أصيب الشعب
التشيكوسلوفاكي في الحادي والعشرين من آب عام 1968 بصدمة من العيار
الثقيل عندما اقتحمت الدبابات الروسية تحت قيادة حلف وارسو شوارع العاصمة
براغ معلنة شعار القمع والقتل لكل من يريد التغير أو الوقوف بوجه نظام
الحكم الشمولي إبان العصر الشيوعي وقتها.
وجاء هذا التدخل اثر
إعلان مجموعة أطلقت على نفسها اسم مؤسسي ميثاق 77 أو حركة ربيع براغ
الإصلاحية من اجل التغير. وقام بالتوقيع على هذا الميثاق وقتها أي في
7/1/1967 حوالي 250 شخصا وهم مزيج من الكتاب والمثقفين والأدباء بالإضافة
إلى الشيوعيين الإصلاحيين اجمعوا على مطالبة الحزب الشيوعي باحترام حقوق
الإنسان والديمقراطية والتعددية السياسية وإعطاء الحريات بما يتماشى مع
دستور وقوانين الدولة الشيوعية ذاتها والتزاماتها الدولية التي قام
بالتوقيع عليها النظام الشيوعي نفسه وبمحض إرادته.
الحقيقة التي اعترف
بها احد أهم أقطاب تلك المبادرة وهو الرئيس السابق لجمهورية التشيك
فاتسلاف هافل أن نتيجة إعلان ميثاق 77 عاد في حينه بنتائج مغايرة لأهداف
ومطالب المبادرة التي كان يطمع بها أصحاب الميثاق. وهي على سبيل
المثال أن الهدف الرئيس هو الدفاع عن حقوق الإنسان وليس إسقاط النظام
الشيوعي مما أدى إلى حدوث حالة من الهسترية لدى الدوائر الحاكمة وقتها
نتج عنها حملة بوليسية شديدة على الحرية السياسية والصحفية استفاد منها
الغرب في الحرب الباردة لشتى الأغراض ومنها السياسية والدعائية. مما
اضطر موسكو لاحقا للضغط على براغ من اجل تخفيف تلك الحملة.
الهدف السوفيتي من
الغزو لتشيكوسلوفاكيا كان وحسب القادة السياسيين والعسكريين هو إعادة
أصحاب ميثاق 77 إلى رشدهم وبث رسالة للآخرين على أن النظام الشيوعي في
وسط وشرق أوروبا في أوج قوته ولا يجوز لأحد التمرد عليه في أي دولة من
كل دول الكتلة الشرقية الشيوعية آنذاك. الروايات التي يتحدث عنها
اليوم بعض من عاصر تفاصيل وأحداث الغزو السوفيتي أي بعد أكثر من 37 عاما
هم من اقرب الناس وقتها إلى النظام الشيوعي وهم أيضا كانوا من العسكريين
والسياسيين الذين شاركوا في تنفيذ الأوامر. ويروي احد ضباط وزارة
الداخلية التشيكوسلوفاكية لوسائل الإعلام التشيكية انه قبل الغزو
السوفييتي لبلاده كانت المخابرات العسكرية التشيكوسلوفاكية قد سلمت
تقارير مفصلة للمسؤولين السياسيين والقادة العسكريين حول تجمع حشود قوات
حلف وارسو على الحدود وان الأمر في غاية الخطورة وقد ينتج عنه احتلال
كامل للبلاد.
ولكن لم يكن هناك من
احد ليصغي أو يأخذ تلك التقارير على محمل الجد. وكان واضحا أن هؤلاء على
علم مسبق بما سيحدث وقال احدهم فيما بعد أن الأمر لا يتعلق بتهديد
السيادة الوطنية التشيكوسلوفاكية بل هو بمثابة إعادة بعض الأمور إلى
مسارها الصحيح لا أكثر. ويقول المؤرخون التشيك ومنهم انتونيين بنشيك و
دانييل نوفوتني أن تاريخ الغزو استطاع السوفيت وبشكل جيد إخفائه عن
مخابرات الدول الغربية والدليل على ذالك أن احد كبار ضباط حلف شمال
الأطلسي وقتها ذهب في إجازة قبل الأحداث بأيام قليلة. بالإضافة إلى أن
موسكو نجحت في شن حملة تضليل واسعة النطاق تزامنت مع انتهاء حلف وارسو من
مناورات كان يجريها في منطقة شومافا على الأراضي التشيكوسلوفاكية قبل
الغزو بفترة قصيرة جدا وهو ما ساعد عملية الغزو بشكل أسرع. مع العلم أن
تلك القوات المناورة كانت من حلف وارسو.
هناك استطاعت أيضا أن
تماطل بعد انتهاء عمليات المناورة الرسمية من اجل كسب الوقت أي أن
الأوامر كانت قد صدرت وان أمر الغزو قد تم دراسته من كل الجوانب. ويضيف
المؤرخ نوفوتني أن بعض القادة العسكريين والسياسيين في البلاد لم يتوقعوا
أو يخطر ببالهم أن موسكو ستحتل بلادهم فقط من اجل قمع موقعي ميثاق 77 أو
حركة ربيع براغ وأن هؤلاء كانوا على قناعة تامة من أن إمكانية الدفاع عن
البلاد أو صد هذا الغزو السوفييتي شبه مستحيل وان التطمينات كانت قد
أرسلت لهم من قبل كبار المسؤولين في قيادة الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي
والمتمثلة في أن هذا الغزو لن يمسهم ولن يمس السيادة الوطنية.
وكانت محكمة براغ قبل
فترة قد أصدرت حكما على كارل هوفمان البالغ من العمر 80 عاما بالسجن
أربعة سنوات بتهمة التخريب وخاصة تحديد مسؤوليته عن إيقاف بث الإذاعة
التشيكية العامة سنة 1968 أثناء الغزو السوفيتي لتشيكوسلوفاكيا وقتها
وذالك بسب مسؤوليته المباشرة عندما بدأت الإذاعة التشيكية بث موقفها
الرافض لتدخل حلف وارسو العسكري وعندها أمر هوفمان بإيقاف البث مباشرة.
وكان آنذاك وزيرا وفي نفس الوقت مواليا للتيار المناهض لحركة ربيع براغ
ومؤيدا للتدخل السوفيتي ضد بلاده. ويعتبر هذا الحكم هو الوحيد الذي نجحت
النيابة التشيكية بإصداره مع بدء التنفيذ بعد ثورة 1989 في مجال تقديم
المسؤولين الشيوعيين السابقين للمحاكمة.
وفي هذا الموضوع أعرب
الرئيس التشيكي فاتسلاف كلاوس استغرابه بعض الشيء من هذا القرار واعتبره
حالة شديدة الخصوصية وقال لا اعرف كيف يتم محاكمة هوفمان الذي انتهك
قانون الاتصالات قبل أكثر من 37 عاما في حين يبقى المسؤولن الحقيقيون في
موضوع التدخل آنذاك بدون عقاب. وأضاف كلاوس انه ينوي إصدار عفو عنه.