منذ ثلاثين عاما
تقريبا نشر جمال الغيطاني مجموعته القصصية 'ذكر
ماجري' التي تضمنت قصة عن فندق ال تي.تي.. لايمكن تصديقها.. المذهل ان
ماتنبأ
به الغيطاني باعتباره لامعقولا حدث بالفعل ولكن بعد ثلاثين عاما.. د.
جليلة القاضي
تناولت في مقالها الفندق الذي تخيله الغيطاني فندق
الفورسيزون الذي لم يكن الكاتب
يتخيل حدوثه!
ال تي تي هو إسم لفندق في قصة قصيرة لجمال
الغيطاني ضمن
مجموعته الروائية ذكر ما جري التي نشرت عن دار
المسيرة في بيروت عام 1975. وطبقا
للرواية فقد أثار هذا الفندق ضجة ودهشة
كبيرتين لدي المواطنين أثناء بناءه وبعد
إفتتاحه. ففي مرحلة التشييد عندما بدأ إرتفاع
الهيكل الخرساني لل تي تي فشل
الكثيرون في عد الطوابق، ينتظمون حتي الثاني
والثلاثين أو الرابع والخمسين ثم تتوه
نظراتهم في الأعمدة الخشبية المتشابكة،
المتداخلة '... ' وبعد أن بدأ الهيكل
يتعري من السقالات أصبح مبني ال تي تي الشاهق
يشاهد من أي مكان، في القاهرة ' فقد
رأي المهندس الذي صممه أن يبدو واضحا من جميع
الأنحاء '. ونظرا لأن تي تي مصر هو
واحد من سلسلة فنادق تتبع شركة فندقية عالمية
لها تي تي في كل مدينة كبري في
القارات الخمس فعند إفتتاحه في العاصمة
المصرية نشرت الشركة إعلانا ضخما في جميع
الجرائد إستغرق كافة صفحاتها حتي أضطرت
الأهرام إلي إصدار ملحق من صفحتين تضمن
أخبار الدولة والعالم. هذا وقد حتم الإرتفاع
الشاهق للفندق وضع لافته علي قمته
أضيئت بمصابيح حمراء لتحذير الطيارين كي لا
يصطدموا به. ثم أدرج الفندق ضمن
المعالم الرئيسية لمصر وعلاماتها المميزة بحيث
حرص الطيارون علي تنبيه الركاب
لمشاهدة الفندق من الجو مثلما يفعلون بالنسبة
للأهرامات وأبو الهول.
ويستطرد الغيطاني في
سرد وقائع تطور وتغلغل نفوذ ال تي تي في
كل مجالات الحياة. بدءا بالجرائد القومية التي
خصصت أعمدة يومية ليوميات ال تي تي
تتضمن أخبار الشخصيات التي وصلت وأقامت فيه
والأحداث الهامة التي تعقد بداخله مثل
المؤتمرات واللقاءات والأعراس والأفلام
والمسرحيات إلخ........ بحيث أصبح ال تي تي
مكان لقاء صفوة الصفوة نظرا لأرتفاع أسعاره
فالحد الأدني للطلب وصل إلي سبعة
دولارات قاطعا بذلك السبيل علي كل من هب ودب
من رواد كافيتريات الهيلتون والمريديان
التي إنحطت درجاتهم.
ثم بدأ الفندق في
المساهمة في الإدارة الحضرية حيث قام
بإستيراد سيارات للنظافة من ولاية أمريكية
لتنظيف الشوارع المحيطة وتبع ذلك بتقديم
مقترحات لوزارة النقل لتشغيل خطوط مواصلات
تربط القاهرة ربطا متكاملا كما أعلنت
الإدارة عن أستعداد ال تي تي لتقديم خبرته في
المرور وقد قام ال تي تي بالفعل في
تطبيق أحدث نظم المرور بالشوارع المؤدية إليه
حيث يتردد عليه أربعة أو خمسة آلاف
سيارة يوميا بدون حدوث أي اضطرابات. ويستمر
الغيطاني في شطحاته لتنتهي القصة بحادث
مأسوي وقع علي مقربة من الفندق قبل أيام من
عقد مهرجان عالمي به، وهو العثور علي
جثة كانت قد تجمدت من شدة البرد لفلاح معدم من
النازحين الجدد من الريف مما حذا
بإدارة الفندق بالإستعانة بمديرية الأمن
مطالبة بتعزيز القوات الموجودة حول ال تي
تي لمنع تكرار هذا الحادث حماية لمشاعر
النزلاء!
إلي هنا وتنتهي قصة
ال تي تي. فهل كانت شطح خيال روائي مبدع
أم إستشراق لمستقبل قاتم إستطاع الكاتب بحسه
المرهف أن يتوقع سيطرة شريحة ضيقة من
المجتمع لا هم لها سوي مصالحها الشخصية
علي مقدرات البلاد والعباد.
إلا أن الغيطاني، خلال سرده لتدخل إدارة ال تي تي في
الشئون الداخلية لمصر، لم
يذهب خياله إلي المدي الذي سوف تصل إليه سطوة فندق
الفورسيزون بعد ثلاثة عقود من
كتابة روايته، فالواقع دائما أكثر جنونا وأكثر
عبثية من الخيال. فها هو الفور
سيزون _ تي تي طبعة القرن الحادي والعشرين
الذي تكلف بناءه إثنين مليار جنية ( ما
يساوي نصف ما أنفق علي المجتمعات العمرانية
الجديدة في خطة عام 97/99 )، يتم
افتتاحه في حفل أسطوري حضره 1000 شخص كان من
بينهم 250 مسئولا في الدولة ضموا أعضاء
الحكومة بكاملها وقام بقص الشريط رئيس الوزراء
بنفسه ! رئيس وزراء مصر يفتتح فندق،
وهذا لم يحدث لـ تي تي الغيطاني.
وليت الأمر أقتصر علي
ذلك، فالفور سيزون بعكس ال تي تي، لم
يتدخل بشكل تدريجي وتصاعدي في شئون الإدارة
الحضرية في القاهرة، بل بشكل فجاءي
وغير مباشر موعزا لأفراد الحكومة الذين تشرفوا
بحضور حفل الإفتتاح بالإعلان عن خطته
المستقبلية لتنظيم المرور في العاصمة. تتضمن
هذه الخطة مشروع ضخم يهدف إلي إنشاء
محور مروري بطول 7 كيلو مترات من ماسبيرو إلي
المنيب لتلافي الإختناقات المرورية
علي الكورنيش الذي يطل عليه الفندق، سوف
يستلزم تنفيذه ردم مجري النيل جزئيا. كما
تترتب عليه آثار بيئية وثقافية وإجتماعية
سلبية حذر منها المتخصصون من أعداء النجاح.
هناك عدة دلائل
تجعلنا نربط بين بناء الفورسيزون ومشروع ردم
النيل فطرح المشروع في هذا التوقيت بالذات
مثير للريبة فلم يسمع عنه أحد قبل
الإنتهاء من تشييد الفندق. كما إنه (المشروع)
لا وجود له في المخطط العام للقاهرة
الكبري الذي تم إعتماده عام 1983وروجع وحجدث
بعد هذا التاريخ بعشرة أعوام وترجع
جميع المحاور المرورية الكبري مثل محور 26
يوليو والطريق الدائري وإمتداد كوبري 6
أكتوبر حتي المطار وأيضا المحاور الأخري
الهامة التي في طور التنفيذ إلي هذا المخطط
العام لأنها تعتبر من أعمال البنية الأساسية
ذات الصفة الإقليمية التي تتم دراستها
في إطار إستراتيجية عمرانية متكاملة، وطويلة
المدى.
الدليل الثاني هو تراجع الحكومة عن عقد مؤتمر
صحفي حول
هذا الموضوع لشرح مزاياه (علي إفتراض أن له مزايا )
والرد علي إستفسارات العامة
والمتخصصين أستعيض عنه بإجتماع مغلق رأسه رئيس
الوزراء وحضره الوزارء المعنين
بالأمر أي الإسكان والنقل والري والبيئة.
والدليل الثالث هو تضارب تصريحات وأقوال هؤلاء
الوزراء
وتراجع بعضهم عن تحمسهم للمشروع علي إثر الحملة التي بدأتها بعض جرائد
المعارضة
والجمعيات الأهلية. فبعد أن صرح وزير الري أن الهدف
من المشروع هو الإستفادة من
ضفتي النهر وأنه لا مساس بالمسطح المائي علي الإطلاق
ولن يتم ردم أي منطقة علي
النيل تراجع عن تلك الأقوال خلال الندوة التي عقدتها
جمعيات الحفاظ علي البيئة في
نادي الجزيرة وأعلن أنه يجب إنتظار نتائج الدراسات
التي ستجريها وزارته للوقوف علي
الآثار الجانبية التي سوف تترتب علي ردم أجزاء
من النيل علي طول مسار المحور المزمع
تنفيذه. أي أنه إعترف أن هناك ردم
!
الدليل الرابع هو
العجالة الملحوظة للإنتهاء من
دراسات جدوي المشروع وتنفيذه في غضون عام ونصف
بدلا من عامين مما يشير إلي وجود
ضغوط من أصحاب المصالح العليا وخاصة
المستثمرين للإنتهاء من هذا الأمر وتمريره في
وقت قياسي. وقد أصبح هذا جليا فور الأعلان عن
إستقبال رئيس الجمهورية للمستثمر
العربي من جانب وشريكه المقاول المصري من جانب
آخر.
هناك إذن تواطؤ بين مستثمري الفورسيزون وبعض
المسئولين
لتنفيذ هذا المشروع الذي يمكن إعتباره حق يراد به
باطل. فهم يبررون الحاجة إليه
بالإختناقات المرورية الناتجة عن تركز منشآت
فندقية وحكومية ومقار للسفارات علي
الكورنيش والمحور المواز له أي شارع القصر
العيني. إلا أن هذا الوضع كان موجودا
قبل بناء الفندق، وازداد تفاقما بالتأكيد بعده
أي أن الحكومة أو المحافظة أو الجهة
الإدارية أو السياسية التي صرحت بإنشاء هذا
المبني الخدمي والترفيهي الضخم في هذا
الموقع كانت علي دراية تامة بأنها تساهم في
خلق مشكلة جديدة من خلال زيادة الكثافة
البنائية في منطقة مكتظة أساسا بمنشآت لها نفس
الطبيعة مثل المريديان وفندق حياة المواجهين للفورسيزون
كان من المستحيل أن تستوعب فندق جديد بهذا
الحجم.
ويريدون الآن أن حل المشكلة بكارثة لا يعلم أحد عواقبها.
ألا يكفي ما سببه هذا
المبني القبيح من تشويه للكورنيش وذاكرة
المكان فقد شيد في موقع كان يحتله قصر عدلي
باشا يكن رئيس وزراء مصر السابق والذي
كان يعد تحفة معمارية قام بتصميمها المعماري
أنتونيو لاشياك مصمم مبني بنك مصر
الكائن بشارع محمد فريد بوسط البلد. وقد بيع
القصر عام 1970 لشركة سويسرية ثم
للمستثمر العربي في الثمانينات وقام هذا الآخر
بإزالته قبل صدور قرارات منع
هدم القصور والفيلات الأثرية ذات الطابع
المعماري المميز. وفي الدول ذات السيادة
التي تحترم تراثها وتاريخها وتحرص علي نوعية
الحياة في مدنها، لم يكن من الممكن
السماح أولا لهذا المستثمر الأجنبي بهدم
القصر، ثم التصريح له ثانيا ببناء الفندق
والترويج أخيرا لمشروعه بردم النيل والبقية
تأتي! وإذ أدت إزالة قصر عدلي يكن إلي
أهدار تراث معماري فريد فإن التفكير في ردم
فرع النيل الشرقي سوف يؤدي بدوره إلي
إهدار تراث طبيعي يحمل قيم تاريخية ورمزية
وبيئية ووظيفية لكونه فرعا مستحدثا في
عصر الخديوي إسماعيل. ففي بداية توليه الحكم
كان المجري الرئيسي للنيل يمر في الجهة
الغربية محاذيا لشارع الدقي الحالي مارا
ببولاق الدكرور وإمبابة بينما كان الفرع
الشرقي أو النيل الحالي عبارة عن سيالة ضيقة
تنحسر عنها المياة أكثر فصول السنة
لإرتفاع منسوب قاعها وكان السقاءون ينقلون
المياه منها إلي أحياء القاهرة فكانت
سببا في إنتشار كثير من الأمراض كما كانت
موطنا للبعوض. فأمر الخديوي بتحويل مجري
النيل من خلال بناء جسر يبدأ من مدينة الجيزة
ويمتد إلي إمبابة. فجرت المياه في
الفرع الشرقي الذي يطل عليه الفورسيزون. إلا
أننا لا نعتقد أن هذا المشروع سوف يمر
هكذا فالجمعيات الأهلية وشرفاء الوطن الحريصون
علي مصلحته قد بدأوا في التحرك
لإفشاله وطرح بدائل أخري.
إن المعركة قد بدأت ولم تحسم بعد، وسوف نري في
المستقبل
القريب إذا حل شعار الفورسيزون محل رأس حورس علي
أجنحة طائرات مصر للطيران أو إذا
ظل الفرع الشرقي للنيل متدفقا تحفه صوب
النباتات البديعة التي تبهج الناظرين معبرا
عن إرادة الشعب المصري في الوقوف ضد سطوة رأس
المال.