام ناهضت المقاطعة أو جرمتها.. إنجرارا إلى مخططها الذي ينحصر في لا أو نعم لمشروعها و الذي تصب فيه كلا النتيجتين في النهاية لمصلحة النظام الحاكم و زمرته و زماريه.. و انجرارا وراء مخططها لصرف حركة التغيير و أهدافه إلى هذه القضايا الفرعية المعيبة.. التي تكرس استمرار الحكم على شاكلته و بكافة رموزه و تورثه و تورثنا معه لأبناءها...

و إذا كان.. كما رجح كافة المراقبون المحايدون.. أن الإقبال على هذه المهزلة كان ضعيفا في المدن.. و هي التي تمثل القراءة الصحيحة لمواقف جماهير شعبنا.. إن علم أن في قرى مصر يتم تسديد بطاقات الاستفتاء بالجملة سواء حضر المصوتون أو لم يحضر.. و دون أن نعول على أحكام القضاء الإداري... الذي يحكم بسلامة الإجراءات و لا يحاكم المضمون.. فالقضية بالأول و الآخر قضية سياسية و ليست قضية تمت للقضاء من قريب أو بعيد...

أقول إذا كان الحضور ضعيفا.. بعد كل هذه الحملة الحكومية المسعورة و الغير مسبوقة.. فإنما يدل على أن جماهيرنا مازالت عند موقفها المقاطع لهذه المهازل تحت إسم الاستفتاء، الموقف الذي اتخذته طوال الخمسين سنة الماضية.. أُجرِيَ خلالها اثنتي عشرة استفتاء .. قاطعت معظمها الغالبية الساحقة من شعبنا.. على الرغم من حساسية التغيير المطروح و الذي يحدد طريقة اختيار رئيس الجمهورية " الملك الإله بمصر" لم تستشعر جديته.. و ظلت عند موقفها المقاطع.. ليس فقط استجابة لموقف المعارضة.. و لكن استجابة لصدق إحساسها في انه لن يتغير من الأمر شيء بعد تغيير هذه المادة، إلى هذا النص المعيب.. حتى و إن لم تقرأ أو تعي النص السابق أو المعدل.. و ذلك رفضا لهذا النظام و حزبه و زبانيته.. و يأسا من أية إصلاح يأتي على يديه...

فالأولى من حساب المكسب و الخسارة.. هو حساب الخطوة أو الخطوات القادمة.. و النظر إلى الهدف الرئيسي النهائي و تحقيقه.. خاصة و أن المعارضة بمصر.. بكافة اتجاهاتها تملك مشروعها و واضحة أهدافها.. بل و الأكثر من ذلك.. فإن هذه الأهداف الرئيسية محل إجماعها.. إن تخلصت من تفريعات لا لزوم لها الآن.. أو من اختلاف في المنطلقات لا أوان الوقوع في تنظيراتها.. أو من موروثات لصراع بالماضي لم يبقى من أسبابه أو من أشخاصه أحد للثأر له أو منه.. و التي لا يجب ألا تفلت منها إلى أهداف أخرى فرعية.. أو الإنجرار وراء متاهات النظام و ألاعيبه الذي احترفها لعقود و عقود .. و عليها أن تغلب مصلحة مصر و أمتها.. على أي من المصالح الذاتية أو التنظيمية الأنانية، سواء بوجود بالشارع قد تحقق تريد الحفاظ عليه أو بوجود مأمول طامحة في الوصول إليه...

أما مقارنة مقاطعة قوى المعارضة المصرية.. بمقاطعة الانتخابات " المهزلة " بالعراق.. استكمالا للدور الذي لعبه النظام الحاكم بمصرنا بعدما لبس ثوب حكومة العمالة في العراق و كرر شعاراتها ترويجا للاستفتاء على طريقة ترويج الانتخابات الأمريكية بالعراق...

فرغم الاتفاق على سلامة موقف كل من المقاومة العراقية البطلة و قيادتها من سنة و شيعة و موقف المعارضة المصرية الشريفة في المقاطعة.. و رغم الاتفاق على مهزلة كل من الانتخابات العراقية اللاديمقراطية بتقسيمات العدو الأمريكي الطائفية و العرقية و سقف توجهاته السياسية المحدد سلفا و المحدود و جرائمة ضد شعبنا التي تمارس في المدن و القرى و على بيوت الأبرياء من شعبنا العراقي و بسجون المحتل الغاصب.. و مهزلة الاستفتاء الذي أجراه النظام بمصر.. بعدما أنكر كافة توجهات قوى المعارضة المصرية.. مكتفيا بسقف التغيير كما خطط له النظام.. اكتفاء بموافقة الأغلبية بمجلسي الشعب و الشورى التي نعرف جميعا كما يعرف النظام الحاكم، كيف تمت و تحت أي حالة من الاستبداد و التزوير حصل عليها.. و استمر في غية و غطرسته.. كما فعلت حكومة العمالة بالعراق عندما ضربت برأي المعارضيين للانتخابات عرض الحائط.. تحت نفس التأييد و الدعم و المساندة من إدارة الإمبراطورية الأمريكية المحتلة للعراق و المهيمنة على مصر...!!

مما شجع حكومة العمالة بالعراق في دعم و مساندة اجتياح و تدمير و قتل شعبنا العراقي بالفلوجة الشهيدة البطلة صبيحة الانتخابات.. و دفع أيضا نظامنا الحاكم للاعتداء الإجرامي و هتك الأعراض الذي مارسه بلطجية حزبه الحاكم و مأجوريه ضد المعارضين بشوارع القاهرة يوم الاستفتاء.. و الزج بهم في السجون...

أقول رغم كل هذه الأوجه من التشابه و غيرها أيضا مما يمكن أن نعدده في أسلوب الممارسة و طريقة رصد نتائجهما.. إلى جانب كما قلت الدعم الأمريكي لكليهما...

إلا أن هناك فارق رئيسي و أساسي و جوهري.. و هو وضوح الهدف السياسي للمعارضة المصرية و تصاعد حملته و مؤيديه وسط الشارع.. و التقارب الذي يحدث كل يوم بين قواه المختلفة.. و عدم انقسام الشارع المصري حوله أو حول أولويته و ضرورته و الآن...

إن التغيير مازالت تدور عجلته.. بل و مازالت سرعتها متزايدة و متنامية.. و مازال أرضيتها عريضة و مرشحة لانضمام المزيد و المزيد من شرائح شعبنا الكادحة الصابرة إليها.. إن أحسن خطاب الجماهير و الاضطلاع بهمومها و التعبير عن آمالها...

و ما حدث يوم الاستفتاء الخديعة.. يصب في غضب الشارع المصري و يزيد من احتقانه.. و عليه أن يشد من عضد قوى المعارضة.. و يضاف إلى سلاسل جرائم هذا النظام الفاسد المستبد... كما أزاح الوهم.. الذي كان من الممكن أن يقع به البعض.. حول المساندة الأمريكية للتحول الديمقراطي في بلادنا.. أو حول إمكانية أن يأتي الخير على يد هؤلاء البغاة الفجرة...

إن المعارضة بتوجهاتها الفاعلة.. سواء بهذه الحركة الوليدة من أجل التغيير " كفاية" أو بهذه التوجهات الجديدة للحركة الإسلامية المخضرمة " الإخوان".. أو غيرهما.. و التي لم يمض عليها غير شهور قليلة.. ورغم أنهما استطاعا أن يوجدا لهما صدى و تنامي كبيرين بالشارع المصري.. إلا أنهما لن يستطيعا أن يقفا بهذا الوقت الضيق من الآن و جتى إجراء الانتخابات و بعد هذا التعديل بوجه النظام و أجهزته و إداراته بعدما صادر الدولة و سخرها بكامل إمكاناتها لصالحه.. و لا يستطيعا أن يسقطا هذا النظام عن طريق هذه الصناديق التي اعتادت على التزوير و لم تأتي بكل تاريخها بأي تعديل و لم تعبر عن أي رأي شعبي.. خاصة في ظل هذه الأجواء الاستبدادية و الاحتكارية التي يمتاز بها النظام الحاكم بمصر.. إلى جانب جرائمه و مفاسده و تزويره...

لذلك علينا أن نسأل أنفسنا و بوضوح.. بعد جلاء وجه النظام كما ظهر عليه يوم الاستفتاء.. و بعدما سخر أجهزة الدولة و استنفرها جميعها لخدمته.. و استخدم المشروع و غير المشروع من وسائل و طرق.. و ما يملك من قوات بوليسية و بلطجية.. و ما يحتمي وراءه من قوانين و نصوص استبدادية و على رأسها قانون الطوارئ الذي مكنه من سجن الآلاف بالأيام القليلة السابقة على الاستفتاء.. و ما يلاقيه من دعم خارجي من قوى الهيمنة و البغي الأمريكية الصهيونية.. هو بضروريات استمراره المعيب و غير الشرعي في خدمتها.. و هو محل ثقتها في وقت أزمتها...

علينا أن نعود و نسأل أنفسنا.. هل من الممكن في كل هذه الأجواء أن تكون هناك انتخابات سواء لرئاسة الجمهورية.. أو لمجلسي الشعب و الشورى ديمقراطية حقيقية تعبر عن رأي و آمال و طموحات الجماهير.. أو تأتي بمعارضة تسقط فساد و استبداد النظام...؟؟ أو تطوره في اتجاه تحقيق المطالب المشروعة لجماهيرنا..إنني أجزم أنه لا يمكن أن يسمح لمعارضة من هذا النوع أن تقرب من هذا الهدف و لو من بعيد في ظل هذه الأوضاع....

و لذلك.. فهذه هي الشروط – إسقاط كل ما سبق من معوقات بوجه الديمقراطية الحقيقية- التي يجب أن تعلنها قوى المعارضة و تصر عليها و تحارب من أجل تحقيقها كشرط مبدأي لدخول العملية السياسية.. و إن عارضها النظام.. فيجب الاستمرار في المقاطعة...

إن طريق إسقاط هذه التوجهات و الأسس الفاسدة و المستبدة للنظام الحاكم.. هو تنامي العصيان السياسي وصولا إلى العصيان المدني دون الوقوف كثيرا أو قليلا عند محطات النظام و دوامات إجراءاته – إن لم يستجب لمطالب الإصلاح-..  خاصة من قوى الشارع المتمثلة في الحركة المصرية للتغيير " كفاية" و الحركة الإسلامية "الإخوان".. إلى جانب أحزاب المعارضة الأخرى الصادقة مع الجماهير و مع مبادئها...
و من أجل استكمال نضوج حركة العصيان.. على جميع قوى المعارضة " الرسمية و غير الرسمية" أن تتفق على برنامج من نقاط محددة هي بالضرورة محل إجماعها...

أولا: لتنقية الأجواء السياسية من غبار و عصرات النظام الحاكم و مفاسده، لأجل تنسم الحرية.. و من أجل تحقيق آمال و طموحات الأمة في واقع أيسر و في مستقبل هو بالنتيجة أفضل...
و ثانيا: لتحقق مجمل آمالها و مواقفها من قضايا مصر الداخلية و مشكلاتها.. إلى جانب قضايا أمتها العربية و الإسلامية..

و عليها أن تبدأ في الحراك اليومي المنظم و الجماهيري.. لتوضيح و تفعيل هذه المطالب و الآمال المشروعة.. دون الدخول في متاهة التفصيلات.. و أن تنمي هذا الحراك.. و لا تترك جماهيرنا نهبا للآلة الإعلامية للنظام و ألاعيب ساسته.. أو لمن يهللون للديمقراطية الأمريكية على طول الخط.. دون انتقاد و دون أن يرو لها انتقاص.. أو هؤلاء الذين يعولون عليها...

ويجب أن يظل في وعينا.. أن الاستبداد و الفساد الداخلي مسنودا بإجرام السلطة و البلطجة.. و مشروع الهيمنة و السيطرة و الاستعلاء الأمريكي الصهيوني على أمتنا مسنودا بإجرام القوة و الغطرسة.. وجهان لعملة واحدة.. و لا يوجد مجال لتحييد أحدهما في مواجهة للآخر.. أو الإستقواء بأحدهما لإسقاط الآخر...

و الرهان الآن.. الشارع و جماهيره أم البلطجة و الغطرسة بوجهيهما.

– مصر العربية gamalahh@hotmail.com

من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - كفاية