قراءة في مظاهرات الإخوان والدستور المصري

 إخوان أون لاين

09/05/2005

قامت قوات الأمن المصرية في الآونة الأخيرة بتصعيد وتيرة التعامل مع الإخوان المسلمين، بعد أن قامت الجماعة بتنظيم العديد من المظاهرات في محافظات مصر المختلفة، منها (القاهرة والجيزة والإسكندرية والإسماعيلية والسويس وبورسعيد والشرقية والقليوبية والمنوفية والمنيا والفيوم وبني سويف ودمياط وكفر الشيخ والغربية). وخرج في هذه التظاهرة حوالي 70 ألف متظاهر، ينادون بتسريع وتيرة الإصلاح السياسي في مصر، وعدم الالتفاف حول تعديل المادة 76 من الدستور، وإلغاء القوانين سيئة السمعة- وعلى رأسها قانون الطوارئ- والسماح للإخوان بتأسيس حزب سياسي مدني ذي مرجعية إسلامية، وكذلك الإفراج عن جميع المسجونين والمعتقلين في القضايا السياسية، وإلغاء قانون الأحزاب المقيِّد لإنشاء الأحزاب في مصر، وأن يكون من حق أي فصيل أو جماعة أو فرد تأسيس حزب سياسي؛ بحيث لا يتعارض مع أحكام الدستور المصري، وكذلك إطلاق الحريات العامة. ومن خلال قراءة الأحداث أود أن أشير إلى عدة حقائق:

1- أن النظام المصري منذ فترة طويلة يحاول التضييق على جماعة الإخوان المسلمين بشتى الطرق والوسائل؛ بحجة أنها جماعة (محظورة) مخالِفة لأحكام الدستور والقانون، وبناءً على ذلك تتم الاعتقالات والتعذيب والقتل، وانتهاك حرمات البيوت، وغلق الشركات، والتضييق في وسائل الرزق، وغير ذلك من الوسائل المختلفة. والسؤال المطروح هل فعلاً جماعة الإخوان المسلمين محظورة، وليس لها تواجد في الشارع المصري، أم العكس هو الصحيح؟! فالإخوان متواجدون في كل مؤسسات المجتمع المدني، وفي الجامعات أساتذة مربُّون، وفي النقابات المهنية على اختلافها يقومون بخدمة زملائهم لرفع شأن نقاباتهم، وكذلك في الاتحادات الطلابية، والنوادي الاجتماعية، وغير ذلك، ومع كل هذا يُصرُّ النظام المصري على أنها جماعة محظورة!!

2- أن الدستور المصري بنص المادة (54) يبيح للأفراد حق التظاهر والاجتماع: "للمواطنين حق الاجتماع الخاص في هدوء، غير حاملين سلاحًا، ودون حاجة إلى إخطار سابق، ولا يجوز لرجال الأمن حضور اجتماعاتهم الخاصة والاجتماعات العامة والمواكب، والتجمعات مباحة في حدود القانون"، والتساؤل المطروح هل المظاهرات التي قام بها الإخوان تخرج عن هذا النص الدستوري؟!
وهل القبض على حوالي (2000) من أعضاء جماعة الإخوان في المحافظات المختلفة ضمن أحكام القانون؟!
وهل قتل الأبرياء من أمثال الأخ مسعد قطب (43 عامًا)- منذ أكثر من عام- في أحد مقار أمن الدولة أثناء تعذيبه، والمهندس أكرم الزهيري (41 عامًا) في عربة الترحيلات في القضية (462)- التي كان من ضمنها كاتب هذه السطور- والأستاذ طارق مهدي غنام (38 عامًا) في مظاهرة طلخا بمحافظة الدقهلية شمال القاهرة، وقد أقر الطبيب الشرعي بأن الوفاة نتيجة الضرب بالعِصي على الرأس؛ مما أدى إلى نزيف في المخ قبل الإغماء جراء القنابل المسيلة للدموع.. فهل كل هذا ضمن الأحكام والقوانين المعمول بها في الدستور المصري؟!

3- أن قوات الأمن المصرية ما زالت تتعامل مع المخالفين والمعارضين للنظام بطريقة غير حضارية، والدليل على ذلك طريقة القبض على الإخوان، وما حدث للدكتور عصام العريان وإخوانه الذين كانوا برفقته صباح الجمعة 6/5/2005م، وهم الأستاذ الدكتور عمرو دراج (نائب رئيس نادي أعضاء هيئة التدريس بجامعة القاهرة)، والدكتور حمدي شاهين (الأستاذ المساعد بكلية دار العلوم جامعة القاهرة)، والأستاذ ياسر عبده (أمين عام نقابة التجاريين بالجيزة ومدير بنك)؛ حيث اقتحم ضباط أمن الدولة منزل الدكتور عصام العريان بقوات كبيرة مدجَّجة بالسلاح، وأخذوا متعلقاته الشخصية من كتب ومقالات، وروَّعوا الزهراء بنت الدكتور حمدي شاهين التي كانت برفقته، واقتحموا الشقق المجاورة، وتلا ذلك اقتحام بيوت بعض الإخوان في عدم وجودهم.. أقول: لمصلحة مَن يحدثُ هذا؟!

هل هذا طبقًا لنص الدستور في المادة (44) التي تنص على أنه "للمساكن حرمة فلا يجوز دخولها ولا تفتيشها"، والمادة (45) "لحياة المواطنين الخاصة حرمة يحميها القانون"..!! وما يحدث في مقار أمن الدولة يندَى له الجبين؛ حيث يتم تجريد الأشخاص من ملابسهم، وتعليقهم وصعقهم بالكهرباء، والضغط عليهم نفسيًا، ومعاملتهم معاملةً غير آدمية، من خلال تقييد اليدين وتعصيب العينين لفترات طويلة، ناهيك عن السبِّ والشتم والركل بالأقدام، والتهديد بانتهاك الأعراض، وغير ذلك من الوسائل المختلفة.

4- الدستور المصري لا يمنع حرية الرأي والنقد البنَّاء لأي إنسان، وذلك في المادة (47) "حرية الرأي مكفولة، ولكل إنسان التعبير عن رأيه في حدود القانون والنقد الذاتي والنقد البنَّاء؛ ضمانًا لسلامة البناء الوطني"، والمتابع لمظاهرات الإخوان يلحظ أنها لم تكن إلا تعبيرًا حرًّا عن رؤيتهم في الإصلاح بأسلوب حضاري، ليس فيه اعتداء على الممتلكات والأرواح، حتى الشعارات والهتافات لم تخرج عن حدود الذوق والاحترام، ليس مثل ما يفعل البعض في مظاهرات أخرى، فهل مع هذا يكون نصيب الإخوان الاعتقال والحبس والقتل والتعذيب والتضييق؟!

5- أن المظاهرات في كل دول العالم المتحضِّر تتم بصورة راقية حضارية، وقوات الأمن تحمي المتظاهرين وترعاهم، وتوفر لهم كل السبل للحفاظ على أرواحهم والنظام العام، ولكن في بلادنا تحدث الغرائب والعجائب، فبمجرد الشعور والإحساس بعقد مظاهرة يتم الاعتقال لمجرد الاشتباه في أشخاص يُعتقَد أنهم سوف يُنظِّمون هذه المظاهرة؛ بحجة تعكير الأمن العام، وإحداث شغب، وتعطيل مسيرة الحياة، وغير ذلك من التهم التي تغاير الواقع والحقيقة. أقول لو أن رجال الأمن المصري تركوا المظاهرات وقاموا بحمايتها لكانت الصورة أفضل لهم ولسمعة مصر في العالم مما يحدث الآن، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، ويأبى هؤلاء إلا أن يعكِّروا صفوَ حرية الرأي والتعبير بشتى الوسائل والحجج الواهية، وليقرأوا إن شاءوا نص المادة (41) من الدستور: "الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مصونة لا تُمَس، ولا يجوز القبض على أحد، أو تفتيشه، أو حبسه، أو تقييد حريته بأي قيد، أو منعه بأي قيد، أو منعه من التنقل".

6- الحقيقة الأخيرة والمهمة أن مصر تحتاج إلى تكاتف الجهود للخروج من هذا المأزق الذي تعيشه، وخصوصًا في هذه المرحلة الحرجة، ولا بد أن يتترَّس النظام بشعبه ويتقوَّى به لمواجهة التحديات الضاغطة من الخارج، ولن يجد أخلص من أبناء شعبه من الإخوان، فالتاريخ والأحداث تؤكد ذلك، فالإخوان في كل أدبياتهم يؤكدون أنهم أحرص الناس على مصلحة الوطن، وأنهم لم ولن يضعوا أيديَهم في يدٍ تلطَّخت بدماء إخواننا في العراق وأفغانستان من الأمريكان، ولن يساعدوا الخارج للضغط على النظام، مؤكدين على أنه لا بد أن يكون التغيير من الداخل عبر القنوات الدستورية والشرعية

 

من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - كفاية