"كفيتاس" في دمشق: أسئلة بلا ‏أجوبة

 ‏بلال الحسن

1 مايو 2005

نواصل حديثنا عن تجدد الاهتمام الدولي المفاجئ بقضية ‏اللاجئين الفلسطينيين، عبر مؤسسة "كفيتاس" البريطانية ومؤسسة "بانوراما" الكندية. ‏وكنت قد أشرت إلى بروز هذا الاهتمام المفاجئ في مقالتي السابقة في الشرق الأوسط   (24/4/2005 )‏، طارحا سؤالين: الأول حول اللغة الغامضة التي يستخدمها أصحاب هذه ‏المشاريع في تعريف أهدافهم ومشاريعهم، والثاني حول تجاهلهم لكل إنجازات العمل ‏الشعبي الفلسطيني الواسع الذي تم خلال السنوات العشر الماضية، والتصرف وكأن العمل ‏يبدأ معهم الآن فقط.

لقد وصل وفد من "كفيتاس" للمرة الثانية إلى دمشق ‏مؤخرا، وتم عقد لقاء بينه وبين مندوبين عن لجان حق العودة في سوريا، وذلك في قاعة ‏خالد نزال التابعة للجبهة الديمقراطية في مخيم اليرموك. وسنورد هنا نتفا من الجدل ‏الذي دار بين بعض الحاضرين لتوضيح جـو اللقاء ومــناخه.

أولا: كانت النتيجة الأولى لنشاط "كفيتاس" في دمشق، ‏وعبر اتصالات خفية، أنها أحدثت نوعا من الاختلاف داخل لجنتين من لجان حق العودة، ‏فأقدم أفراد من (عائدون) وأفراد من (لجان الأرض) إلى إعلان تعاونهم مع "كفيتاس" ‏مخالفين بذلك رأي اللجان التي يعملون في إطارها.

ثانيا: في أجواء الجدل الصاخب، كانت الحجة الأساسية ‏التي أعلنها المتحمسون لمشروع "كفيتاس" أنه "يكفينا وصاية من الخارج»، وتم شن حملة ‏بالإسم ضد (اللجنة الراعية لحق العودة) التي عقدت قبل عامين مؤتمرا لها في لندن، ‏وجرى القول بالتحديد "يكفينا وصاية من لندن".

وقد قام عدد من المشاركين بالرد على هذه الحجج ‏وقالوا: لو أن جماعة "كفيتاس" جاؤونا من مخيمات جباليا أو جنين لوضعناهم فوق ‏رؤوسنا، ثم ان جماعة لندن جاؤوا وتحدثوا معنا باللغة العربية، أما جماعة أكسفورد ‏هؤلاء فإنهم يتحدثون معنا بواسطة الترجمة.

وقد وجد في اللقاء من سعى بجد إلى تجاوز جو المهاترة ‏هذا، والتركيز على حديث سياسي منتج. وقال هؤلاء لوفد "كفيتاس" بشكل ‏واضح:

1) لقد سمعناكم تتحدثون بلغة عامة لم نفهم من ‏خلالها ما هو موقفكم بشكل محدد من حق العودة، هل أنتم معه أم ضده، وكان الجواب إننا ‏نؤيد حق العودة.

2) لدينا لجان عديدة تمثل تجمعات اللاجئين ‏الفلسطينيين في مختلف المناطق والبلدان، فلماذا تتجاهلون كل هذه اللجان وتسعون ‏لإيجاد هيئات وهياكل جديدة كما تقولون؟ وكان الجواب إننا مستعدون للتعاون مع ‏الجميع.

3) استطاعت العديد من لجان العودة، أو مراكز ‏الأبحاث في إطار اللاجئين، من توفير عدد كبير من الأبحاث، ومن قواعد المعلومات، ‏التي تقدم إجابات عن أي سؤال يمكن أن يطرح حول هذا الموضوع، فلماذا يتم تجاهل كل ‏ذلك، والتوجه نحو إعداد أبحاث وقواعد بيانات جديدة؟ وكان الجواب إننا مستعدون لأخذ ‏هذه الأبحاث بعين الاعتبار.

4) ‏إذا كانت هناك أية فائدة من إجراء استطلاعات ‏جديدة لمعرفة مواقف اللاجئين الفلسطينيين ومطالبهم، فإننا في لجان العودة لا نمانع ‏بذلك، ولكن نرى من الأفيد للجميع أن تقوم هذه اللجان نفسها بالإشراف على هذا العمل. ‏فنحن نتسلم الاستمارات، ونحن نوزعها، ونحن نعيد جمعها، ونحن ندرسها ونحللها بإشراف ‏هيئات علمية متخصصة، بعد أن عانينا طويلا من الاستطلاعات والأبحاث المغرضة التي يتم ‏إجراؤها وإعلانها لخدمة أهداف سياسية. ولم يمانع مندوبو كفيتاس بمثل هذا التعاون ) ‏جماعة كفيتاس لا يحبذون استطلاعات الرأي(.

5) هنا طلب المحاورون من وفد "كفيتاس" تسجيل ‏الموافقة على هذه النقاط كتابة، فرفض الوفد هذا الطلب، وقال إنه لا يستطيع أن يقدم ‏جوابا مكتوبا إلا بعد العودة إلى الهيئة المشرفة على المشروع في جامعة نيفلد في ‏اكسفورد. وانفض اللقاء على هذا الأساس وبانتظار إرسال الرد المكتوب.

ما يلفت النظر هنا، أن جامعة اكسفورد شهدت منذ عام 1993 ‏نشاطا مكثفا للبحث في موضوع اللاجئين الفلسطينيين، وذلك عبر ندوات علمية ‏متعددة، ارتفعت فيها بكثافة الأصوات المعبرة عن حق العودة، ولم يخل الأمر من أصوات ‏معاكسة تقول إن التطبيق غير ممكن، فلماذا إذاً تنشأ من داخل اكسفورد نفسها هيئة " ‏كفيتاس»، وتنتدب نفسها للبحث في الموضوع نفسه؟ هل أصبح موضوع اللاجئين الفلسطينيين ‏على أبواب اتخاذ قرار ما حتى تبرز جهات تدعو إلى بناء آليات وهياكل جديدة يعبر ‏اللاجئون من خلالها عن آرائهم؟ وإذا كان هناك قرار ما على الأبواب فلماذا لا يقال ‏ذلك صراحة حتى يتم التعامل مع الأمــــر بشـــفافية كامــلة، وحـــتى يتم دحر ‏المخاوف والشـــكوك؟

وإلى جانب العمل الأكاديمي الذي شهدته جامعة ‏اكسفورد، كان هناك عمل سياسي رسمي، تفاعل مع قضية اللاجئين الفلسطينيين، عبر ما ‏أفرزه مؤتمر مدريد، ومفاوضات واشنطن، واتفاق اوسلو. وتجسد هذا النوع من النشاط في ‏أعمال (لجنة اللاجئين) التي انبثقت عن (المفاوضات المتعددة الجنسية) برئاسة كندا ‏لقد تركز الجهد الكندي في الترويج لقضية التوطين، وذلك عبر زيارات قام بها وزير ‏خارجية كندا، ورئيس وزراء كندا، إلى دول المنطقة، حيث عرضا خططا لاستقبال لاجئين ‏فلسطينيين وتوطينهم، ولكن هذه الدعوات ووجهت برفض شعبي فلسطيني أثار دهشة واستغراب ‏المسؤولين الكنديين في حينه، إلى أن ظهرت مؤسسة (بانوراما) من جديد في مخيمات الضفة ‏وغزة فما الذي دفع إلى هذا التحرك الجديد؟

أما على الصعيد الشعبي الفلسطيني، فقد ظهرت منذ ‏اتفاق اوسلو، العديد من الهيئات التي تلتقي كلها دون استثناء حول حق العودة وضرورة ‏المحافظة عليه وعدم التفريط فيه. واللافت للنظر هنا، أن هذه الهيئات ظهرت بشكل عفوي ‏في كل مكان يتواجد فيه الفلسطينيون.

ظهرت في فلسطين 1948 (داخل دولة إسرائيل): جمعية ‏الدفاع عن حقوق المهجرين، وهي تعنى بشؤون الفلسطينيين الذين أجبروا على ترك قراهم ‏الأصلية ولم يستطيعوا العودة إليها حتى الآن، رغم وجودهم فوق أرضهم. ويبلغ عدد ‏هؤلاء حوالي ربع مليون لاجــئ، لاجئـــون في وطنهــم.

وظهرت هذه اللجان داخل أراضي السلطة الفلسطينية في ‏الضفة الغربية وقطاع غزة (لجنة الدفاع عن حقوق اللاجئين ـ 1994). ووجدت كذلك لجان ‏داخل المخيمات (اتحادات مراكز الشباب الاجتمــاعي في مخيـــم قلنـــديا)، و ‏(اتحادات مراكز النشـــاط النســـائي في مخيــم الأمعري).

وظهرت هذه اللجان في العديد من العواصم الاوروبية ‏والأميركية، وهي تعقد العديد من المؤتمرات السنوية بهدف التنسيق بين ‏نشاطاتها.

ووجدت هذه اللجان أيضا كجزء من عمل الفصائل الفدائية ‏والأحزاب (اللجنة العليا للدفاع عن حق العودة) ومقرها الأردن، وهي تضم في عضويتها ‏ممثلا عن كل حزب من أحزاب المعارضة الأردنية.

بعد كل هذا العمل الأكاديمي والرسمي والشعبي ‏والحزبي، والذي تبرز فيه قضية حق العودة كقضية أساسية لدى اللاجئين، بينما تبرز فيه ‏قضية التوطين كقضية أساسية في نشاطات الدول وبعض رجال السياسة، يصبح كل نشاط دولي ‏في هذا الصدد مصدر مخاوف وشكوك، وينشأ إشكال يحتاج إلى حل، والحل واضح ومحدد، وهو ‏أن تكشف هذه الهيئات عن أهدافها بوضوح ودقة، وأن تقول: هل هي تعمل من أجل حق العودة ‏أم من أجل هدف آخر؟ ويكتمل الحل الواضح والمحدد حين تدق هذه الهيئات الدولية أبواب ‏الهيئات الشعبية الفلسطينية التي ينضوي في إطارها اللاجئون الفلسطينيون، لتسألهم ‏ماذا يريد اللاجئون؟ أما إذا فعلت غير ذلك، وتجاهلت هذه الهيئات التمثيلية، فستنشأ ‏إشكالات كثيرة تبرز المخاوف والشكوك.

ومرة ثانية وعاشرة نقول: إن اللجان الشعبية لا تريد ‏اتهام أحد. تريد الوضوح فقط، وتريد دخول البيوت من أبوابها.

 

كاتب ومفكر فلسطيني

 www.belal-alhassan.com

Belal2001@club-Internet.fr

من نحن - انصم الينا - فهرس المصادر - الاصدارات - التقارير - كفاية